تغير العمل في عصر الركود الرأسمالي المزمن: الريع وفخ الجدارة واللامساواة

وائل جمال

في مارس ٢٠١٨، بدأت شركة “بريبتشوال جارديان” النيوزيلندية للخدمات المالية تجربة جديدة. قامت الشركة بتقليص أسبوع العمل من خمسة أيام لأربعة دون أي تخفيض للأجور والمكافآت للموظفين، الذين يبلغ عددهم ٢٤٠. حازت التجربة، وهي الأكبر من نوعها عالمياً، فوراً على اهتمام الأكاديميين، لتكشف دراسة أجريت في جامعة أوكلاند[1] على التجربة وصدرت في فبراير ٢٠١٩، عن أن الإنتاجية في الشركة زادت في أيام العمل دون أي تراجع في كمه. ومع تحسن الأداء، كشفت الدراسة أيضًا عن تحسن التوازن بين العمل والراحة، وعن تراجع التوتر وضغوط العمل لدى الموظفين. سبق هذه الدراسة بشهرين دراسة أخرى لأحد مراكز الأبحاث البريطانية، تدعو، عكس كل ما هو معتاد، لتقليص أسبوع العمل كطريقة لزيادة الإنتاجية[2]. وتقارن الدراسة بين ساعات العمل والإنتاجية في عدد من الاقتصادات الأوروبية كالمملكة المتحدة وألمانيا واليونان، مؤكدة أن ألمانيا أكثر إنتاجية من بريطانيا رغم أن البريطانيين يعملون في المتوسط ساعات أكثر، وأن اليونان الأقل إنتاجية رغم أن اليونانيين هو الأكثر عملاً. 

على مدى قرن، كان يوم العمل من ٩-٥ لخمسة أيام هو القاعدة في العالم الرأسمالي المتقدم. وبالطبع فهو أصلاً ظاهرة حديثة، ونتاج لصراع اجتماعي قاعدي ونضالات نقابية وعمالية على مدى عقود، نقلت العمل من عصر ال ١٦ ساعة يوميًا، وخلقت الفصل بين ما هو عمل وما هو راحة. وكما كان ذلك التحول نتاجاً لصراعات كبرى وتحولات فارقة في الرأسمالية والمجتمع والقدرات الإنتاجية، فإن العمل يعود مرة أخري إلى مركز النقاش في ظل تحولات رأسمالية نيوليبرالية منذ أواخر السبعينيات مزعت الأمان الوظيفي ومستويات الأجور، وكثفت من استغلال العمل وزادت متوسطات ساعات العمل. وترافقت هذه التحولات مع ضربات موجعة للنقابات، وتراجع هائل للعمل النقابي وللتمثيل السياسي للقضايا الاجتماعية، وبالطبع مع تصاعد جبار في معدلات اللامساواة في الثروة والدخل في الاقتصادات المتقدمة وعالمياً. 

وبعد أكثر من عشر سنوات من الأزمة الاقتصادية – المالية العالمية، مازال العالم يتخبط فيما يسمى بالركود المزمن، حيث تنخفض معدلات الربحية الرأسمالية، وتتراجع معدلات النمو الاقتصادي، وتزداد مخاطر الديون السيادية والخاصة للشركات والقطاع العائلي، ويظل عدم الاستقرار هو سمة الأسواق، فإن العمل يعود لمقدمة الأسئلة الرئيسية للمرحلة. بالذات مع تصاعد إحلال الآلات محل العمال في قطاعات عديدة. وتحاول هذه المقالة الإشارة إلى عدد من القضايا الرئيسية لتطور العمل، والنقاشات المركزية الدائرة بهذا الخصوص على خلفية تلك الأزمة الرأسمالية الشاملة. 

“من جد وجد”؟: الجدارة وعوائد العمل والحراك الاجتماعي 

في كتابه “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” يقتبس الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي من “الأب جوريو”، إحدى روايات بالزاك، مشهدا كاشفا للنقاش فيما يخص العمل والجدارة Meritocracy والحراك الطبقي. في المشهد يحاول السجين السابق فوتران استدراج الشاب راستينياك لارتكاب جريمة قتل يرث على أثرها ثروة كبيرة، فيحاضره بخصوص فرصه الاجتماعية المستقبلية ليثبت له وهمية قدرته على تحقيق النجاح الاجتماعي عبر الدراسة والموهبة وأن “السبيل الوحيد هو الثروة الموروثة”[3]. ويبدو أن درس فوتران عاد للواجهة في نهاية القرن العشرين مرة أخرى، بعد أن غاب، فيما يعتقد بيكيتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين “فقدت الثروة الموروثة كثيرًا من أهميتها، وربما لأول مرة في التاريخ، أصبح العمل والدراسة الطريق الأضمن للقمة.[4]

لقد انقلبت الآية منذ ذلك الحين مرة أخرى، مع التحولات النيوليبرالية في العقود الأخيرة، ومع تفاقم اللامساواة في الدخل من العمل واللامساواة في الدخل من الثروة. “إن الأجيال الشابة، وخاصة تلك التي ولدت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تعرف -إلى حد ما- الأهمية الجديدة التي يكتسبها الميراث في حياتهم وحياة أقاربهم وأصدقائهم. فالحصول على تبرع أو هبة أو عدمه، على سبيل المثال، من شأنه أن يحدد إلى حد كبير من سوف يصير من ذوي الأملاك، وفي أي عمر، وأين تقع وكم تبلغ مساحة العقارات المملوكة، وبمن سيرتبط، أو على الأقل يؤثر على تلك الأمور بشكل أكبر مما شهده آباؤهم. فحياتهم ومستقبلهم المهني واختياراتهم العائلية والشخصية كلها صارت تتأثر بالميراث -أو بعدم وجود ميراث- بشكل أكبر مما كان عليه جيل ازدهار المواليد.[5]

في عام ١٩٥٨، كان ٧٥ في المائة من الأطفال المنتمين لشريحة العشرين في المائة الأفقر يتمكنون من نوع ما من الصعود الاجتماعي، ويبقى الربع مكانهم. في ١٩٧٠، تراجعت النسبة إلى ٦٥ في المائة. اليوم، أقل من عشرة في المائة من فقراء بريطانيا استطاعوا الصعود لشريحة العشرين في المائة الأعلى في السلم الاجتماعي بما يجعله الوضع الأسوأ منذ الخمسينيات، وذلك بحسب مؤشر يُطلق عليه: “من الأسمال للثروات”. ويزيد الأمر سوءآً في بلد كالولايات المتحدة، التي تحولت بفعل اللامساواة في الثروة وضيق الحراك الاجتماعي إلى معكوس صورة “الحلم الأمريكي” و”الاجتهاد يصنع المعجزات في أرض الفرص”، حيث تنحدر النسبة إلى ٧.٥ في المائة فقط مقارنة بما يزيد عن ١٣ في المائة في كندا[6]. ولا تقتصر الظاهرة على الرأسماليات المتقدمة، فقد كشف البنك الدولي في تقرير له في مايو ٢٠١٨ عن الانفصال بين تحسن التعليم وتحسن الدخل والقدرة على الخروج من دائرة الفقر في الدول النامية، مما قلص إمكانيات الحراك الاجتماعي القائم على التعليم والعمل منذ الثمانينيات[7].

بل إن التعليم العالي هو ذاته صار في عصر الرأسمالية المتأخرة وسيلة لتكريس اللامساواة عوضاً عن تقليصها. يستنتج كتاب للباحث الأمريكي في جامعة ييل، دانييل ماركوفيتز، أن الجامعات الكبرى في الولايات المتحدة، بما تقوم به من فرز وغربلة وتصنيف، قد خلقت نظاماً طبقياً داخل المتعلمين، يتم تمريره من الأجداد للأبناء للأحفاد، وصنعت هرمية تنزع من الطبقة الوسطى المتعلمة من المهنيين وغيرهم الوعد بأن الجدارة طريق النجاح. ويضيف ماركوفيتز إن ما يسميه “فخ الجدارة” يمتد من الجامعات إلى نظام التوظيف الذي تستخدمه النخبة الأمريكية في شركات المحاماة والمال والتكنولوجيا، و”الذي يوظف أكثر الخريجين نخبوية من أكثر المدارس والجامعات نخبوية ويحولهم لمليونيرات. صارت الجدارة هي طريق سريع يصل جامعة هارفارد بوول ستريت وجامعة ستانفورد بوادي السيليكون[8].

صار التعليم العالي هو ذاته في عصر الرأسمالية المتأخرة وسيلة لتكريس اللامساواة عوضاً عن تقليصها.

لم يعد الجهد الفردي والاستحقاق هو المدخل للصعود الاجتماعي، وكما لذلك أكبر الأثر فيما يتعلق بمباديء الحداثة الديمقراطية الرأسمالية التي تعتبر التفاوت القائم على الجهد مبرراً أكثر من غيره، فإن ذلك له معاني وتبعات اجتماعية واقتصادية أوسع، وبالنسبة لطبيعة العمل ذاته. 

ويتعذر الفصل هنا بين هذه التحولات وبين الأزمة الرأسمالية وتراجع ربحية القطاعات الرأسمالية المنتجة وزيادة نفوذ القطاعات الاقتصادية القائمة على الريوع، وما يسمى برأس المال الصوريFictitious Capital. وتشير الزيادات المتواصلة في نصيب القطاع المالي من الناتج المحلي ونموه المستمر ونمو نصيبه من أرباح الشركات، بل ونمو نسبة أرباح العمليات المالية من أرباح الشركات في القطاعات غير المالية عالمياً إلى هيمنة لهذا السلوك الريعي الذي يتجاوز بكثير الدور الدافع للتمويل في تسريع عجلة التراكم الرأسمالي الإنتاجي. وما أقرب ذلك لمحاضرة فوتران في رواية بلزاك: الثروة تخلق الثروة، دون حاجة للعمل في أغلب الأحيان. 

في بريطانيا على سبيل المثال، تظهر الأرقام الرسمية أن صافي الثروة قد زاد إلى ٣ أضعافه منذ عام ١٩٩٥، بما يصل إلى ٧ تريليون جنيه إسترليني. لكن الأرقام ذاتها تظهر كيف أن خمسة تريليونات من السبعة قد تولدت بسبب ارتفاع أسعار المساكن والعقارات[9]. الملكية فقط تؤمن الازدهار وزيادة الثروة. 

في ظل هذه الوضعية تميل الاستثمارات الجديدة والتوسعات لعمليات إعادة شراء الأسهم والاندماجات والاستحواذات والاستثمار في الديون السيادية وإلإقراض الاستهلاكي وفي التمويل العقاري…إلخ. ومن الواضح ضعف علاقة كل هذه القطاعات بخلق الوظائف. 

عكس ذلك نفسه أيضاً في اتجاهات التوظيف. في السنوات الماضية انتشرت صورة كاريكاتيرية ساخرة  meme، لعامل يحفر لتوصيل كابل ويحاوطه العشرات من مسؤولي الشركة التي يعمل بها من رئيس للشركة ومديرها المالي ومدير الموارد البشرية ورئيس للقطاع….إلخ، دون أن يساهموا بأي شيء في العملية الإنتاجية. ورغم كاريكاتيرية الصورة، إلا أنها تشير إلى ظاهرة خلق رأسمالية الريع وفخ الجدارة لنوعية من الوظائف الفائضة عن الحاجة في الوقت الذي لا تستطيع فيه خلق وظائف إنتاجية بدعوى الكساد وتراجع الربحية أحياناً وبدعوى الإحلال التكنولوجي أحيانا أخري، وبسبب تغليبها للربحية مهما كان مصدرها، وإعادة إنتاج الطبقة الأغنى في الأساس. 

وفي الوقت الذي تخفض فيه الشركات من الوظائف أو تغير نوعيتها لوظائف مؤقتة أو بالعقود، فإنها قد تتوسع في نوع آخر من الوظائف من حاملي الأوراق وكاتبي الرسائل الإلكترونية. ويوسع ديفيد جريبر، الانثربولوجي بجامعة لندن، من دوافع خلق تلك الوظائف التي يسميها بالوظائف عديمة الفائدة، أو الوظائف التافهة Bullshit Jobs، إلى دوافع سياسية وأخلاقية: منها إعادة خلق الطبقة المالكة، لكنها أيضا طريقة للإخضاع من خلال التأكيد على ضرورة العمل في حد ذاته، حتى وإن كان لا يعني شيئا، بالذات في الوظائف قليلة الراتب والأدنى في الهيكل الوظيفي[10]، في آلية شبيهة بما يسمى بجيش البطالة الاحتياطي الذي يستخدم لرفع المنافسة في سوق العمل والضغط لتقليص الأجور وزيادة ساعات العمل. 

البريكاريا والتغيير الاجتماعي

كان التراجع المتواصل لنصيب العمل من الناتج على مدى العقود الماضية، والذي هو سمة لتطور اللامساواة في الدخل، نتاجاً لسياسات نفذتها الحكومات التي تبنت المشروع الطبقي النيوليبرالي منذ نهاية السبعينيات، في القلب منها فتح مجال تنفس للربحية الرأسمالية من أجل استئناف التراكم. وترافق ذلك مع ما سبق الإشارة إليه من تحول مراكز الثقل في النمو الرأسمالي في الاقتصادات المتقدمة وزيادة نصيب الريع ، مع تحول في التقسيم الوظيفي للإنتاج العالمي بتحويل متواصل للاستثمارات الإنتاجية لجنوب شرق آسيا وغيرها، فيما سمي بسلاسل الإنتاج العالمية،  للاستفادة من انحطاط الأجور وضعف التنظيم النقابي، ومن الاستبداد السياسي. 

كان من نتاج التحول النيوليبرالي أيضا تقليص مزايا العمل المختلفة، بالذات فيما يخص الأمان الوظيفي والمزايا الاجتماعية للعاملين بكافة أشكالها في إطار غلبة سياسات “مرونة سوق العمل”. ومن ثم ارتفعت نسبة ما يسمى بالوظائف المؤقتة وظهر حتى ما يسمى بالعقود الصفرية، وانتشار العمل بالقطعة في قطاعات عديدة. ومن ضمن تحليل ماركوفيتز لفخ الجدارة في الولايات المتحدة، ما جلبه بالنسبة لما يسميه “الياقات البيضاء” من الطبقة الوسطى من تدهور جبار في مزايا العمل وشروطه، لدرجة دعته لتسميتها بـ “البروليتاريا الرثة للعصر الحالي”[11].

وصك الاقتصادي البريطاني جاي ستاندنج مصطلح البريكاريا Precariat، وهو ما يعني الطبقة المتقلقلة أو المتزعزعة ليصف تلك الفئات الاجتماعية في ظروفها الجديدة، والتي لم تعد قاصرة على الغرب المتقدم. ويرسم ستاندنج ثلاثة أبعاد لهذه الطبقة التي تعاني من أشكال متعددة من عدم الأمان الوظيفي: الأول، هو أنها تواجه نمط عمل غير مستقر وغير آمن، سواء كان ذلك في المصانع في بنجلاديش أم عبر الحوسبة السحابية cloud computing. وعادة ما تحصل هذه الطبقة على أشغال تقل عما هم مؤهلون له. الثاني، أنها تعتمد بالأساس على دخلها من العمل. أي تفتقر لكل المزايا التي تمتلكها بعض قطاعات البروليتاريا، أي الطبقة العاملة، كالإجازات المدفوعة والصحية والمعاشات…إلخ. أما البعد الثالث، فهو أنها في علاقتها بالدولة تفتقد لحقوق المواطنة[12]، فلا تمثيل سياسي لمصالحها، بل ربما تناصبها الدولة العداء، كما يحدث بالنسبة لسكان العشوائيات أو المهاجرين في أوروبا. 

وترتبط قضية ظهور البريكاريا بقضية التطور التكنولوجي وميل شركات عديدة لإحلال الآلات والاستغناء عن العمالة حتى في القطاع الصناعي. ويستنتج كثيرون من قلقلة قطاعات العمل تلك ومن إحلال الآلات، إلى جانب بالطبع تبني مفاهيم ضيقة للطبقة العاملة تحصرها في الصناعة بالأساس، أن ما كان يسمى بالطبقة العاملة في الماضي كوحدة تحليل اجتماعية وكفاعل سياسي قد راح إلى غير رجعة. ودعا ذلك المفكر ديفيد هارفي مثلا للحديث عن انتهاء مكان العمل (المصنع في العادة) كمركز محوري للتنظيم العمالي والنقابي، لحساب الأحياء السكنية الفقيرة، القادرة وحدها على جمع مهمشي البريكاريا معاً. 

لكن عدداً من الباحثين بدأوا في تقديم انتقادات لهذه التصورات والاستنتاجات القائمة عليها. من بين هذه الانتقادات أن تعريف الطبقة العاملة التقليدي أوسع كثيرا من الطبقة العاملة الصناعية وهو يضم تقليديا على سبيل المثال عمال الموانيء، الذين صاروا يتوسعون ضمن قطاع يزيد باضطراد في صناعة اللوجستيات[13]. كما يعتبر البعض أن ظاهرة العمل المؤقت والقلقلة في سوق العمل ليست ظاهرة طارئة أو جديدة على الرأسمالية، وإنها كانت دوماً موجودة بدرجات، ويعتبر البعض الآخر أن ما يحدث قد يكون عودة إلى ما قبل الفوردية[14].

لكن أهم أوجه النقد ربما تنبع من مراجعة إحصائيات العمالة المتقلقلة، والتي قام بها الاقتصادي في جامعة ليستر جوزيف تشونارا في الحالة البريطانية، ليثبت إن نسبة العمالة المتقلقلة هناك لم تتغير كثيراً بالمقارنة بالثمانينيات[15].  كما يعيد آخرون النظر في حتمية التحول التكنولوجي لإنهاء فكرة العمل ضاربين المثل بالتحولات التكنولوجية المحورية في قطاعات، التي أنهت وظائف لكنها تسببت في التوسع في وظائف أخرى. في هذا الإطار يضرب المثل بماكينات الدفع الالكتروني للبنوك، التي كان يعتقد أنها ستنهي عمل موظف الشباك بالبنوك، لكن ما حدث هو أنها سمحت بتوسع عدد الفروع وبالتالي عدم الاستغناء عن الوظائف وتغير طبيعة الوظائف ذاتها[16].

أطروحات للمواجهة  

في مقال شهير نشر خلال الكساد العظيم تنبأ الاقتصادي جون ماينارد كينز بأن العمال في العالم الغني سيواجهون في يوم ما معضلة كيفية قضاء وقت فراغهم بسبب التطور التكنولوجي الذي سيخفض ساعات العمل إلى حدود ١٥ ساعة في الأسبوع فقط. الآن أقصى ما يمكن التفكير فيه برغم كل التطور التكنولوجي الذي فاق خيال كينز هو المحاولات الهامشية المحدودة لتقليص أسبوع العمل من ٥ إلى ٤ أيام كما حدث في تجربة نيوزيلندا وبعض التجارب المحدودة الأخرى في السويد. 

لكن الفكرة بدأت تظهر في دوائر تقليب الأفكار الرأسمالية للتعامل مع عواقب عدم الاستقرار السياسي الناتج عن تغير العمل على نحو ما يحدث. كما تظهر أفكار أخرى كالدخل الأساسي المعمم واحتساب العمل غير المأجور في الحسابات القومية والعودة للتنظيمات التعاونية والمشاعية. وكلها أفكار يمكن تأطيرها للتبرير للأوضاع القائمة أو الاستناد عليها بصياغتها لتحدي الأنساق الحالية في صلبها من أجل تغييرات حقيقية في الطريقة التي يعمل ويعيش بها مليارات البشر بالذات في سياقات قضية التغير المناخي، غير أن الأكيد هو أن تحولات كتلك لن تتم في مراكز صنع الأفكار أو في المجال الاقتصادي وإنما لن تتبلور بحق كاختيار شعبي وكاختيار للسياسات إلا في معمعة الصراع الاجتماعي والسياسي العصيبة. 


[1] The Perpetual Guardian Four-Day Week Trial: Guidelines For An Outcome-Based Trial – Raising Productivity And Engagement (White Paper), Coulthard Barnes, Perpetual Guardian, The University of Auckland, Auckland University of Technology (AUT) and Minter Ellison Rudd Watts, February 2019. https://is.gd/ZPrjnI

[2] Shorten the Work Week to Boost the Economy, Bloomberg, 1 February 2019. https://www.bloomberg.com/news/articles/2019-02-01/shorten-the-work-week-to-boost-the-economy

[3] توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة: وائل جمال وسلمى حسين، القاهرة: دار التنوير: ٢٠١٦.

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6]  Lee Elliot Major and Stephen Machin, Social Mobility And Its Enemies, London: Pelican Books: 2018.

[7] Fair Progress? Economic Mobility across Generations Around the World, Washington: The World Bank: 2018.https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2018/05/09/economic-mobility-in-developing-countries-has-stalled-for-the-last-30-years-wbg-report

[8] Daniel Markovits,The Meritocracy Trap: How America’s Foundational Myth Feeds Inequality, Dismantles the Middle Class, and Devours the Elite: London: Penguin: 2019.

[9] Laurie Macfarlane, Most ‘Wealth’ Isn’t the Result of Hard Work. It Has Been Accumulated by Being Idle and Unproductive, Evonomics, 13 November 2017. https://evonomics.com/unproductive-rent-housing-macfarlane/

[10] David Graeber, Bullshit Jobs: A Theory, New York: Simon & Schuster: 2018.

[11] Daniel Markovits, IBID.

[12] Gut Standing, Who are ‘The Precariat’ and why do they threaten our society?, Euronews, 2 May 2018. https://www.euronews.com/2018/05/01/who-are-the-precariat-and-why-they-threaten-our-society-view

[13] Seizing the Chokepoints, Jacobin, 10 September 2018. https://www.jacobinmag.com/2018/10/choke-points-logistics-industry-organizing-unions

[14] Aaron Benanav, Precarity Rising, Viewpoint Magazine, 15 June 2015. https://www.viewpointmag.com/2015/06/15/precarity-rising/

[15]   Joseph Choonara, Insecurity, Precarious Work and Labour Markets: Challenging the Orthodoxy: London: Palgrave Macmillan: 2019.

[16] Michael Roberts, Robots: What Do They Mean for Jobs and Incomes?, The Next Recession, 26 February 2018. https://thenextrecession.wordpress.com/2018/02/26/robots-what-do-they-mean-for-jobs-and-incomes/

نشرت في مجلة الديمقراطية عدد أكتوبر ٢٠١٩

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s