صندوق النقد.. نبيذ قديم في قناني قديمة!

وائل جمال

السفير العربي

4 ديسمبر 2013

كان التحرك الدولي برعاية “صندوق النقد” للتعامل مع سقوط نظامي بن علي في تونس ومبارك في مصر في مطلع 2011، سريعاً. وعلى العكس من كل المقاربات التي ركزت على الجوانب السياسية والثقافية وحتى الجيلية والتكنولوجية في تفسير انتفاضات العرب التي سميت بالربيع العربي، كانت السياسة الاقتصادية في القلب من المبادرة التي أنشأتها مجموعة الثمانية في مدينة “دوفيل” الفرنسية في ايار/مايو 2011 وأعد صندوق النقد الدولي أوراقها الأساسية.وتكشف المبادرة، التي عقدت مؤتمراً للاستثمار في لندن في أيلول/سبتمبر الماضي من دون تغطية إعلامية، عن السمات الرئيسية للسياسة الاقتصادية التي يعاد تغليفها وتقديمها بعد صدمة 2011. السمة الأولى، هي أنها إطار للتعامل الجماعي مع ست دول (مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن)، وأنها تضم دولا لم تشهد سقوطاً لأنظمة كالمغرب والأردن وهي في الوقت نفسه لا تشمل البحرين، التي شهدت انتفاضة شعبية. وهي في ذلك تصيغ تصوراً لما يجب أن تكون عليه السياسة الاقتصادية الجديدة لهذه الدول معاً. السمة الثانية، هي أنه، وإن كان الدعم المالي والإقراض عنصراً أساسياً في هذه المقاربة (التفاوض مع الصندوق شمل أغلب هذه الدول وتم التوصل لاتفاقات بالفعل مع الأردن والمغرب وتونس)، إلا أن المبادرة معنية بعموم توجهات الاقتصاد والسياسة الاجتماعية. في هذا السياق فقط يمكن فهم التقارير الإخبارية التي نسبت لمسؤولين مصريين قبل أيام نيتهم الحصول على إقرار صندوق النقد للبرنامج الاقتصادي لحكومة حازم الببلاوي، حتى من دون تلقي القرض من المؤسسة الدولية. توجه السياسة الاقتصادية هو الملك.

داوِها بالتي كانت هي الداءُ
في تشرين الاول/أكتوبر 2011، كتب مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي على مدونة الصندوق يقول: “من الدروس الواضحة في هذا السياق أنه حتى النمو الاقتصادي السريع لا يمكن أن يستمر ما لم يعم بنفعه الجميع، وما لم يكن مؤدياً الى فرص عمل جديدة للأعداد المتزايدة الباحثة عن عمل، ومصحوباً بسياسات اجتماعية تقدم الدعم اللازم لأفقر فئات المجتمع. وحتى تكون الإصلاحات الاقتصادية قابلة للاستمرار، ينبغي أن يقتسم الجميع الثمار المتحققة منها من دون أن تستأثر بها قلة محظوظة. وليس استشراء الفساد إهانة غير مقبولة لكرامة المواطنين وحسب، لكنه يحرمهم أيضاً من المنافع الاقتصادية التي يستحقونها. ولا بد أن يؤدي غياب القواعد الشفافة والعادلة التي يجب أن تقوم عليها المعاملات إلى إعاقة تحقيق النمو الشامل للمواطنين كافة”. بل واعترف مسعود أحمد بأنهم لم يتوقعوا “هذه العواقب التي ترتبت على عدم المساواة في توزيع الفرص”، وعلى “قنبلة البطالة الموقوتة”. وقد راج مع بدء عمليات التفاوض (الفردية – الجماعية) أن الصندوق قد تغير سواء على مستوى توجهه هو أم على مستوى فرض التوجه عبر المشروطية، وهو كلام يمكن تتبع أصوله بالعودة إلى عام 1999 بعد الأزمة الآسيوية وفشل الصندوق في توقعها والتعامل معها. حينها جرت إعادة تسمية “تسهيلات التكيف الهيكلي” لتصبح “تخفيض الفقر وتسهيلات التنمية”، رغم أن جوهر السياسات التي روج لها الصندوق ظل كما هو تقريباً، كما انعكس في توجهاته ونصائحه واحتفائه بالتدابير الاقتصادية في مصر وتونس والأردن على سبيل المثال، والتي كان انحيازها الاجتماعي السافر ضد الأغلبية وجمودها الإيديولوجي في تبني الليبرالية الجديدة أسباباً أساسية في عدم المساواة وقنبلة البطالة الموقوتة.الحقيقة فقد ثبت مع سلسلة المفاوضات التي تمت بعد انتفاضة 25 يناير 2011 في مصر، أن التغير لم يمس حتى القناني. فمنذ اللحظة الأولى، استمر “الانضباط والاستقرار الماليان” كناظمين للسياسة الاقتصادية. استمرت سياسات الصندوق التي تتحدث عن إيلاء الأولوية لعجز الموازنة وتقليص دعم الطاقة، على حساب ما عداها. وهكذا كان تخفيض العجز البند الأول على جدول أعمال جميع المفاوضات التي جرت، كما هو متوقع لها، على حساب الإنفاق الاجتماعي والتوسع المطلوب في الاستثمارات الحكومية لخلق الوظائف. ومع فكرة “الاستقرار المالي” جاءت الحزمة القديمة كاملة: إزالة العوائق أمام الاستثمار الأجنبي، فتح المجال للقطاع الخاص، وإحياء خصخصة المرافق العامة عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص (هنا يمكن تتبع دور “البنك الأوروبي للتنمية وإعادة الإعمار”، كعرَّاب لهذه العملية). وتضيف أولويات دوفيل لهذا أيضاً باقي الوصفة التقليدية: إزالة العوائق الجمركية، احترام اتفاقات الاستثمار الثنائية الجائرة، الحفاظ على، بل توسيع، حركة تدفقات رأس المال التي أدت لهروب المليارات قبل وبعد انتفاضات العرب. عاد الصندوق، وعاد التقشف الاقتصادي حتى من دون تغليف أو مكياج جديد، وعادت السياسات نفسها على طريقة “دوِاها بالتي كانت هي الداء”.

رأس حربة المقاومة
في الوقت الذي كان صندوق النقد يشيد فيه بتجارب النمو السريع في تونس ومصر كنماذج ناجحة لليبرالية الجديدة والتحرير الاقتصادي، كانت المقاومة العمالية والاجتماعية تتجمع ببطء ضد التجليات المتسارعة لهذه السياسة. وفي مصر، يمكن ملاحظة تطور الخط البياني للاحتجاجات العمالية الصاعد بسرعة الصاروخ ابتداءً من عام 2004، حينما وصلت حكومة السيد أحمد نظيف للسلطة، والتي أطلقت إشاراتها الكبرى الأولى إضرابات عمال النسيج بالمحلة والدلتا في 2006 و2007. في هذه السنوات أيضا، لم تخلُ الأردن وتونس والمغرب من تحركات عمالية ونقابية منظمة، واحتجاجات عفوية، في مواجهة سياسات خفض الأجور الفعلية ورفع الأسعار، بفعل تخفيض العملة المحلية وتقليص دعم الطاقة. وبالطبع في تونس كان للإضراب العام الذي دعا له الاتحاد العام التونسي للشغل دور حاسم في المعركة ضد بن علي، كما كان لدخول الطبقة العاملة المصرية ساحة المواجهة ضد مبارك بإضرابات النقل العام والبريد وعمال قناة السويس وغيرهم… فضل لا يُنكر في حسم المواجهة ضد مبارك.لكن الآفاق المفتوحة لسياسة اقتصادية جديدة منحازة للتنمية والعدالة وحرية المنتجين والتي وعد بها سقوط الأنظمة، اصطدمت بحائط المصالح الاقتصادية الراسخة، التي وطدت موقعها سريعاً في تحالفات الحكم الجديدة. وهكذا تم الدفع مرة أخرى بسياسات التقشف وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم مثلا، باستخدام فزاعة عجز الموازنة، بينما تم الإبقاء على تشوهات الموازنة المنحازة ضريبياً بما يخص الموارد ضد الفقراء (مثلا: الإصلاح الضريبي الأساسي التي تعد به حكومة الببلاوي هو ضريبة القيمة المضافة وهي ضريبة يتحمل عبئها أيضاً الأقل دخلا).
ويتوافق الصندوق تماماً مع سياسات تجفيف منابع البدائل الاقتصادية للسياسات القديمة بحجة أولوية الانضباط المالي تلك. ففي تقريره الإقليمي عن الشرق الأوسط في أيار/مايو 2012، يؤكد الصندوق على أن “دول الربيع العربي أمامها اختيارات محدودة في السياسة الاقتصادية”، وهو محور كل مبررات تنصل حكام ما بعد يناير 2011 من مقتضيات العدالة الاجتماعية.

كذبة “ليس هناك بدائل
“في حالات عديدة، قدمت النقابات وقيادات المضربين حلولاً بديلة لتوجهات الدولة التقشفية. أبرز مثال على هذا الخطط التي قدمها عمال النقل العام والأطباء المصريون لتعديل بنود الإنفاق العام في الموازنة، من دون زيادته، بحيث يكون أكثر عدلا وكفاءة، والتي اصطدمت بحائط مصالح التحالف الاجتماعي الحاكم الذي يجمع بيروقراطية الدولة الكبيرة والمستفيدة من تشوهات الإنفاق العام، مع الرأسمالية الكبيرة. وبالطريقة نفسها تعطلت مرة تلو الأخرى إجراءات وضعتها الانتفاضات الجماهيرية والضغط العمالي عنوة على أجندة السياسة الاقتصادية المصرية (فاضطرت معظم الأحزاب والمرشحين الرئاسيين لتبنيها علانية في برامجهم)، كالحدين الأدنى والأقصى للدخل، أو الضريبة التصاعدية على الدخل، بمقابل الدعم الهائل لاحتكارات التصدير، أو دعم الطاقة الخرافي لاحتكارات الأسمنت والأسمدة والسيراميك والحديد.وبرغم نجاح الضغط العمالي الاجتماعي أحيانا في الحصول على بعض التنازلات هنا أو هناك، إلا أن النجاح في طرح سياسات اقتصادية بديلة مشروط بالنجاح في مواجهة سياسية واسعة. فعلى العكس مما تحاول تحالفات الحكم الجديدة – القديمة ترويجه من انعدام البدائل، فإن كنزاً منها موجود بالفعل على أجندة القوى الاجتماعية في هذه الدول، بالإضافة للمراجعات العالمية الواسعة التي تضفي مشروعية وتعطي عمقاً وتوفر بنكاً لتجارب يعلو فيها شأن التنمية على النمو، والإنسان على الربح. المشكلة الأساسية هي أن مجرد النظر في هذه البدائل يقتضي قلب التوازن السياسي والطبقي والاجتماعي المهيمن، وهذا يعني مواجهة سياسية شاملة بامتياز.وبينما تسيطر على جدول أعمال العمل السياسي قضايا السياسة الفوقية، كالدستور وهوية الدولة ووجود الإسلاميين الخ… برضى وتوافق المهيمنين اقتصادياً واجتماعياً، ، تظل الحركة النقابية والاحتجاجات العفوية، التي يدفع تكرارها واضطرارها للمواجهة بفعل الضغط الذي تتسبب فيه السياسات القديمة من درجة تنظيمها، هي رأس الحربة في المواجهة.إن فشل السياسة الاقتصادية وصانعيها وتردي كفاءتهم بسبب ضيق المصالح التي تعبر عنها، سيجعل المواجهة حتمية. لكن فرص تشكل بديل واسع في السياسة الاقتصادية يفرض نفسه عملياً، سيظل مرهوناً بقدرة الحركة النقابية على التغلب على ضعفها التنظيمي وعلى التنسيق بين فصائلها، وعلى ضم أوسع قطاع من المحتجين العفويين ديموقراطياً لمظلتها. تلك هي مهام اليوم.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s