“المراجعات الاقتصادية الكبرى”… البنكوقراطية أو كيف يحكموننا بأموالنا

وائل جمال

أصوات مصرية

30 نوفمبر 2015

في فبراير 2009، طلب حسني مبارك من حكومة نظيف إعفاء صغار الفلاحين من نصف ديونهم لبنك الائتمان الزراعي. وفي سبتمبر 2012 أعلن الرئيس القادم من جماعة الإخوان في عيد الفلاح إسقاط كل الديون التي تقل عن 10 آلاف جنيه. وفي أغسطس 2013 عاد الموضوع مرة أخرى ليُنسَب القرار هذه المرة لوزير الدفاع.

في كل مرة أقيمت الاحتفالات ورحب من رحب، قبل أن ترمى الكرة في ملعب البنك، ثم لا يحدث شيء. ثم في 2014 و2015، قالها وزيران مختلفان للزراعة بوضوح: لا إسقاط للديون، التي تقدر بما بين 1.5 مليار جنيه إلى 4 مليارات جنيه (تشمل الفوائد المتأخرة) لأنها “أموال الدولة”.أما ما تم فعلاً فهو بالأساس إعطاء مهلة للفلاحين للجدولة والتسديد وإلا الحبس، وربما إسقاط الفوائد المتراكمة لمن يسدد كامل الدين على الفور. هؤلاء فلاحون تقل القروض التي حصلوا عليها عن 10 آلاف جنيه. لم تسدد الدولة ديونهم دعماً للفلاحين بينما رفعت دعم المصدرين بنفس النظام القديم الذي توجه له انتقادات هائلة. ولا أسقط الجهاز المصرفي بعضها أو كلها كما يحدث أحياناً مع مستثمرين يقال إن ظروف السوق أجبرتهم على التعثر. وذلك برغم أهمية قطاع الزراعة والضغوط الاقتصادية الهائلة الواقعة عليه، وبرغم فقر هؤلاء الفلاحين المنتجين الذين يعولون أسراً.

ألا يمكن أن يكون في إسقاط هذه الديون، التي يمكن اعتبارها قروضاً غير منتظمة كما يسميها البنك المركزي، دعم للقطاع الهام الذي يمثل أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؟

لماذا يرفض الجهاز المصرفي إسقاط هذه الديون المتعثرة بكل هذا الإصرار؟

خصوصية النظام المصرفي

في أكتوبر 2008، في عز تفجر الأزمة المالية التي كانت أمريكية ثم صارت عالمية، استضاف المذيع الساخر الأمريكي الأشهر جون ستيوارت روبرت رايش الاقتصادي في بركلي ووزير العمل السابق في رئاسة بيل كلينتون. سأل ستيوارت رجل الاقتصاد: لماذا تعطي الحكومة الأمريكية 700 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب للبنوك التي تسببت هي نفسها في مشكلة الرهن العقاري؟ لماذا لا تعطي الحكومة هذه الأموال لمن فقدوا منازلهم؟ رد رايش بأن الإجابة الأولى التي تقال هي أن النظام المالي مختلف وأن إنقاذه حتمي لإنقاذ الاقتصاد، لأنه لابد وأن تتوفر لديه السيولة كي يعمل النظام المالي والاقتصادي.

هذه الخصوصية طرحت مراراً وتكراراً أثناء الأزمة ومازالت تطرح حتى الآن من قبل الحكومات والبنوك المركزية والاقتصاديين. لا ننسى أن أول رد فعل على الأزمة العالمية ذاتها في مصر كان التأكيد على سلامة النظام المصرفي المصري، وأن تلك نتاج نجاح خطة “الإصلاح المصرفي” التي عكف عليها محافظ البنك المركزي فاروق العقدة لضبط أوضاعه (خفض نسب القروض غير المنتظمة وخفض عدد البنوك العاملة بما يعني تركزها أكثر في كيانات أكبر وأقوى …إلخ).

غير أن هذا الخطاب صار هو الآخر محل نظر ونقاش عالمياً.

هُم أم الاقتصاد؟

يقول جون كايال اقتصادي وكاتب العمود الأسبوعي في جريدة فاينانشيال تايمز البريطانية العريقة في كتابه الصادر مؤخراً “أموال الناس الآخرين: أسياد الكون أم خدَّام الشعب؟” إن إحدى السمات الأساسية للأزمة المالية العالمية كانت أنه “بدا أن أغلب من يعملون في التمويل يعتبرون أن هناك التزاماً على الحكومة وعلى دافع الضرائب أن يضمنا استمرار القطاع بمؤسساته وأنشطته وحتى المكافآت والعلاوات الاستثنائية التي يحصل عليها من يعملون به بصورته الحالية. والأغرب أن هذا الاعتقاد كان موجودا لدى السياسيين والرأي العام”. “لكن التمويل لا يتمتع بخصوصية، واستعدادنا لقبول الفكرة التي تقول بهذا بشكل غير نقدي قد تسببت في ضرر هائل”، يضيف كاي.

يشتبك كاي مع الفكرة التي تقول إن تداول الأوراق المالية بصورها المختلفة، وهو النشاط الذي كشفت الأزمة أنه صار محوراً لنشاط البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية كبنوك الاستثمار وصناديق التحوط وغيرها، مفيد للاقتصاد في حد ذاته. “إن التداول يتحكم في عالم التمويل اليوم وهو المصدر الرئيسي للعوائد ولمكافآت المديرين”. لا يقبل كاي الفكرة التي تقول إن الابتكار المالي يسهل البيع والشراء في الأسواق بأقل التكاليف. بالنسبة له: أولئك الذين يشترون ويبيعون قطع الورق تلك يسهلون فقط الأمور لآخرين يشترونها ويبيعونها، ولا يقدمون سوى القليل لمساندة الاقتصاد الحقيقي.

يشيركاي إلى 4 وسائل يمكن أن يساهم بها التمويل والجهاز المصرفي فعلاً في خدمة الاقتصاد الحقيقي: الوسيلة الأولى، كنظام مدفوعات يمكن عن طريقه تسديد وتلقي الأجور والرواتب وشراء السلع والخدمات التي نحتاجها. ويخدم النظام نفسه الشركات في نفس الأغراض. الثانية، التوفيق بين المقرضين والمقترضين بتوجيه المال لأفضل استخدام له من وجهة نظر مصالح المجتمع. والوسيلة الثالثة هي التمكين من إدارة المدخرات الخاصة خلال حياة الناس وعبر الأجيال. والرابعة هي أن يساعد التمويل والجهاز المصرفي الأفراد والشركات في التعامل مع المخاطر التي يواجهونها في الحياة اليومية والحياة الاقتصادية.

لماذا إذن ابتعد التمويل عن هذا النشاط وبدلا من وظيفته الأساسية كوسيط، تواصل نمو نشاطه في التداول؟ هناك العديد من الإجابات على هذا السؤال من بينها جشع القائمين على أمور هذا القطاع، ومن بينها ضعف الرقابة والتشريع، ومن ضمنها الحديث عن التوغل في الابتكار المالي في المشتقات وأخذ المخاطر دون رادع. لكن الإجابة الأهم هي القدرة على تحقيق أرباح هائلة في وقت تتراجع فيه معدلات ربحية القطاعات الحقيقية (غير المالية كالصناعة والزراعة وغيرها) بشكل متواصل.

“إن القيمة الحقيقية للقطاع المالي في المجتمع هي قيمة الخدمات التي يقدمها وليس العوائد التي يجمعها من يعملون فيه. ولقد بدت هذه العوائد كبيرة جداً مؤخراً. وفي كل آلاف الصفحات التي كتبت عن صناعة التمويل في السنوات الأخيرة، تم تكريس مساحة ضئيلة للغاية للسؤال الذي يقول: لماذا هذا القطاع يربح لهذا الشكل؟”، يتساءل كتاب جون كاي.

في مصر، حقق القطاع المصرفي أرباحاً هائلة على مدار السنوات القليلة الماضية في وضع عانى فيه الاقتصاد وزادت البطالة وزاد الفقر المدقع. وكانت هذه الأرباح مصدراً ضمن مصادر أخرى للتأكيد المتواصل الحكومي ومن أوساط الأعمال على صلابة الجهاز المصرفي وحسن أدائه ومثالية أساسياته. ورغم الفروقات الجوهرية بين القطاع المالي المصرفي وغير المصرفي في الخارج وبينه في مصر، فإن هناك تشابهات.

يقول تقرير لبنك الاستثمار بلتون في أغسطس الماضي عن أداء القطاع في الربع الثاني من العام الحالي إن “أرباح كافة البنوك التي نغطيها جاوزت توقعاتنا تقريباً بسبب تسجيل أرباح جيدة من الفوائد ومن غير الفوائد، مما أدى لنمو غير متوقع بالإيرادات. فقد ارتفع إجمالي الأرباح بنسبة 30 في المائة مقارنة بالربع الثاني لعام 2014. جاء نمو صافي الأرباح بدعم من ارتفاع الإيرادات بقوة (سواء على مستوى صافي أرباح الفوائد أو الأرباح من غير الفوائد). كما ارتفع المعدل السنوي لمتوسط العائد على حقوق المساهمين إلى 25 في المائة في الربع الثاني لعام 2015 من 21 في المائة في الربع الثاني لعام 2014”.

وفي ظل أن معدل الإقراض للودائع في الجهاز المصرفي ككل وفقاً لبيانات البنك المركزي قد وصل إلى 41.4 في المائة فقط في يونيو الماضي، فإن نمو الأرباح الأكبر لا يجيء من الوساطة المالية بحسب وسائل كاي الأربع. فقد “بلغ متوسط الأرباح من غير الفائدة 23 في المائة (فقط) من الأرباح التشغيلية في الربع الثاني لعام 2015 مقارنة بـ 29 في المائة في الربع الثاني لعام 2014″، بحسب التقرير، الذي حسب أيضا أن تكلفة الودائع بالنسبة للبنوك التي يغطيها بلغت متوسطاً قدره 5.3 في المائة (أي متوسط الفائدة المدفوعة للمودعين).

في المقابل تقرض البنوك المصرية الدولة من خلال شراء أذون وسندات الخزانة (صارت تملك ما يصل إلى ثلاثة أرباعها بعد أن كان نصيبها يصل لما يفوق النصف بقليل قبل ثورة يناير). تتلقى البنوك متوسطات فائدة مقابل ذلك تتراوح بين 12 و14 في المئة وكادت تصل إلى 16 في المائة في لحظة ما في 2012. تأخذ البنوك أموال المودعين وتقرضها للدولة بنسبة مخاطر شبه منعدمة لتحقق أرباحاً من فروق الفائدة. ويقول بنك الاستثمار بلتون في تقريره إن كافة البنوك حققت نمواً جيدا في أرباحها منها بارتفاع قدره 35 في المائة في الربع الثاني من العام الحالي، وهو الأمر الذي لا يمكن اعتباره ظاهرة استثنائية. تأخذ البنوك أموال المودعين وتقرضها للدولة التي تنفقها وتدفع تكلفة الفائدة المرتفعة من الضرائب التي يدفعها المودعون بصفتهم مواطنين، وأصحاب الأجور والمستهلكين، فيحقق مديرو البنوك أرباحاً هائلة ومكافآت أكبر.

من يدفع ومن يربح ومن يقرر؟

لا يتوقف الأمر عند النمو الهائل في الأسواق المالية ومنتجاتها المبتكرة التي صارت مجالا استثماريا مربحا للنحل الرأسمالي الذي يهيم بطول وعرض الكرة الأرضية بحثاً عن الرحيق. في كتابهما “بيت من الدين: كيف تسببوا (وأنت معهم) في الكساد الكبير وكيف يمكن منع تكرار حدوثه” يربط كل من عاطف ميان وأمير صوفي الاقتصاديان بجامعة شيكاغو بين التضخم الجبار في الديون الخاصة وبين الأزمة وتباطؤ النمو. ويشيران في الكتاب الصادر في 2014، والذي كان ضمن القائمة القصيرة لجائزة فاينانشيال تايمز لأهم كتاب اقتصادي للعام، لتضاعف حجم ديون القطاع العائلي الأمريكي إلى 14 تريليون دولار في 3 أعوام بين عامي 2003 و2007.

يعود ميان وصوفي لسؤال جون ستيوارت: إذا كان الأمر كذلك لماذا لم يتم ضخ الأموال في أيدي الناس المتضررين بدلاً ممن تسببوا في الأزمة في الأصل؟ إجابة رايش لستيوارت في الحوار كانت أن هناك “اشتراكية في الخسائر ورأسمالية في الأرباح”. أما من ناحيتهما فرصد الكاتبان أن ضخ الأموال في الجهاز المصرفي لم يقتصر على الولايات المتحدة، مشيران إلى التجربة الإسبانية التي تم فيها ضخ 125 مليار دولار في سنة واحدة لإنقاذ البنوك من خلال دول الاتحاد الأوروبي. وكانت النتيجة هي نقل الدين إلى الموازنة العامة ليقع على عاتق المواطنين في نهاية الأمر ويهدد الاقتصاد ككل بالإفلاس السيادي وبأقسى إجراءات التقشف الاقتصادي.

“إن مساندة البنوك في الولايات المتحدة ذهبت أبعد كثيراً من حماية نظام المدفوعات”، يقول الكتاب مضيفاً أن السبب في ذلك قد يكون سياسياً: “البنوك منظمة جيداً وقادرة على حماية مصالحها”.

البنكوقراطية

يوم الأربعاء الماضي، قضت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور على العاملين في بنك مصر لينضم إلى بنوك الأهلي المصري والقاهرة والتعمير والإسكان وتنمية الصادرات الحكومية الحاصلة على أحكام من القضاء الإداري بإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء السابق إبراهيم محلب بتطبيق أحكام قانون الحد الأقصى للأجور على العاملين في البنوك. ما رفضت الدولة إسقاطه عن الفلاحين، ستدفعه وأكثر أجوراً ومكافآت لمديري تلك المؤسسات المالية التي تشرف على إقراض نفس الدولة أموال المودعين بفوارق فائدة تحسن ميزانياتها وأرباحها.

في الوقت نفسه، بدأ الحديث المستلهم من توجهات البنك الدولي الجديدة عما يسمى بالاحتواء المالي؛ كاستراتيجية من أجل العدالة الاجتماعية Financial Inclusion. يعني هذا ضم المزيد من الفقراء لعباءة الجهاز المصرفي، وتعبئة مدخراتهم فيه. ومن ثم يقال إن ذلك يمكنهم من الاقتراض لاحقاً من البنوك وبدء مشاريعهم الخاصة التي تخرجهم من الفقر. فبما أن نسبة التغطية المصرفية للتجزئة في مصر لا تتجاوز 7.6 في المائة من السكان فإن توسيع نسبة التغطية تلك، في ظل التركيب الحالي للنظام السياسي والاقتصادي والمالي، يعني توسيع بيت الدين الخاص بنا لخدمة أرباح القطاع ومن يتحكمون فيه ويستخدمونه.

في الولايات المتحدة، وبعد مرور الأزمة، رفع أصحاب المنازل الذين فقدوها في الأزمة بسبب قرارات البنوك قضايا في المحاكم عليها وعلى مدرائها الماليين، واستطاعوا الحصول على تعويضات بـ86 مليار دولار بين عامي 2008 و2013. لم يتعرض أي من هؤلاء المدراء للسجن مثل فلاحي مصر (فكما كان هناك مبدأ: أكبر من أن تترك للإفلاس، كان هناك مبدأ أكبر من أن يسجنوا). لكن الأحكام أثبتت المسئولية فيما حدث وعرت انحيازات النظام السياسي والقضائي.

يسمي الاقتصاديان الناشطان في مجال الديون الفرنسي إريك توسان والأمريكي اندرو روس هذا الوضع بالبنكوقراطية بالنسبة للأول وحكم الاعتماد بالنسبة للثاني في كتابين صدرا في الشهور الأخيرة. ويعرف روس حكم الاعتماد أو حكم البنوك بأنه  “الحكم أو حيازة السلطة لخدمة مصالح الطبقة المقرضة، أو أنه المجتمع الذي يتم فيه الحصول على الاحتياجات الأساسية من خلال الاستدانة“. الكتابان أكثر راديكالية بكثير فيما يتعلق بوضعية النظام المالي وضرورة السعي إلى اقتصاد بديل تماما في جوهره وآليات عمله يتجاوز الرأسمالية و”السرقة المنظمة التي تقوم بها المؤسسات المالية”. لكن كتابي كاي وميان وصوفي، وهم باحثون واقتصاديون لا يمكن وصفهم بالجذرية، يتفقان مع توسان وروس الراديكاليين في أن إسقاط جزء من الديون الخاصة والعامة (كديون الفلاحين المصريين) هو حل أساسي لا غنى عنه للتعامل مع الخلل الوظيفي والسياسي للنظام المصرفي وأزمة الدين وتجنب ويلات أزمة جديدة.

“من الممكن أن يكون لدينا نظام خدمات مالية أبسط وأصغر ومتوافق أكثر مع حاجات الاقتصاد غير المالي ولتحقيق نظام مدفوعات كفؤ وتخصيص موارد فعال واستقرار اقتصادي أكبر وأمان أكبر في إدارة وتخطيط مدخراتنا الشخصية وثقة أكبر فيمن يقدمون النصيحة المالية”، بصياغة كاي في كتابه. بينما تتمنى مجلة الإيكونوميست البريطانية المحافظة في نهاية عرضها له “أن يلقى أذناً صاغية لدى من هم في السلطة”.

***

“إن جريمة اقتحام بنك والسطو عليه لتتضاءل بالمقارنة بتأسيس بنك”.

الشاعر والمسرحي الألماني برتولد بريخت – المولود في 1898 والمتوفي في 1956

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s