كيف نفهم العدالة الاجتماعية؟ دليلك للتعريف والمفاهيم

وائل جمال
بالمشاركة مع آخرين ضمن كتاب: العدالة الاجتماعية.. مفاهيم وتطبيقات “دليل تدريبي”
(ورشة تدريب ـ القاهرة 27 و28 ديسمبر 2014)
الناشران: منتدى البدائل العربي للدراسات ومؤسسة روزا لوكسمبورغ

new العدالة الاجتماعيةCTP

 

بعد ثورة 25 يناير صار الكل مدافعين عن العدالة الاجتماعية. فقد فرض كونها كانت جزءا من الشعار الرئيسي للجماهير أن تكون مرجعا ومصدرا لشرعية الكل سواء كانوا في الحكومة أم في الأحزاب أم في النقابات. لكن حين يتعلق الأمر بتعريف ومعنى العدالة الاجتماعية بالنسبة للسياسات وبالنسبة لتوزيع الأعباء والفرص ينتهي الاتفاق إلى غير رجعة.

تعريف أم تعريفات؟

يكتنف تعريف العدالة الاجتماعية ما يكتنف القضية ذاتها من عدم اتفاق بالغ. بل إنه “يعتقد البعض أن السعي للعدالة الاجتماعية فخ ووهم وأنه يجب أن تقودنا مثل أخرى كالحرية الفردية”.[i] أما بين من يقبلونها كهدف “ليس الكل واضحا فيما يخص معناها. في بعض الأحيان يبدو أنها ليست أكثر من رطان يستخدم لإضافة بريق على سياسة ما أو اقتراح يرغب محدثنا في أن نؤيده. قد يكون الناس ملتزمين بالعدالة الاجتماعية في المجرد، لكنهم بالرغم من هذا يختلفون اختلافا مرا حول ما يمكن فعله بشأن مشكلة اجتماعية ملموسة كالبطالة”.[ii] وتجعل هذه الحقيقة الواقعة لأي تعريف أو نظرية عن العدالة مكونا معياريا قيميا مؤكدا.

تجعل هذه الحقيقة من تحديد وتعريف العدالة الاجتماعية كمفهوم مستقر أمرا معقدا لكن كثيرا من الباحثين والمفكرين لا يرونه مستحيلا بالرغم من ذلك. وفي السنوات الأخيرة صارت العدالة الاجتماعية أمرا يتعلق بالحقوق والمواطنة وليس بالعمل الخيري والتبرعات، أمرا يتعلق بالمجتمع ككل وليس فقط بالمحتاجين، وأيضا أمرا في صلب السياسات العامة.

١التعريف بحسب ما يراه الناس الذين تتعلق بهم

صاحب هذا المدخل في التعريف هو المفكر السياسي البريطاني ديفيد ميلر في كتابه أسس العدالة الاجتماعية” حيث يبدأ من “القناعات الشعبية الواسعة بخصوصها” ويقيم نظريته لأسس العدالة الاجتماعية على بحث في حركة الناس وفي الجدل السياسي القائم. يقوم هذا التعريف للعدالة الاجتماعية إذن على مبادئ العدالة التي يعتنقها الناس بالفعل. وبالتالي فمكونات التعريف التعددية بالضرورة تتغير وتصبح مهمة بقدر ما لها صلة بسياقها في الواقع.

في هذا الإطار ينبني تعريف العدالة الاجتماعية على الطريقة التي تنظر بها إليه المجموعات الاجتماعية التي تناضل من أجله. وتصبح محددات العدالة في الحالة المصرية مثلا الحد الأدنى والأقصى للأجر، تعيين العمالة المؤقتة، استعادة الشركات الحكومية المباعة بالفساد، الحق في الإدارة الذاتية لوسائل الإنتاج، توفير الخدمات الصحية الكفؤة الرخيصة للكل. الخ. في هذا التعريف تتعلق العدالة بتوزيع (الجيد) المزايا) والسيئ( الأعباء داخل المجتمع والطريقة التي تخصص بها الموارد للناس عبر مؤسسات المجتمع. ومن عيوب هذا المدخل لتعريف العدالة الاجتماعية تناقضات بين القوى الاجتماعية المختلفة (لمن الأولوية في موارد الدولة مثلا؟ الصعيد أم الفلاحون أم الصحة؟) كما أن آراء الناس ومطالبها تتغير بمرور الوقت ومعها يتغير التعريف بشكل متواصل.

٢التعريف المنطلق من مؤسسات المجتمع العادل

في مواجهة الطريقة السابقة يقف جون راولز وهو فيلسوف أمريكي ليبرالي وأستاذ فلسفة سياسية في هارفرد توفي عام 2002 وهو ملهم تيار الليبراليين المساواتيين، الذي فرض نفسه ووجوده خلال الثلاثين عاما الماضية.

ينطلق هذا التيار من قضية العدالة التوزيعية، أي كيف يمكن توزيع مزايا وأعباء التعاون بين اللاعبين المختلفين في المجتمع.

ويضع راولز الثقل في هذا على تطوير لنظرية العقد الاجتماعي: “كيف توزع المؤسسات الاجتماعية الرئيسية الحقوق والواجبات الأساسية وتحدد توزيع مزايا التعاون الاجتماعي”[iii]. ويضع راولز نظريته التي يسميها العدالة كإنصاف من أجل تطبيق ما يسميه “البنية الأساسية” أو المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع. “توفر النظرية مثالا معياريا لتقييم الأساس السياسي الدستوري للمجتمع والترتيبات الاقتصادية الاجتماعية الأساسية”.[iv]

يقيم راولز العدالة الاجتماعية بناء على مبدأين رئيسيين: الأول هو أن لكل فرد الحق في المطالبة بالحريات الأساسية المتساوية وبمنظومة اجتماعية تقوم على هذا، والثاني وجود شرطين لعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية: الأول أنها ترتبط بإعطاء الكل المساواة في الفرص.. أي أنه لكل شخص حق متساو في النظام الأوسع من الحريات الأساسية المتساوية بالنسبة إلى الجميع، والثاني هو أن تكون عدم المساواة للفائدة العظمى للأعضاء الأقل حظوة في المجتمع وهو ما يسميه مبدأ الاختلاف وهو لا يتعلق فقط بالمزايا الاقتصادية والاجتماعية كالدخل والأجور وإنما أيضا الآفاق والآمال والتطلعات. وكل ذلك في إطار تكافؤ الفرص، الذي يعني أن اللامساواة في الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية مبررة فقط إذا كانت مرتبطة بوضعيات يكون لدى الجميع فيها فرصة منصفة في احتلالها وبوجود مواهب معينة لدى كل فرد. [v]

في هذا الإطار سيندرج الدستور وكيف ينظم الحقوق وتوزيع الفرص في المجتمع كمواد الإنفاق على الصحة والتعليم في دستور 2014، وأيضا تندرج القوانين التي تنظم الحقوق والحريات النقابية وشبكات الأمان الاجتماعي) هل هناك دعم للفقراء؟ هل هو كفء، هل هناك دعم للعاطلين؟.. الخ)

٣مدخل رفع الظلم

يقوم هذا المدخل في التعريف على إن نظرية العدالة يجب أن تنطلق لا من التركيز على المجتمع العادل، وصورة المؤسسات المطلوبة فحسب بل بالأساس على المقارنات القائمة على الواقع لرصد تقهقر وتقدم العدالة، وعلى رأس هذه المؤشرات صور عدم المساواة غير المنصفة.

ويؤكد أهم من أسسوا لهذا المدخل وهو المفكر الهندي الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد أمارتيا صن (وهو تلميذ راولز) أن نقطة البدء في العدالة الاجتماعية هي تشخيص الظلم وتحليله تمهيدا لرفعه. “إن إدراك المظالم التي يمكن رفعها لا يدفعنا إلى التفكير في العدل والظلم فحسب، بل هو لب نظرية العدالة أيضا”، كما يقول في كتابه فكرة العدالة. ويضيف صن أنه “كي تصلح نظرية ما في العدالة كأساس للتفكير العملي، لابد لها من أن تتضمن طرقا لتقدير كيف يمكن إنزال الظلم وإعلاء العدل، بدل التوجه فقط لوصف المجتمعات التي تتسم بعدالة كاملة”.

يرصد تقرير لمنظمة أوكسفام صادر في يناير 2013 بعنوان “تكلفة عدم المساواة: كيف يضر التفاوت في الدخل والثروة بنا جميعا”، التصاعد الهائل في التفاوت في فرص الناس على كوكب الأرض وحظوظهم فيما يتعلق بالدخل والثروة. يقرر التقرير الحقيقة القاسية وهي أن دخل المائة ملياردير الأغنى عالميا في 2012 سيكون كافيا من أجل إنهاء الفقر المطلق للأبد في العالم” مطالبا قادة العالم بالتعامل مع الأزمة حتى بهدف إيصال عدم المساواة لمستوياته عام 1990. “أغنى واحد بالمائة من السكان زادوا من دخولهم بنسبة ٦٠% في العشرين عاما الماضية، وقد تسببت الأزمة المالية العالمية في تعميق وتسريع هذه الوضعية”، بحسب التقرير. وقد عكس التفاوت نفسه بعشرات الأشكال الأخرى منها القدرة على الوصول للخدمات العامة الأساسية وللعمل الملائم. في هذا الإطار فإن الشرق الأوسط يصنف على أنه المنطقة الأعلى عالميا في التفاوت في الدخل والفرص أي الأقل من حيث العدالة الاجتماعية.

في هذا السياق اندلعت الثورات والانتفاضات العربية. ولقد قامت تنحية قضية العدالة الاجتماعية، ودفعها لخلفية الأولويات فيما أعقب هذه الثورات، على أرضية تفسيرات عدة لهذه الثورات تبقيها في فلك الحريات السياسية المجردة والفجوة الجيلية وأثر التطور التكنولوجي لوسائل التواصل الاجتماعي على التنظيم، أو ببساطة خصوصية عربية تنزعها من هذا السياق العالمي متجاهلة للأثر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والاحتجاجي لمحاولة الالتحاق العربي المتسارع بالمشروع الليبرالي الجديد العالمي كما ظهر بأوضح صوره في تونس ومصر والأردن وحتى سوريا. في المقابل، كان من أثر الثورات العربية أن ألهمت تحركات ذات طابع اجتماعي اقتصادي سياسي على رأسها حركات احتلوا وغيرها. فكأنما ربط الحس الجماهيري ما رفض التيار السائد في الصحافة العالمية وفي التحليل الأكاديمي ربطه في أن الثورات العربية هي امتداد للاحتجاج المتصاعد على مظالم الليبرالية الجديدة وسياساتها خلال العقود الماضية عالميا وعربيا.

السياسي والاقتصادي والعدالة الاجتماعية

لا يقتصر الربط بين الطبيعة السياسية والاقتصادية للعدالة الاجتماعية فقط على الثوريين أو الجذريين في نقدهم للرأسمالية وإنما يمتد لليبراليين مساواتيين كأمارتيا صن، الذي يعنون أحد كتبه باسم “التنمية حرية“. بل إن إصلاحيين أمريكيين عديدين أبدوا قلقا من أثر تراجع العدالة على استمرارية النظام الديمقراطي، الذي صار يسمي لدى بعضهم بديمقراطية الواحد في المائة. وتبدو قضية الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي عصية على الحل دون عدالة اجتماعية ترفع ثقل الأغلبية في توازن القوى السياسي. والعكس أيضا صحيح: فلا تبدو القوى الاجتماعية المتنفذة سياسيا مستعدة لتقديم تنازلات فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية دون ضغط يهز سيطرتها السياسية.

في حوار مع جريدة الجارديان في ديسمبر 2014 يقول الاقتصادي الفرنسي ذائع الصيت توماس بيكيتي (صاحب الكتاب الاقتصادي الأهم في عشرين عاما: رأس المال في القرن الحادي والعشرين): “خذ مصر كنموذج: إجمالي ميزانية التعليم الموجهة لما يقرب من 100 مليون شخص أقل مائة مرة من عائد النفط لحفنة من الأشخاص في قطر. ومن ثم نسعد نحن في باريس وفي لندن بشراء هؤلاء الأشخاص لنوادي الكرة والشقق وبعدها نفاجأ بأن الشباب في الشرق الأوسط لا يأخذ بأي جدية ديمقراطيتنا وعدالتنا الاجتماعية”.[vi]

دراسة حالة: الكفاءة أم العدالة

“ليس معنى العدل الاجتماعي أن نأخذ من الغنى لنعطي الفقير أو نأخذ قطعة من الكعكة لنعطيها لفئة أخرى، ولكن أن نزيد من حجم الكعكة التي نقوم بتوزيعها”.

وزير التنمية الاقتصادية في حكومة أحمد نظيف – أكتوبر 2010

على مدى سنوات طويلة ظهر وكأن هناك مقابلة ومواجهة بين الكفاءة الاقتصادية وبين العدالة والتوزيع. ومع هيمنة مقولات الليبرالية الجديدة ومقولات إجماع واشنطن على السياسة الاقتصادية عالميا، بدا أن الكفة تميل في اتجاه أولوية النمو الاقتصادي. وتم ربط العدالة بهذه الفكرة عن طريق نظرية “التساقط الاجتماعي”. وتقول هذه النظرية إن مد النمو يرفع معه كل المراكب في نهاية الأمر وإن هذا هو الذي يشكل الأساس المادي للعدالة. لكن هذه النظرية صارت محل تشكك كبير قبل وبعد الأزمة المالية العالمية في 2007-2008 ويعبر البنك الدولي في تقرير له صدر في أكتوبر 2010 عن أثر الأزمة العالمية على هذا قائلا: “لم تغير الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009 النظام الاقتصادي العالمي فقط وإنما أيضا طريقة تفكيرنا بخصوصه. المبادئ والممارسات التي كانت حكمة مقبولة صارت محل شك أو بلا مصداقية. وانفتحت أمامنا أسئلة أساسية جديدة لم يكد البحث عن إجاباتها يبدأ”.[vii]

ويقول كتاب محرر صدر في 2009 لعدد من الكتاب الآسيويين، بعنوان الديمقراطية الاقتصادية عبر النمو المنحاز للفقراء[viii]، إن منظور تساقط الثمار قد سقط نهائيا، مناديا بتبني منظور فكرى جديد، لم يعد بعيدا عن أجندة الحكومات، ديمقراطية كانت أم لم تكن.

“إذا كنا فشلنا في تقليل الفقر بدفع معدل النمو أولا لماذا لا نجرب مدخلا جديدا: فلنقض على الفقر أولا ولنرى ما إذا كان ذلك سيدفعنا إلى مسار نمو أعلى وأكثر استدامة؟”. ويقول الكتاب إن الفقراء ليسوا قليلي الكفاءة وإنهم يساهمون بالفعل في النمو الاقتصادي، حتى إن تجاهلهم مؤشر نمو الناتج المحلى الإجمالي، ولو حصلوا على التعليم والصحة لساهموا بالمزيد “بكل تأكيد”. ولا ينسى الكتاب حقوق الفقراء السياسية في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، وعلى المعلومات، وعلى “العدالة”.

ويلخص داني رودريك الاقتصادي البارز في جامعة برينستون دروس ما بعد الأزمة قائلا إن “في المجتمعات التي تتسم بدرجة عالية من التفاوت بين الناس، حيث الأسر الفقيرة محرومة من الفرص الاقتصادية والتعليمية، يتمكن الكساد من النمو الاقتصادي. ثم هناك الدول الاسكندنافية حيث من الواضح أن سياسات المساواة لم تعترض طريق الرخاء الاقتصادي. في وقت مبكر من هذا العام، قَدَّم خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي النتائج التجريبية التي يبدو أنها تقلب الإجماع القديم رأسا على عقب. فقد وجدوا أن زيادة المساواة ترتبط بنمو لاحق أسرع في الأمد المتوسط، سواء بين البلدان أو داخلها. وعلاوة على ذلك، لم يَثبُت أن سياسات إعادة التوزيع قد تخلف أي تأثيرات ضارة على الأداء الاقتصادي. ويبدو أننا نستطيع أن نحصل على كعكتنا ونلتهمها أيضا. وهي نتيجة لافتة للنظر – خاصة وأنها تأتي من صندوق النقد الدولي، المؤسسة التي لم يُعرَف عنها أنها مبتدعة أو أنها قد تتبنى أفكارا ثورية”.[ix]

لم يعد أحد في حاجة لإثبات أن الصلة بين نمو الناتج المحلى الإجمالي والتنمية (تنمية البشر) ليست مثالية ولا مؤكدة. فبلدان الشمال الأوروبي كفنلندا والنرويج لا تتصدر العالم من حيث متوسط نصيب الفرد منه ولا معدلات نموه. لكنها تحتل مكانة متقدمة للغاية على مؤشر التنمية الإنسانية الخاص بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة.

ويقول هذا بشكل واضح إنها أكثر كفاءة في ترجمة النمو إلى رفاهة حقيقة للناس بفضل خدمات عامة مكثفة تمولها ضرائب مرتفعة، بينما هناك دول كالولايات المتحدة وبريطانيا، تحتل موقعا متقدما من حيث متوسط نصيب الفرد (الذي لا يكشف الفجوة بين الأعلى دخلا والأقل دخلا)، ومكانا متأخرا بالنسبة لمجموعة الدول الأولى على مؤشر التنمية. وتطبق هذه الدول، الأقل كفاءة في تحويل النمو إلى الناس، معدلات ضريبية منخفضة نسبيا وبرامج اجتماعية أضعف.[x]

تأتى هذه المفارقة من أن سياسات الدول التي تتبنى حرية الأسواق على طريقة نمو الأرباح أولا، تميل للانحياز لمناخ الاستثمار “الجيد” على حساب أي شيء آخر. دول الليبرالية الجديدة تفضل سلامة النظام المالي وسيولة المؤسسات المالية على ظروف السكان وسلامة البيئة.

بل إن دراسة مستفيضة[xi] قام بها اثنان من علماء الوبائيات (هما ريتشارد ويلكنسون وكيت بيكيت) على 25 دولة متقدمة والخمسين ولاية أمريكية، كل واحدة منها كدولة في حد ذاتها، تثبت أنه كلما ازدادت عدم المساواة في المجتمع، مهما كان غنيا، زادت ظواهر ومشاكل المرض العقلي ووفيات الأطفال وتراجع معدل العمر المتوقع والبدانة وتدهور أداء الأطفال التعليمي ومعدلات الانتحار وعدد المسجونين ومعدلهم بالنسبة للسكان وتراجع الحراك الاجتماعي، بل وقدرة الناس على الثقة في بعضهم البعض. ويدعم الكاتبان هذه الصورة بكم هائل من الإحصائيات التي تعود لمصادر موثوقة على رأسها الأمم المتحدة.

يؤكد الباحثان أيضا أن نظريتهما برغم ذلك تعمل في الدول الفقيرة ذات الدخل الضعيف: عدم المساواة عائق أمام سكان هذه الدول أيضا. بل إنهما يؤكدان أن إضافة الدول الفقيرة لم يكن ليغير الاستنتاج، “فكل الدراسات عن معدل العمر المتوقع ووفيات الأطفال ومعدلات الانتحار، التي تتوفر عنها إحصاءات في بعض الدول الفقيرة، تظهر أن المزيد من المساواة مفيد على كل مستويات التنمية الاقتصادية”.

أما الاستنتاج الأخطر في الدراسة، التي تحولت لكتاب بعنوان توزان الروح، لماذا المساواة أفضل للجميع كان من الأكثر مبيعا في بريطانيا، هو أن النمو الاقتصادي وزيادة الثروة المادية تتوقف تماما في لحظة ما عن تحسين حياتنا جميعا وليس فقط الفقراء. فتكشف النتائج الإحصائية التي ترد فيه عن أن أثر عدم المساواة لا يقتصر على الفقراء، وإنما على المجتمع كله حتى بأغنيائه. خلاصة هذه الدراسة الهامة: النمو لا يكفي لرفاه المجتمع وعدم المساواة تعنى حياة أسوأ للجميع، فقراء وأغنياء.

“إذا كنا فشلنا في تقليل الفقر بدفع معدل النمو أولا لماذا لا نجرب مدخلا جديدا: فلنقض على الفقر أولا ولنرى ما إذا كان ذلك سيدفعنا إلى مسار نمو أعلى وأكثر استدامة؟”. ويقول الكتاب إن الفقراء ليسوا قليلي الكفاءة وإنهم يساهمون بالفعل في النمو الاقتصادي، حتى إن تجاهلهم مؤشر نمو الناتج المحلى الإجمالي، ولو حصلوا على التعليم والصحة لساهموا بالمزيد “بكل تأكيد”. وهنا حقوق الفقراء السياسية محورية في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، وعلى المعلومات، وعلى “العدالة”.[xii]

تدريب عملي: نحن الأحق

في كتابه فكرة العدالة يضرب المفكر الهندي أمارتيا صن، والذي ينتمي لمدرسة الليبراليين المساواتيين Egalitarian Liberals مثلا بثلاثة أطفال وفلوت. في الحكاية هناك ثلاثة أطفال -آن وبوب وكارلا- وفلوت. ويتعين تحديد أيهم أحق به. تطالب آن بالفلوت لأنها هي الوحيدة بينهم التي تعرف العزف عليه (ولا ينكر الطفلان الآخران ذلك)، بينما يجهر بوب بحقه فيه لأنه الأفقر وليس لديه ألعاب تخصه (ويقر الطفلان الآخران أنهما أغنى). وفي السيناريو الثالث، تطالب كارلا بالفلوت إذ أنها أنفقت شهورا وهي تصنعه بكدها واجتهادها، وهو الأمر الذي يقر به الطفلان الآخران أيضا.

“إن استمعت إلى الأطفال الثلاثة وعرفت اتجاهات تفكيرهم المختلفة، حرت في أمرك لمن تعطي الفلوت منهم. قد يأخذ المنظرون ذوو الآراء المختلفة، كالنفعيين أو القائلين بالمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أو الأنصار الصرحاء للحرية الفردية موقفا يقول بحل مباشر عادل ماثل أمامنا هنا، وأن لا صعوبة في إيجاده. لكن من شبه المؤكد أن كلا منهم سيرى الحلول المختلفة كل الاختلاف صحيحة كل الصحة” ويزداد الأمر صعوبة إذا افترضنا الوضعية التي يواجه فيها الأفراد المجتمع ويقيمون توجهاته من منطلقات موقعهم فيه وعلاقتهم بالمجموعات الأخرى: أي من منطلق مصالحهم الاجتماعية والطبقية المتناقضة.

خلفيات التدريب

انخفضت أسعار البترول العالمية بما بين 50 إلى 60 في المائة. وينتظر أن ينعكس هذا علي تراجع قيمة دعم الطاقة في الموازنة المصرية بتحقيق وفر بتراوح بين 25 إلى 40 مليار جنيه مصري بعد أن كانت الحكومة قد خصصت بالفعل موارد تصل إلى 100 مليار جنيه لتمويل دعم الطاقة في العام المالي 2014-2015. تواجه الحكومة ثلاث مجموعات تقول إنها هي الأحق بإعادة توجيه هذا الوفر لها.

١- أهالي قرية بهنموه مركز أهناسيا في بنى سويف، وهي القرية التي تصنفها خريطة الفقر الحكومية المصرية الصادرة في مارس 2014 عن “الصندوق الاجتماعي للتنمية” التابع لرئاسة مجلس الوزراء، الأكثر فقرا في مصر بنسبة 97.1% من سكانها. وفقا للخريطة تستقر محافظة أسيوط في صدارة المحافظات “الأكثر فقرا” على مستوى الجمهورية، حيث بلغت نسبة المواطنين الفقراء في المحافظة 61.7% من عدد السكان بنهاية 2013. وأظهر التحديث الأخير لخريطة الفقر الذي أجراه “الصندوق الاجتماعي“، ارتفاع ترتيب 11 محافظة في الخريطة خلال العام أبرزها “شمال سيناء” و”القاهرة”، بعد ازدياد معدلات الفقر فيها خلال الفترة من 2011 إلى 2013، فيما تراجع ترتيب 14 محافظة منها “الشرقية”، “والإسكندرية” و”البحر الأحمر”، و”المنوفية”. وأوضحت الخريطة أيضا أن “المواطنين الفقراء تتراوح نسبتهم بين 32% و61% من تعداد السكان في المحافظات الـ10 التي تصدرت قائمة “الأكثر فقرا”. يطالب أهالي القرية بدعم الأسر الفقيرة وتحسين الخدمات العامة التي يحصلون عليها.

٢- موظفو الضرائب، يحصل هؤلاء 66% من إجمالي موارد الموازنة العامة. وسوف يزيد المحصل في موازنة العام 2014-2015 من 287 مليار جنيه (متوقع العام السابق) إلى 365 مليار جنيه. وسوف تزيد الضريبة على العقارات وحدها بعشر أضعاف السنة المالية السابقة وستصل عوائدها إلى 6.3 مليار جنيه سيوجه نصفها لتطوير العشوائيات. يطالب الآلاف من موظفي الضرائب بطول وعرض الجمهورية بأن تزيد أجورهم ويتم تثبيت المؤقتين.

٣- الأطباء، ينص دستور عام 2014 على زيادة الإنفاق على الصحة إلى 3% من الناتج القومي الإجمالي في العام المالي الحالي لكن المخصصات الموجهة للصحة لم تزد إلا من 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 8.1%. وتتركز ٦٥% من الاستثمارات العامة في الصحة في القاهرة وخمسها فقط للرعاية الصحية الأساسية. ويطالب الأطباء بزيادة أجورهم وبتحسين وإعادة هيكلة السياسة الصحية في مصر.

ينقسم الحاضرون إلى ثلاثة مجموعات. كل منها تمثل مجموعة اجتماعية مختلفة. تقدم كل مجموعة دفاعا في 5 دقائق (بعد تحضير لمدة ربع ساعة يمكن أن تشمل المزيد من البحث والمعلومات) لتبرير أحقيتها هي في الاستفادة بالوفر في الموارد في مواجهة المجموعتين المنافستين. ثم تنعقد مناقشة عامة.

المراجع:

[i] David Miller, Principles of Social Justice, Cambridge, Massachusetts, London, Harvard University Press,1999

[ii] المرجع السابق.

[iii] جون راولز، العدالة كإنصاف

[iv] Colin Farrelly, Contemporary Political Theory A Reader, London, Sage Publications,2004

[v] مجموعة مؤلفين، ما العدالة؟، معالجات في السياق العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، يوليو 2014

[vi] http://is.gd/Cy8iBK

[vii]OTAVIANO CANUTO AND MARCELO GIUGALE Editors,THE DAY AFTER TOMORROW A Handbook on the Future of Economic Policy in the Developing World, World Bank, Washington, 2010

[viii] Ponna Wignaraja Susil Sirivardana Akmal Hussain(Editors), Economic Democracy through Pro-poor Growth , SAGE Publications India Pvt Ltd New Delhi, 2009

[ix] http://is.gd/aj9dPW

[x] وائل جمال، النمو أولا. والباقي يأتي لاحقا، الشروق، 26 أكتوبر 2010

[xi] RICHARD WILKINSON AND KATE PICKETT، The Spirit Level Why Greater Equality Makes Societies Stronger, Penguin Books, London, 2010

[xii] Ponna Wignaraja Susil Sirivardana Akmal Hussain (Editors), Economic Democracy through Pro-poor Growth

Advertisements

2 comments

  1. من ساعة ما قرأت كتاب أمارتيا سن عمري ما عرفت مين ياخد الفلوت. متهيأ لي لازم نحاول قد ما نقدر نعمل ٣ فلوت ومش لازم واحد بس ياخذه. (ضرائب)

  2. الناس من حقها الثلاث محاور، الإشباع الإنساني، إزاحة الفقر والإستمتاع بالممتلكات أو الإنجازات.
    التفكير بنحن مش أنا. الرفاهة الحقيقية للكل.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s