هل بالغت دراسة جنينة في تقدير حجم الفساد؟

وائل جمال

مدى مصر

20 يونية 2016

المبالغة هي التهمة الأساسية الموجهة لدراسة الجهاز المركزي المحاسبات التي على إثرها يواجه رئيس الجهاز السابق المستشار هشام جنينة المحاكمة بتهمة بث أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالاقتصاد المصري وتكدير السلم والأمن الاجتماعي.

واستخدم بيان لجنة تقصي الحقائق الرئاسية خمسة تعبيرات أساسية في نقد الدراسة: التضليل والتضخيم، وفقدان المصداقية، والإغفال المتعمد، وإساءة توظيف الأرقام والسياسات مما يظهر الإيجابيات بشكل سلبي، وإساءة استخدام كلمة الفساد. وهي انتقادات أو تهم تصب كلها في خانة أن الدراسة بها مبالغة في تقدير حجم الفساد في مصر.

لكن الدراسة في الحقيقة، إن شابها نقص أو ضعف منهجي، فهو يؤدي إلى العكس تماماً من التهم الموجهة إليها بالمبالغة: أي أنه في الحقيقة تقدير متحفظ كثيراً فيما يخص تكلفة الفساد السنوية في مصر.

ماذا تقول الدراسة؟

الدراسة المعنونة بـ”دراسة عن تحليل تكاليف الفساد بالتطبيق على بعض القطاعات في مصر”، والتي انفردت مدى مصر بنشرها كاملة يوم الأربعاء الماضي، تضع محدداتها الخاصة في محاولة قياس ما تعتبره تكاليف الفساد في مصر: أول هذه المعايير تصفها بأنها مكانية، أي فقط الجهات التابعة لرقابة الجهاز سواء كانت هيئات اقتصادية أم خدمية أم وزارات أم شركات. ويستبعد هذا بالضرورة كل جوانب وأنشطة الفساد التي لا تخضع قانونا لرقابة الجهاز.

المحدد الثاني تصفه الدراسة بأنه زماني يقتصر على تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات ذاتها والمعدة بالفعل لمدة أربعة أعوام من ٢٠١٢ وحتى عام ٢٠١٥؛ بل إن الدراسة نفسها تقول إنها لم تتناول “الحصر الشامل لتكاليف الفساد خاصة مع وجود قيود على الفحص في بعض القطاعات وضيق الفترة الزمنية للدراسة”. كما أن الدراسة تؤكد أيضا على أنها لم تغط النواحي البيئية والاجتماعية الخاصة بتكلفة الفساد ولا تكلفة الفرصة البديلة الخاصة بالحد الأقصى للأجور في الجهاز الحكومي.

ورغم أن الدراسة، والتي لم تكن معدة للنشر أصلا وإنما يبدو واضحا أنها مجرد تجميع لملاحظات الجهاز في تقاريره السابقة والتي بالضرورة يتم إرسالها للجهات المعنية لنقاشها، لم تذكر رقما إجمالياً لتكلفة الفساد (وهو الهدف الذي تضعه الدراسة لنفسها ناهيك عن تحليله)، فإن التركيز الأساسي في النقاش الذي ثار حولها كان على الرقم الذي ذكره المستشار جنينة في تصريح صحفي لليوم السابع في ديسمبر الماضي، والذي قال إنه يزيد عن ٦٠٠ مليار جنيه. وهناك ملحوظتان رئيسيتان على ذلك:

الأولى أن ما ترصده الدراسة في الحقيقة يشمل أربع سنوات وأن ما ذكره جنينة صحفيا يعني أن متوسط التكلفة السنوية هو ١٥٠ مليار جنيه فقط.

والثانية هي أن الدراسة تتعامل مع رقم أكبر بكثير من الـ٦٠٠ مليار. ففيما يتعلق فقط بهيئة المجتمعات العمرانية تورد بياناً بتكاليف فساد تقدر بـ ٨٧٩.٦٦ ملياراً، وهو ما يعني أن تقدير المستشار جنينة المعلن صحفيا متحفظ جدا. ولا نعرف بالطبع المعايير المنهجية التي على أساسها قلص سيادة المستشار التقدير إلى ٦٠٠ مليار فقط، وهل كان ذلك بناء على استبعاد بعض الحالات، ولا يظهر لنا الأساس الذي تم عليه ذلك: هل هو إعادة تقييم قانونية؟ هل هو تلقي ردود من الجهات المعنية؟ أم مجرد موقف متحفظ؟

لكن الأكيد هو أن كل حالة مذكورة في الدراسة لم يتم تحديدها من طرف واحد وإنما تم مخاطبة الجهات المعنية بها (وليس بغرض النشر)، وأن الدراسة قامت بالأساس على حصر مخالفات مرصودة بالفعل في تقارير سنوات سابقة مع تجميعها قطاعياً في الأغلب لرسم صورة عامة قد تكون مطلوبة للتنبيه إلى متروك الفساد الذي يمص دماء ثروة الناس.

التعريف ضيق

يقول تقرير لجنة تقصي الحقائق إن الدراسة أساءت استخدام كلمة الفساد، وإن التقرير “وضعها في مواضع أبعد ما تكون عما أقرته القوانين والمواثيق الوطنية والدولية والتعميم والخلط بين الوقائع والإجراءات وبين ما تم حسمه وما لم يتم حسمه وبين ما هو عام وما هو خاص”. كما وجهت انتقادات أخرى بأن تبني تعريف اهدار المال العام قد يكون فضفاضا وواسعا.

والحقيقة أن الدراسة قد اتبعت تعريفاً ضيقاً للغاية فيما يتعلق بالفساد، ربما بسبب الحدود الذي أشرنا لها. فالتعريفات السائدة للفساد في الواقع تضم ما هو خاص ولا تقتصر على ما تم إثباته في المحاكم (تقديرات غسيل الأموال مثلا أو التهرب الضريبي هي جزء من تقديرات الفساد برغم آنها قد لا تكون قد تحولت إلى قضايا في المحاكم أو وجهت فيها تهم. كما أن جزءا هاما من ممارسات الفساد قد تحدث نتيجة لقصور القانون عن إدراكها أصلا. وبالتالي فإن مهمة الجهة الرقابية وحتى الصحافة هي التنبيه لها من أجل تأطيرها ومكافحتها بتطوير القوانين).

وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية، فإن تعريف الفساد هو “سوء استغلال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية”. وهذا هو التعريف الذي تتبعه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD. طبعا هذا تعريف يتطلب مؤشرات إجرائية لقياسه وتحديده، لكنه تعريف يتسع جدا بالمقارنة بدراسة الجهاز المركزي للمحاسبات. فهو على العكس من نقد لجنة تقصي الحقائق يضم الخاص إلى جانب العام ويضم ما يقصر القانون عن التعامل معه.

دراسة جنينة تقدم لنا، بكل حدودها المنهجية وبرغم الاتهامات بالمبالغة، تقديرا شديد التحفظ وفقا للتعريفات التي تقرها القوانين والمواثيق الدولية والتي تضم تهريب الأموال والتهرب والتجنب الضريبيين والرشاوى والانحياز الحكومي والاحتكارات المحمية حكومياً وتصميم السياسات العامة لخدمة القلة وأنشطة التلاعب المالي في البورصات…الخ.

وعادة ما يتناسب الاقتصار في تعريف الفساد على الموظف الحكومي، وحبذا لو كان موظفاً صغيراً في المرور أو شيء من ذلك القبيل، مع توجهات البنك والصندوق الدوليين والمصالح المحلية التي تعمل على تقليص دور الدولة عموماً بالتأكيد على فساد كل رقابة حكومية أو دور حكومي في الاقتصاد.

بل إنك ترى حاليا حملة ممولة حكومياً في الإعلام ضد الفساد تترك كل شيء وتتهم الموظف الحكومي الذي يطالب بدقة الإجراءات بأنه هو الفاسد لتعطيل مصالح الناس، عوضاً عن الذين يتلاعبون بالإجراءات أو حتى المطالبة بتعديل القوانين إن كانت غير فعالة في القيام بما هي موجودة من أجله: ضمان الحقوق والوقاية من الفساد.

وفي الواقع فإن الاتهامات الموجهة للقدرات الفنية لموظفي الجهاز، وقد تكون صحيحة إذا ما وضعنا في الاعتبار إهمال الدولة المفهوم القانوني والسياسي لقضية الفساد وغياب التدريب والتطوير المطلوبين للتعامل مع التعقيدات المتوالية في أنشطة الفساد، هي اتهامات تصب أيضا في اتجاه قصور قدرة الأجهزة الرقابية عن التعامل مع أشكال الفساد التي تزداد تعقيدا، لا المبالغة في تقديره.

وتجدر الإشارة مرة أخرى هنا إلى أن ضعف الكفاءة- إن صح- لا يعني أنه لا حاجة للأجهزة الرقابية ولا أن الحل هو ترك الحبل على الغارب لممارسات المضاربين والمقامرين في سوق المال وغيرها، كما يدفع بنا بعضٌ من ليبراليي رأسمالية المحاسيب، الذين يصورون لنا الاقتصاد المصري، حالهم حال بعض المهووسين بالدولة، كاقتصاد قطاع عام حكومي فاشل، بينما حل القطاع الخاص محل العام في السيطرة على أكثر من ثلثي الناتج المحلي دون حساب الاقتصاد غير الرسمي.

المتروك

لكي نأخذ فكرة عن حجم المتروك هنا، أي حجم الفساد غير المتضمن في دراسة جنينة أو في النقاش العام حول الفساد في مصر، يمكن الإشارة إلى مؤشر محدود هو تقرير منظمة النزاهة المالية الدولية عن تهريب الأموال من مصر، والذي يقدرها بما يفوق الخمسة مليارات دولار في عام ٢٠١٢، (٣٠ مليار جنيه بأسعار ٢٠١٢ وما يفوق الستين بأسعار ٢٠١٦). وتحتل مصر مركزا متقدما في تهريب الأموال وفقا للمنظمة في القارة الأفريقية. هنا لا نتحدث عن الفساد السياسي ولا عن إساءة توجيه الدعم في الموازنة ولا عن توجيه قروض البنوك لأعضاء المجلس الأعلى لحكام القوت ولا غيرها من ممارسات الفساد الكبير السائدة والمتمكنة في مصر. ولن نتحدث هنا عن مئات الشركات المصرية المسجلة في ملاذات ضريبية لتهريب الأرباح وتجنب دفع الضرائب مستفيدة من نكوص حكومي عن النظر في الموضوع.

وبحساب تكلفة الفساد في السنة نسبة إلى حجم النشاط الاقتصادي: (رقم ال ١٥٠ مليار جنيه كمتوسط حجم الفساد- حسب تصريحات جنينة- منسوبا إلى متوسط الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام محل الدراسة ٢٠١٢-٢٠١٥)، نجد أنه لا يتجاوز ٧.٢ في المائة. طبعا هذا التقدير المتحفظ كلفته كبيرة جدا، إذ أنه يصل تقريباً لنفس حجم ميزانيتي الصحة والتعليم في العام المالي الحالي ٢٠١٦-٢٠١٧، لكن تحفظه الشديد وحجمه المقدر بأقل من قيمته الحقيقية يظهر إذا ما قورن بالاتحاد الأوروبي.

ففي عام ٢٠١٤ قدرت مؤسسة راند البحثية تكلفة الفساد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الاتحاد الأوروبيبما بين ١٧٩ مليار يورو و٩٩٠ مليار يورو (أي في حدود ٧.١ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في العام نفسه أي نفس النسبة المصرية). ومن هذه التكلفة تقول راند إن الفساد في المشتريات والمناقصات والمزايدات العامة لا يتجاوز ٥ مليار يورو.

إن التقدير المذكور في دراسة جهاز المحاسبات- على فداحته بالنسبة لدولة تتحجج حكومتها بنقص الموارد- هو أقل بشكل حاد من قيمته الحقيقية، وإلا كنا نقول إن حجم الفساد في مصر مساوٍ لحجمه في الاتحاد الأوروبي!

ملاحظات سريعة على بعض القضايا المنهجية

من ضمن الانتقادات التي وجهت لرصد الحالات المختلفة في الدراسة هي تنوع طبيعة الأنشطة التي ترصدها بصفتها فساداً. في هذه الانتقادات جانب من الصحة، إذ أن الدراسة لا تقدم لنا توضيحاً منهجيا إجرائياً بما يدخل في حسابها وما يخرج عنه. لكن في الحقيقة فإن تنوع ممارسات الفساد بالذات في قطاعات متباينة تماماً أمر طبيعي.

كذلك هناك قضية الزمن. متى نحسب تكلفة الممارسة الفاسدة؟ وكيف نحسبها؟ هذه قضية شائكة بالتأكيد كما هي قضية حساب تكلفة الفساد أصلا، بالذات لو اتبعنا التعريف الواسع الذي يأخذ في الاعتبار مثلا التكلفة البيئية. فهنا قد تكون الممارسة الفاسدة قد حدثت في عام بعينه لكن تكلفتها تدفع سنوياً لأجيال في المستقبل.

ويمكن ضرب المثل في هذا الإطار بقضية تصدير الغاز لإسرائيل والتي تكتنفها شبهات استغلال السلطة لمنفعة شخصية. فوفقا لتقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لعمرو عادلي وميكا مينيو بالويلو تم تقدير خسائر مصر من تعاقدات تصدير الغاز لإسرائيل بحوال ١٠ مليارات دولار من ٢٠٠٥ إلى ٢٠١٠. هذا هو تقدير التكلفة المباشرة المحسوبة عن هذه الفترة بمقارنة أسعار التصدير وقتها مع حساب تكاليف المشروع إلى آخره. لكن التقرير ذاته، الصادر في مارس ٢٠١٤، يشير إلى مواجهة مصر نقصاً حاداً في موارد الطاقة بل الاضطرار لاستيراد الغاز الطبيعي من الخارج. هنا تكلفة الفساد الذي تم توقيعه في اتفاق قبل سنوات تتجدد كل عام وتترك آثارها ما لم يتم التعامل معها بشكل أو بآخر.

ويمكن هنا الإشارة لما ترصده دراسة الجهاز المركزي للمحاسبات من أعمال إسقاط الديون الخاصة الذي تم دون نقاش عام. حيث تبدأ المشكلة قبل سنوات حين أعطيت قروض بلا ضمانات لعشرات قليلة من رجال الأعمال تركزت -وما زالت- في أيديهم حصص هائلة من محفظة قروض البنكين الحكوميين الأكبر: الأهلي ومصر. ثم مفاوضات تصالح استمرت بعدها. ثم أعدم البنكان أصول ديون وفوائد متراكمة لرجال الأعمال هؤلاء تقدر بحوالي ٥٨.٧ مليار جنيه للأهلي، و١٧.٣ مليار جنيه لبنك مصر ما بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٤. فالفعل نفسه حصل قبل سنوات لكن التصالح ثم الاسقاط تما في إطار زمني آخر. ويثير ذلك معضلة في توقيت حساب تكلفة هذه العملية تتطلب وضوحاً واتساقاً منهجياً. لكن لا يوجد ما يمنع من حسابها على وقت إعدام الديون من حيث المبدأ.

أيضاً تكشف ممارسة كهذه نوعا آخر من فساد انحياز السياسة الحكومية. فكر معي لو أن أحدا نادى بإسقاط الحكومة لجزء من قروضها المستحقة لبنوك خاصة مثلاً. بل فكر في اسقاط ديون الفلاحين المتعثرين. وقارن هذا بما حدث في الخفاء مع عشرات من رجال الأعمال من إعدام لديونهم المستحقة لصالح البنوك العامة.

بالتأكيد كان يجب أن تكون منهجية الدراسة أكثر إجرائية ووضوحاً؛ لكن هذا لا يلغي الطبيعة التقديرية لأي حساب لتكلفة الفساد، خصوصاً إذا اتبع المعايير الأوسع المتعارف عليها عالمياً، والتي ترتبط دوماً بفرضيات منهج التقدير.

ويُحسب للدراسة بعيوبها ونواقصها، ولشجاعة المستشار جنينة في الدفاع عنها، أنها على الأقل رصدت قمة جبل الجليد، وفتحت نقاشاً عاماً حول الفساد، وكشفت زيف الحرب المزعومة الشكلية التي تقول الدولة إنها تشنها عليه.

 

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s