للبروباجاندا حدود

وائل جمال

الشروق

26 ديسمبر 2013

«يكمن فن البروباجاندا فى فهم الأفكار العاطفية لدى الجماهير العظيمة وإيجاد الطريق ــ من خلال الشكل الصحيح نفسيا ــ إلى انتباه ومن ثم قلب الجماهير العريضة».

أدولف هتلر ــ كفاحى

•••

على غير الانطباع السائد لم يخترع وزير النازية جوزيف جوبلز البروباجاندا (التى يعرفها قاموس أوكسفورد بأنها استخدام المعلومات التى هى على الخصوص ذات طبيعة منحازة أو مضللة من أجل الترويج لقضية سياسية أو وجهة نظر). فى الواقع فإن أول ظهور حديث منظم للبروباجاندا كفعل سياسى معاصر كان فى الولايات المتحدة على يد الرئيس وودرو ويلسون فى خضم الحرب العالمية الأولى. شكل ويلسون الملتزم بخوض الحرب لجنة «كريل» من أجل العمل على تحويل الجمهور الواسع الذى كان يجنح للسلم إلى موقف مساند للحرب. وفى خلال 6 شهور، يحكى المفكر الأمريكى نعوم تشومسكى فى كراس بعنوان «السيطرة على الإعلام» صادر سنة 1991، حولت اللجنة الرأى العام الأمريكى المسالم «إلى كتلة سكانية هيستيرية متعطشة للحرب، تريد تحطيم كل شيء ألمانى وتمزيق الألمان من حشاياهم، والذهاب للحرب لإنقاذ العالم».

وعلى غير الانطباع السائد عن البروباجاندا فإن هناك مفهومين مغلوطين بخصوصهما كما يقول لنا ديفيد ويلش فى كتابه «الرايخ الثالث.. السياسة والدعاية» فى طبعته الثانية عام 2002. الأول هو أن البروباجاندا لا تتعلق إلا بالإقناع المتعلق فقط بتغيير المواقف والاتجاهات والأفكار. لكن هذا هو واحد فقط من أهدافها «الذى كثيرا ما يكون فرعيا وتابعا»، فهى بالأساس معنية بتأكيد اتجاهات ومعتقدات موجودة بالفعل من أجل تركيزها وتشذيبها. أما المفهوم المغلوط الآخر فهو أن الدعاية تتشكل فقط من أكاذيب وتزييف. «فى الحقيقة هى تشتغل بمستويات مغايرة من الحقائق: الكذبة المباشرة، نصف الحقيقة، والحقيقة خارج السياق»، يقول ويلش فى كتابه.

(2)

فى الفاصل يوبخ الصحفى المذيع زميله الذى تحدث على الهواء عن ضرورة بحث الصحافة عن التوازن والحياد، مستخدما كلمة مصرية شعبية شائعة من ثلاثة حروف تستخدم للاعتراض، محدثا زملاءه فى الاستوديو أنه لا مجال لهذا الكلام: «هذا وقت حرب وعلينا أن ننحاز».

•••

«كان وينستون، فى تلك اللحظة التى أعلن فيها هذا البيان، يشارك فى تظاهرة بإحدى ساحات وسط لندن، كان ذلك خلال الليل مما جعل الوجوه البيضاء والرايات القرمزية تتلألأ فى الأنوار المضيئة وكانت الساحة تعج بآلاف الناس، منهم ألف من أطفال المدارس يرتدون زى الجواسيس، وعلى منصة موشاة باللون القرمزى وقف عضو من الحزب الداخلى يخطب ويهيج الجماهير.. كان صوته معدنيا بفعل الميكروفون وهو يدوى منددا بالفظائع والمذابح وأعمال الترحيل والإبعاد والسلب والنهب والاغتصاب وتعذيب الأسرى وقصف المدنيين العزل وإلقاء المنشورات والدعايات الزائفة والاعتداءات وخرق المعاهدات، ولم يكن باستطاعة المرء وهو يصغى إليه إلا أن يصدقه أو يقتنع بكلامه أو ينتابه سعار من الغضب من هول ما يسمع. كانت الصرخات الغاضبة تتعالى هادرة بين الفينة والأخرى من آلاف الحناجر بلا قدرة على كبحها حتى تغدو كزئير الوحوش فتطغى على صوت الخطيب، وعن أطفال المدارس كانت تصدر أعلى الصيحات وأكثرها وحشية. كان قد مضى عشرون دقيقة من الخطاب عندما شوهد رسول يشق طريقه إلى المنصة ويدس قصاصة من الورق فى يد الخطيب الذى قرأها بدوره على الفور.. ورغم أنه لم يطرأ أدنى تغيير على نبرة صوته أو طريقة إلقائه أو مضمون خطابه، فقد وقع تغيير مفاجئ فى المسميات وسرعان ما فطنت الجماهير وأدركت حقيقة ما جرى: بلدهم أوقيانيا كانت فى حرب مع إيستاشيا وليس يوروآشيا. وفى اللحظة التالية حدث هرج ومرج بعدما أدركوا أن كل الرايات والملصقات التى زينت بها الساحة كانت خاطئة.. وصاح بعضهم بأن ذلك ضرب من ضروب التخريب وأن عملاء جولدشتاين هم الذين يقفون وراء هذا العمل.. نزعت الملصقات ومزقت الرايات وديست بالأقدام ولكن فى غضون دقيقتين كان الخطيب يواصل خطابه.. وبعد دقيقة أخرى كانت الجماهير قد انخرطت من جديد فى صرخات غاضبة وحشية وتواصل سعار الكراهية تماما كما كان، عدا أن شيئا واحدا قد تغير وهو الهدف الذى يصبون عليه جام كراهيتهم».

من رواية 1984 ــ الروائى البريطانى جورج أورويل

(3)

على الإذاعة المخصصة للمنوعات تنبهنا المذيعة أنه لن يكون بمقدورها هى وزميلها أن «تفرفشنا وتنعنشنا» كالمعتاد بسبب الخبر «الكئيب ع الصبح» (فى إشارة إلى التفجير المأساوى فى المنصورة). وتكمل المذيعة، وهى تضغم الحروف ولا تقف عليها إلا سريعا مفخمّة فى الراء وبخنفة خفيفة غالبا موروثين من دراسة فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة تسعد مستمعيها من الطبقة الوسطى التى تحاول العودة للبيت فى مرور القاهرة، أن الحل الوحيد هو إيقاف هؤلاء الذين يدعون أنهم من الشعب «وهم أصلا ضد مصلحة الشعب» قبل أن تتركنا لأغنية على الحجار «همَّا شعب واحنا شعب».

•••

تبدو العلاقة بين الترفيه والبروباجاندا السياسية بعيدة لكنها ليست كذلك فى الحقيقة. فمنذ إنشاء لجنة كريل اكتشفت الرأسمالية الأمريكية سريعا القدرات الكامنة فى البروباجاندا ووظفتها لأغراض التسويق (بالضبط كبرامج تلك الإذاعة التى تتبنى شركة كبرى كل برنامج منها فيذكرنا هؤلاء المسوقون، أو المذيعون، بين كل أغنية وأغنية بفضل تلك الشركة علينا وعليهم). فبعد النجاح الهائل للجنة كتب إدوارد بيرنيز، أحد أعضائها، كتابا بعنوان البروباجاندا صدر عام 1928 صار إنجيل صناعة العلاقات العامة للشركات الأمريكية. «لقد أظهرت تجربة هذه اللجنة ونظام الدعاية الخاص بالحرب العالمية الأولى أنه يمكن اخضاع كل قطعة من العقل العام بالضبط كما يخضع جيش أجهزته… باستخدام هذه التقنيات الجديدة من قبل الأقليات الذكية لضمان إبقاء السذج على المسار السليم».

إن تغلغل الإعلان فى حياتنا، لم يعد فقط يلعب دوره عبر تمرير أن سلعته هى الأفضل (كل الإعلانات تقول إن السلعة هى الأفضل لدرجة أنها تغير حياتك وهى كذبة بالضرورة لأن منطقيا واحدة منها فقط هى الأفضل الذى يختلف أصلا من شخص للآخر)، بل مزجت الإعلانات بشكل مباشر بين هذه الدعاية والسيطرة على مزاج المستهلكين، بلا رادع أو رقيب فى الحالة المصرية، وبين توجيه المزاج السياسى. فها هى إحدى شركات الإعلانات تقود حملة للتوجيه بالتصويت للدستور بنعم بين برامج وخلال برامج قد تحدثك عن الطبيخ. بل إن شركات الإعلانات تلك صارت هى الفاعل الرئيسى فى إنتاج المسلسلات وبرامج الترفيه التى تلعب هى الأخرى دورا ــ أقل تطورا وأكثر فجاجة من نفس الصناعة فى العالم الغربى المتقدم ــ فى تثبيت سيطرة الاستهلاك ومصالح الشركات الكبرى على المشاهدين.

يقول بيرنيز فى إنجيله غير المقدس إن «هذا الاستغلال الذكى الواعى للعادات المنظمة للجموع عامل مهم فى المجتمع الديمقراطى. إن هؤلاء الذين يستغلون هذه الآلية غير المرئية يشكلون حكومة غير مرئية هى القوة الحاكمة الحقيقية لبلادنا».

(4)

«محتاجين إعادة سيادتك الخطوط الحمرا بشكل متطور عن النظام القديم… ما اعتقدش دلوقتى هنقدر نمنع أى حد يتكلم محتاجين أسلوب تانى أو أسلوب جديد للتعامل مع الإعلام واستقطابه أو إنشاء خطوط حمرا بشكل محترم أو بشكل واقعى. أنا شايف إن الإعلام بيسيطر عليه 20 أو 25 واحد. أنا شايف يافندم إنه ممكن يبقى فيه نوع من الحوار والتواصل بشكل غير معلن ومنفرد مع الناس دى بحيث أنه يبقى فى نوع من الترغيب أو الترهيب للناس دى».

ضابط اسمه الأول عمر محدثا وزير الدفاع عن الخطوط الحمراء التى تخطاها الإعلام فى تسجيل يعود تاريخه لأواخر 2012.

•••

فى كتابه «تصنيع التوافق، الاقتصاد السياسى للإعلام الجماهيرى»، يرصد ناعوم تشومسكى ظاهرة متصاعدة فى صناعة الصحافة والإعلام العالميين هى التركز المتواصل فى ملكية وسائل الإعلام والصحف فى أيدى عدد أقل فأقل من الشركات الكبرى أو المستثمرين الكبار. فى مصر حرص القانون على هذا التركز عبر اشتراط حد أدنى لرأس مال الصحف اليومية بالملايين وعبر عملية ترخيص تتحكم فيها الأجهزة الأمنية، وعبر السماح بتأسيس القنوات تحت سيطرة مباشرة من وزارة الاستثمار وفقط.

(5)

«فى البلدان التوتاليتارية (الشمولية السلطوية) يتلازم الإرهاب والبروباجاندا الدعائية، حتى ليكونا وجهين لعملة واحدة».

المنظرة السياسية الألمانية ــ الأمريكية حنة أرندت ــ أسس التوتاليتارية

(6)

شبكة العمرانية الإخبارية.. صور وابعت. يقول محمد صلاح مؤسس الشبكة: فريق العمل من المتطوعين يرصدون بكاميراتهم المشكلات ويلتقون المسئولين وينقلون نبض الشارع.

من تقرير لصحيفة الوفد ــ الثلاثاء 19 يوليو 2011

•••

تحكى إحدى الناشطات عن خلفيات إنشاء شبكة العمرانية من قبل اللجنة الشعبية التى تأسست فى الحى أثناء الـ18 يوما من ثورة يناير عن كيف استفزت تفاصيل خبر جريمة قتل فى الحى نشرت فى الصحف الأهالى الذين اعتبروها كاذبة. حاول الأهالى التواصل مع الصحف لتصحيح ما ينشر من مصادر الداخلية بالأساس دون جدوى فقرر الشباب أن يكون لهم صوتهم الخاص.

هذه الظاهرة موجودة بشكل جنينى (أحد الصحفيين بنجع حمادى أطلق صفحة على فيس بوك فقط لأخبار المدينة يتابعه فيها 15 ألف شخص لا يجدون فى الأغلب أخبارهم فى الصحف والقنوات) فى أماكن مختلفة. سببها هو اغتراب الناس عن المادة التى تنشر فى الإعلام. ومما يذكر أنه فى مصر ومن بين أكثر من ثمانين مليون شخص، فإنه فى الأغلب لا يتجاوز عدد مستهلكى الصحف أكثر من مليون ونصف شخص (5% من الأسر فقط تقرأ الصحف بشكل منتظم). وبالطبع أغلب هؤلاء من الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى العليا التى يمكنها شراء الصحف. فكيف يشكل الآخرون رأيهم ومعلوماتهم؟ هناك أدوات للبروباجاندا تتسع كثيرا عن البرامج الصباحية والمسائية التى يصرخ فيها أشخاص بهيستيريا عن الخيانة والوطن مترحمين على أيام استقرار الفساد على رأسها المسجد والعائلة (كشف استطلاع رأى للمعهد الجمهورى أن رب الأسرة كان أحد أهم مصادر المعلومات خلال ثورة يناير). لكن الأهم هو تجربة الناس اليومية التى تكشف التناقضات وتطرح الأسئلة. يمكن لصحفى متخصص أن يسعى للكشف عن عيوب التغطية الخبرية لإضراب واعتصام عمال الحديد والصلب بحلوان. يمكنه أن يحلل توجهات الصحيفة ويحاول كشف المعلومات التى تم حجبها إلى آخره. لكن عامل الحديد والصلب الذى يشارك بنفسه فى الإضراب والاعتصام ستكون لديه قدرة كاشفة على تمييز الكاذب والناقص فيما يخص حكايته هو. للبروباجاندا حدود فلا يمكنك أن تخدع شخصا فيما يأكل ويشرب وفيما يحصل عليه آخر الشهر وما إذا كان يكفيه.

Advertisements

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s