المراجعات الاقتصادية الكبرى.. وللضريبة مُتْعَتُها إن كنتم تعقلون

وائل جمال

أصوات مصرية

23 نوفمبر 2015

إذا سمعت أن خلافاً يدور بين حكومةٍ ما وبين صندوق النقد الدولي فماذا تتوقع؟ في الأغلب سيبدر إلى ذهنك أن الصندوق يطلب من هذه الحكومة أن تقلل الضرائب، وبخاصة الضرائب على الشركات والأعمال وأنها تقاوم دفاعاً عن المورد الرئيسي لعوائدها، ومن ثم إنفاقها.

عكس هذه الصورة تماماً هو ما حدث في مايو الماضي بين حكومة مصر وبين المؤسسة الدولية بعد أن أعلنت مصر تجميد ضريبة محدودة النطاق على الأرباح الرأسمالية في البورصة كان قد تم إقرارها قبلها بشهور. فالصندوق المعروف تاريخياً بتململه تجاه ما قد يقلق عالم المال والأعمال أعلن هذه المرة تململه من تجميد الضريبة على لسان كريس جارفيس رئيس بعثة الصندوق لمصر الذي قال على الفور: “نشعر بخيبة أمل مع تأجيل ضريبة الأرباح الرأسمالية، والتي كنا نراها عادلة ومطلوبة لزيادة الإيرادات”. ونتج عن ذلك توتر شديد بين الشريكين عكس نفسه في إلغاء مصر من جانب واحد لاستقبالها بعثة يرأسها جارفيس في أعقاب ذلك وبعد أن كان أول أعضاء الوفد قد وصل مصر بالفعل. فيما يتعلق بهذه الضريبة، وقفت حكومة مصر على يمين الصندوق في وقت تشكو فيه من قلة العوائد الضريبية بحجة ضعف العائد منها مقابل الأثر السلبي على البورصة، وذلك بعد 4 سنوات من ثورة تطالب بالعدالة الاجتماعية، وبعد 8 سنوات من أزمة أعادت الضرائب ودور الدولة واللامساواة إلى قلب النقاش العام، وفي دوائر الاقتصاديين.

* الضرائب والديمقراطية وأزمة الحكم

مع الأزمة العالمية في 2007 و2008 تركز الانتباه على السياسة النقدية وأسعار الفائدة وتدخلات البنوك المركزية في الأسواق. لكن رويداً رويداً، وتحت ضغط الأموال الضخمة التي تم ضخها لإنقاذ الشركات والمؤسسات الرأسمالية الضخمة، وأحياناً تأميمها، انتقل النقاش إلى السياسة المالية وحدود الإنفاق الحكومي بعد أن تضخم العجز في موازنات الدول إلى الحد الذي بات يهدد بعضها في أوروبا بالإفلاس وعدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

كان الحل المعتمد هنا مزيجاً من التقشف وتخفيض الإنفاق الاجتماعي والحكومي، وتوسيع قاعدة دافعي الضرائب غير المباشرة من الشرائح الأفقر، وهو حل مطروح في مصر عبر ضريبة القيمة المضافة وعنصر أساسي في الوصفة المقدمة لليونان.

في مقابل هذا ظهر تيار يشير بالأساس للتطور الهائل في اللامساواة والتعميق المتزايد للفجوة بين الأغنياء والفقراء. ويمد هذا التيار الخط على استقامته معتبرا أن ذلك الوضع يمثل أزمة حُكم وديمقراطية، وأن الإصلاح يجب أن يمر عبر تغييرات كبرى في السياسة المالية وفي السياسة الضريبية. ومن الممثلين البارزين لهذا التيار المتسع، الاقتصادي الفرنسي ذائع الصيت توماس بيكيتي، الذي جعل لضريبة عالمية على الثروات الهائلة المتراكمة مكاناً أساسياً في الوصفة التي يقدمها لاسترداد الديمقراطية والتعامل مع اللامساواة.

في هذا الإطار أيضا يبرز الاقتصادي البريطاني ريتشارد ميرفي الذي يُطلق عليه مخترع “سياسات كوربن الاقتصادية”، Corbynomics، في إشارة إلى قائد حزب العمال البريطاني اليساري الذي يهز صعوده الحياة السياسية في بلد مارجريت تاتشر على مدار الشهور الماضية.

ميرفي أستاذ في الاقتصاد السياسي، له خلفية في المحاسبة، يبلغ من العمر 57 عاماً. عاش أغلب حياته ناشطا وباحثاً في شؤون الضرائب. وهو يقوم بالتدريس في جامعة سيتي في لندن، واختير كالمدافع الأول عن العدالة الضريبية في بريطانيا في عام 2015، قبل أن يتحول إلى قلب الجدل العام في بريطانيا بعد أن صارت أفكاره هي الملهم الأول للسياسة التي يقدمها حزب العمال البريطاني الآن، لدرجة أن برنامج السياسة الاقتصادية الجديدة للحزب ذكره بالاسم مرتين. وفي الأول من أكتوبر الماضي أصدر ميرفي كتابه الجديد تحت عنوان “متعة الضرائب، كيف يمكن أن يخلق النظام الضريبي العادل مجتمعاً أفضل”، متحدياً كل الأفكار السائدة عن الضرائب.

* لماذا تفرض الدولة الضرائب؟

يهزأ ميرفي من المقولة الشائعة التي تشابه بين الموت والضرائب في أن الاثنين لا مهرب منهما. يقول ميرفي إنه لا نقاش في صحتها فيما يتعلق بالموت. وذلك على العكس من الضرائب التي منذ ابتداعها كأحد أبرز ابتكارات الإنسانية، كان التهرب منها ملمحاً تاريخياً أساسياً.

يبدأ ميرفي بالاعتراض على مقولة إن أموال الضرائب هي أموال المواطنين في يد الحكومة وهي المقولة التي يستخدمها كل السياسيين أو المعترضين على السياسات الضريبية القائمة. بدلاً من هذا يكيف ميرفي وضع أموال الضرائب بطريقة مختلفة. فهو يعتبر أنه في المجتمعات الديمقراطية لا يجب فرض ضريبة إلا بالتوافق الديمقراطي. ومن ثم تصبح أموال الضريبة من الناحية القانونية والسياسية ملكية للمجتمع ممثلاً في جهاز الحكم الديمقراطي. ويصبح الاعتداء عليها بتجنب الضرائب أو التهرب منها، وهو ما يفعله الأثرياء بطول وعرض العالم، هو الاعتداء على الحق على ملكية الغير.

لا يعفي هذا في رأيه من محاسبة الحكومة بمنتهى الدقة لكنه يتفادى أن تقود المقولة إلى عكس ما توحي به من ضرورة الرقابة الديمقراطية الفعالة. فهي تستخدم من أعداء الضرائب كمدخل لأن يكون من الطبيعي والمبرر أن يتهرب الناس من مصادرة الحكومة لأموالهم، أي ملكيتهم الخاصة.

“الواقع هو أنه في ظل الديمقراطية يمكن أن ينظر للضريبة على أنها أحد أمهر الاختراعات الإنسانية التي ننتفع منها جميعاً كنتيجة لمساهمتها الهائلة في رفاهنا. لا عجب إذن في الاعتقاد بأن للضريبة متعتها”، يقول الكتاب مشبهاً من يصيغون تعريف الضريبة في صيغتها السابقة بأنهم “كاللصوص الذين يعرفون قانون السرقة”.

تقول لنا الحكومات إنها تفرض الضرائب كي تكون قادرة على الإنفاق على البنود المختلفة. الحكومة المصرية مثلاً أكدت أن الضريبة الإضافية التي فرضتها مؤخرا على السجائر ستذهب إلى تمويل الإنفاق الصحي (تشكو الأمين العام لنقابة الأطباء من أنه لا أثر لهذا في الموازنة)، وأنه لا مكان لزيادة الأجور أو تحسين الخدمات لأن أموال الضرائب لا تكفي.

يقلب ميرفي هذه الفكرة رأساً على عقب. “الحكومة ليست ملزمة بالمرة بفرض الضرائب كي تفي باحتياجات الإنفاق”. فمن ناحية، قامت الحكومات دائماً بطبع النقود (وحكومتنا تفعل هذا)، وقامت أيضاً ببرامج ما يسمى بالتيسير الكمي حيث “تخلق نقوداً من لا شيء بإصدار الأوراق الحكومية”، على حد تعبير الكتاب عوضاً عن فرض ضرائب جديدة أو رفع معدلات الضرائب القائمة.

كما أنه في التاريخ وفي الحاضر لم يسر الأمر أبداً بالطريقة التي تصورها لنا حكومتنا. فقد كان الملوك يقررون أولاً شن الحرب وربما يقترضون ثم بعد العودة من ساحة النزال ترفع الضرائب لتمويل ما حدث.

“حرفياً، توازن الضرائب الإنفاق الحكومي باستعادته كله أو استعادة جزء منه من الاقتصاد. لكن ما لا تفعله أبداً هو أنها تدفع ما تنفقه في المقام الأول لأن أي حكومة تستطيع أن تنفق دون ضرائب. المقولة الشائعة بأن الحكومة تفرض الضرائب كي تستطيع الإنفاق ماهي إلا أسطورة”، يقول ميرفي.

استعادة ما أنفقته إذن هو السبب الأول في رأي ميرفي لفرض الضرائب. ويعدد الكتاب ما يعتبره دوافع واقعية أخرى لفرض الضرائب.

أولها هو تنظيم الاقتصاد بالطريقة التي تراها الحكومة مناسبة، عبر استخدام كمية النقود المتاحة. وهذه أداة شديدة الفعالية في أثرها على النشاط الاقتصادي. فالحكومة تضخ أموالها لتعوض عدم قدرة أو رغبة البنوك مثلاً على ضخ الأموال في السوق مما يمنع الاقتصاد من أن يدور بكامل قدرته الممكنة.

وبالطبع هناك إعادة توزيع الثروة من الأغنياء للفقراء، وهو الأمر الذي صارت أهميته تزداد مع الإدراك المتصاعد لمشاكل اللامساواة. ويشير الكتاب أيضاً لإعادة تسعير بعض السلع التي لا تعكس السوق قيمتها الحقيقية لهذا السبب أو ذاك، كأن ترفع سعرها دون سبب، أو تقلل من أثرها البيئي والاجتماعي، كالضريبة التي يمكن فرضها على استخدام الفحم مثلا في إنتاج الطاقة للحد من استخدامه.

من المقولات السائدة مثلاً أنه في الدول الحديثة الديمقراطية “لا ضريبة دون تمثيل”. وتنعكس هذه المقولة في بند شبه ثابت في الدساتير المصرية يشترط التشريع البرلماني لفرض الضرائب. وبالتأكيد يمكن أن تلعب الضرائب دوراً في دفع عدالة التمثيل الاجتماعي.

ويحذر ميرفي هنا من التركيز الإعلامي والحكومي على ضريبة الدخل لإثبات عدالة النظام الضريبي، مشيراً إلى أنها ضريبة ضمن نطاق واسع للغاية من الضرائب، وأن الاقتصار عليها في الصورة يفتح المجال للتهرب من المساهمة الضريبية العادلة. ففي مصر على سبيل المثال، لا تساهم الشركات سوى بـ7 في المائة من إجمالي إيرادات الدولة مقابل نسب مرتفعة جدا للضرائب غير المباشرة وغيرها، كما يرصد هذا المقال الهام لرضا عيسى وعمرو عادلي في الشروق تحت عنوان “خدعوك فقالوا إن الشركات تدفع ضرائب في مصر”. وتتجاهل السياسة، تحت ضغوط اللوبيات، الأشكال الأخرى من الضرائب الهامة كالضريبة على الأرباح الرأسمالية والضريبة العقارية والضريبة على الثروة.

* الضرائب وعقيدة التقشف والكفاءة

هذا الميل لتحميل الفئات الأوسع من الناس الحصة الأكبر من العبء الضريبي، وتخفيفه على الشركات، هو من أهم ما تقوم عليه عقيدة التقشف المالي (وفي قلبها ما صار صندوق النقد يسميه مؤخرا التوازن المالي أي أولوية تحجيم عجز الموازنة على ما عداه من اعتبارات)، وانسحاب الدولة من الاقتصاد. إذ أن انسحاب الدولة هو الضمان لكفاءة عمل الاقتصاد كما يدعي هؤلاء قولاً ويخلفون عملاً بحسب ما كشفته تطورات الأزمة العالمية.

“في الواقع أي شخص يقترح انه يجب على الحكومة استهداف التوازن المالي (تقليص عجز الموازنة) فهو يقول في الحقيقة إنه لا يجب على الحكومة أن تأخذ على عاتقها مهمة إدارة الاقتصاد لمنفعة الناس الذين ينتخبونها، وإنه ينبغي بدلا من هذا أن يترك الاقتصاد لحاله ليخرج عن السيطرة إن حدث شيء خاطئ في الأسواق، وذلك بأن تتنحى الحكومة جانباً ببساطة ولا تفعل شيئاً”، يقول كتاب ميرفي.

يحذر ميرفي أيضاً من مقولة أخرى شائعة لاستبعاد ضرائب بعينها على أساس أن عائدها قليل أو لا قيمة له: “الضريبة لا تساوي الكفاءة المالية”.

مثلاً، عندما تستهدف الضريبة خدمة اجتماعية بعينها لا يكون العائد الذي تولده هو الأساس. أو عندما تستخدم الضريبة لترشيد سلوك اقتصادي بعينه، كفرض ضريبة أرباح رأسمالية على بيع الأراضي والأصول مما يقلص المضاربة، ويحجم فقاعات العقارات التي تستنفد الموارد والاستثمارات فيما ليس له أولوية وترفع الأسعار إلى ما لا نهاية.

* أولئك الذين لا يرغبون في أن تعمل الضرائب

هناك دائماً من لا يرغبون في دفع الضرائب ولا أن يعمل النظام الضريبي كما ينبغي. في حالة ضريبة الأرباح الرأسمالية على البورصة المصرية المشار إليها أعلاه، نجح لوبي المصالح المالية في فرض إرادته في هذا الموضوع في كل مرة دخل فيها المواجهة مع الحكومة. وهو لوبي له وزنه السياسي في الحُكم المصري بما يتجاوز وزن الصندوق أو غيره من المؤسسات الدولية.

في هذا الإطار عادة ما يُشار للتهرب الصغير من دفع الضرائب سواء من خلال الاقتصاد غير الرسمي الصغير ومتناهي الصغر أو من قبل المهنيين، لكن نادراً ما يشار إلى التجنب والتهرب الضريبيين من قبل الشركات والأثرياء. مثلاً، يقول التقرير الإقليمي لشركة تيتان العالمية للأسمنت عن عام 2014 إن الشركة لم تخضع من الأصل للفحص الضريبي في مصر بين عامي 2009 و2014، بينما تؤسس شركات مصرية عديدة شركات في الملاذات الضريبية تقوم هي بالاستثمار محلياً بصفة مستثمر أجنبي، ومن ثم تتجنب دفع الضرائب في مصر. ناهيك عن ظاهرة تهريب الأموال غير الشرعية التي يقوم بها كبار الموظفين المرتشين وبعض رجال الأعمال وغيرهم ممن يرغبون في إخفاء حجم أعمالهم. وتحسب منظمة النزاهة العالمية حجم هذه الأموال الخارجة من مصر بين عامي 2003 و2012 بحوالي 37.6 مليار دولار عشرة مليارات دولار منها في عامي 2011 و2012 فقط.

يقول ميرفي إن من يملكون القدرة على القيام بهذا التجنب الضريبي، الذي لا يجرمه القانون، هم الكبار الذين يملكون ما يكفي لهندسة تأسيس شركات امبراطورياتهم بالطريقة المناسبة بمعاونة الخبراء الماليين وشركات الاستشارات الضريبية.

لا يجب أن يسمح نظام ضريبي يستهدف الرفاه بحدوث هذا. ففي ظله تكون الضريبة وسيلة لزيادة المساواة في الثروة والدخل، وتصحيح خطايا الأسواق، ولضمان الاستدامة البيئية ولضمان النمو والشفافية والديمقراطية.

ينهي ميرفي كتابه بخطاب متخيل يعلن من خلاله السياسة الضريبية التي يتخيلها ومن بين إجراءاتها فرض ضريبة على الثروة في بريطانيا وإيقاف الضرائب الموحدة المعادية للفقراء والديمقراطية على حد تعبيره، إلى جانب ما يسميه “التيسير الكمي من أجل الشعب” في مقابل برنامج التيسير الكمي للبنوك والشركات الكبرى.

* “متعة” الضرائب في بيت كاميرون

بعد صدور الكتاب تعرض ميرفي لهجوم شديد، ناله فيه بعض ما ينال جيريمي كوربن من هجوم اليمين البريطاني وغير البريطاني. فكتب تيم ورستال في موقع مجلة فوربس يقول عنه إنه لا يفهم في الاقتصاد بالمرة. لكن الأهم كان تعليق رئيس الوزراء البريطاني وزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون الذي هاجمه خلال مؤتمر الحزب الأخير قائلاً إنه اشترى كتابه “متعة الضرائب” وإنه أخذه للمنزل ليطلع زوجته سامنثا عليه: “يتضمن 64 وضعاً…لكن أياً منها لم يصلح”، وقوبل تلميحه الجنسي الساخر بتصفيق حاد من الحاضرين.

وكان رد ميرفي في جريدة الجارديان أن كاميرون “اعتقد أنه يلقي نكتة، لكنه كشف الاختيار الحقيقي في السياسة البريطانية: بين أولئك الذين يؤمنون في سلطة الدولة في التدخل لصالح الناس وبين أولئك الذين هم ميسوري الحال بالفعل ويريدون أن يكونوا المتلصصين الذين يبقون جانباً بينما تتدفق الثروة لأعلى في إطار الدولة المنكمشة التي يسعون لها”.

الضرائب سياسة ومتعتها تصلك إذا حرصت على أن تعمل لصالحك.

Advertisements

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s