غياب البديل الثورى الجاهز

وائل جمال

الشروق

18 نوفمبر 2013

كلما مرت الثورة المصرية بسؤال كبير، أو تراجع محدق، يتم ردنا إلى قضية البديل الجاهز غير الموجود. فى كل انتخابات، وفى كل حدث كبير، مع الحديث عن دستور يردنا إلى أوضاع ما قبل يناير، بل ويقننها، يقال لنا إنه فى الثورات لابد من بديل جاهز، وإن عدم وجوده يعنى القبول بمعطيات «الواقع».

ولا أجد تلخيصا لسيطرة هذه الفكرة ونتائجها أهم من التداول المكثف مؤخرا لفقرة من مقال قديم للدكتور فرج فودة بعنوان حديث عن آفاق المستقبل نشر فى جريدة أكتوبر قبل أن يضمه كتاب بعنوان «حتى لا يكون كلاما فى الهواء» صدر عام 1992 بعد اغتياله.

تقول الفقرة المتداولة من المقال إنه «هنا تبدأ الدائرة المفرغة فى دورتها المفزعة. ففى غياب المعارضة المدنية، سوف يؤدى الحكم العسكرى إلى السلطة الدينية. ولن ينتزع السلطة الدينية من مواقعها إلا الانقلاب العسكرى، الذى يُسلم الأمور بدوره، بعد زمن يطول أو يقصر، إلى سلطة دينية جديدة. وهكذا. وأحيانا يختصر البعض الطريق فيضعون العمامة فوق الزى العسكرى، كما حدث ويحدث فى السودان». والحقيقة أن الفقرة مقتطعة من سياقها فى المقال. فهى تجىء بعد نقد للأنظمة التى تستخدم «الشرعية الثورية» للحديث واحتكار الحديث باسم الشعب ويعقبها حديث عن ضرورة الخروج من هذه الدائرة المفرغة بالعمل «من أجل حرية التعبير وإمكانية التغيير» من أجل خروج يعتبره د.فودة مسألة «حياة أو موت» من هذه الدورة المفزعة. وهو بهذا كان يحدثنا عن هذه الدائرة المفرغة، وهى فى مصلحة طرفيها، لكى ينبهنا لضرورة تجاوزها لا الاستسلام لها كما يراد لنا الآن. «الخروج من هذه الدائرة المفرغة، ضرورة.. والتواصل مع الشرعية الدستورية، مسألة حياة أو موت.. والشرعية الدستورية لا تتسع لهذا أو لذاك. فكلاهما خطر عليها، ومدمر لها، والذى يُفضل أحد البديلين على الآخر، يستجير من الرمضاء بالنار»، كما يقول المسكوت عنه فى المقال.

واقعية الأمر الواقع

فى الأيام القليلة بين سقوط بن على فى تونس و25 يناير 2011، ظهرت فكرة غياب البديل الجاهز فيما عدا الإخوان المسلمين (الذين ليسوا أهل ثورة بحسب تصريحات مرشدهم) جنبا إلى جنب مع فكرة مصر ليست تونس. قيل لنا وقتها إنه لا توجد أطر تنظيمية اجتماعية واسعة كاتحاد الشغل التونسى من ناحية ولا تنظيمات سياسية قادرة على الحشد، وإن الشعب المصرى لا يتبنى كنظيره التونسى الأكثر تعلما وقربا من أوروبا قيم الحرية والمساواة. ثم حدثت الثورة فى مصر وسقط مبارك. وبالرغم من هذا عادت فكرة غياب البديل الجاهز تقفز فى وجهنا مرارا وتكرارا.

والحقيقة أن الثورة التى يقوم بها بديل جاهز تنسجم مع تصور يراها كفعل مخطط يقوم به مفكرون مستنيرون أو نخب متمردة، أكثر منه مع الثورة كفعل جماهيرى واسع، عفوى ومفاجئ بالضرورة ويقلب التوازنات القائمة رأسا على عقب. هل كان يمكن أن نسمع أحدا يقول إن الثورة الفرنسية لم تكن لتحدث أو تنتصر إلا لو كان هناك بديل سياسى متبلور من قبل نشوبها؟ وهل كان البلاشفة الذين سميت ثورة 1917 باسمهم فى روسيا عند اندلاع شرارتها الأولى فى فبراير، وحتى لشهور بعدها إلا أقلية لا يحسب لها السياسيون المؤسسيون حسابا؟ بالتأكيد وجود قوة مسيسة منظمة لها جذور فى الحركة الجماهيرية تجعل الأمور أيسر كثيرا عندما يفاجئ الطوفان الثورى الجماهيرى الواسع المستقرين فى دهاليز الأفق السياسى الضيق الذى يسمح به الحكم المتداعى. لكن الوجود المسبق لهذه القوة بهذا الشكل ليس شرطا ضروريا للثورة ولا انتصارها. إذ إنه فقط فى الثورة كفعل وكعملية تتعلم الجماهير ضرورات تنظيم انفسها للدفاع عن نفسها وتفرز المواقف السياسية تلو الأخرى، حتى لتلك القوى التى كان يتخيل البعض أنها قيادة الثورة، وهى فى قلب المعركة فتتبلور مواقف الجماهير، بتجربتها هى الشخصية فى الكر والفر، فتخلق قيادتها خلقا.

وفى مصر، تتداخل فكرة أن الثورة مرهونة بجهوزية بديل ما غير موجود (معارضة مدنية أو بديل ثورى.. إلخ) مع مجموعة من الأفكار تدعو للقبول بمعطيات الوضع الراهن وأحيانا باعتبارها محددات عابرة للزمن ونابعة من خصوصية السياسة المصرية، واعتبارات توازن القوى. وهكذا فبدلا من تجاوز الدائرة المفرغة التى يحدثنا عنها فرج فودة، تصبح المهمة هى الاصطفاف مع أحد طرفيها (العسكريون والإسلاميون)، لأنه لا بديل آخر «واقعى». وهكذا يصبح «من المبرر»، ومن «الطبيعى»، أن يتم استنساخ رؤساء وزارات مبارك ووزرائها بشخصهم أو بسياساتهم مثلا، أو أن يتم استبعاد مرشح رئاسى من الحسابات لأنه صغير السن وإن كان هو الأكثر تعبيرا عن الثورة.

ولتبرير محافظتهم وانصياعهم للمصالح السائدة، سيقول لنا هؤلاء إن الوضع ليس مثاليا ولا عظيما، لكنه هو الممكن فى ظل «الشروط المهيمنة» و«توازن القوى».

توازن القوى

يدفعنا هؤلاء المحافظون، الذين لم يكونوا دعاة ثورة أبدا فى الحقيقة، دفعا إلى التواؤم مع «الأسقف المنخفضة» مرة أخرى. يقولون لنا إن القوى الثورية تراجعت إلى غير رجعة فى خضم المواجهة بين الدولة القمعية وبين الإخوان. وإنه فى إطار «الحرب المقدسة على الإرهاب»، فإن توازن القوى لم يعد يميل لصالح القوى الثورية ولا يسمح بطرح أجندتها «الطموحة» أو «المثالية» «غير العملية». وكأن ثورة يناير لم تلق بهذا النوع من التصورات إلى سلة المهملات. وكأن الناس لم يتعلموا شيئا عن قدرتهم على قلب توازن القوى رأسا على عقب، فيصبح أولئك الذين يخلقون هذه «الأسقف المنخفضة» ومن يحنون رؤوسهم لها، وهم يستجدون القبول الجماهيرى من أجل أن تكون لهم حياة فى السياسة.

أما مصير توازن القوى المهيمن فهو رهن بقدرته على الحكم، بتلبيته للمطالب الأساسية للثائرين. وفيها لا ينفصل الديمقراطى السياسى عن الاجتماعى الاقتصادى. هل يستطيع الحكم بعد 3 يوليو تلبية مطالب الناس الاجتماعية والاقتصادية؟ وإذا لا، هل يستطيع أن يقمع بشكل نهائى أو كامل هذه المطالب؟ وما هى التنازلات التى يمكن أن يقدمها فيحفظ حكمه دون أن يهده؟

إن توازن القوى المهيمن ضعيف لهذا بالضبط. لأنه يوما بعد يوم يثبت عدم قدرته على الوفاء بما يعد به. لأنه غير قادر لا على قمع واخماد الحركة الجماهيرية، التى هدأت أمواجها قليلا بفترة سماح لن تطول كثيرا، وغير قادر على تقديم تنازلات إصلاحية ولو ضئيلة بسبب الهامش الضيق للحركة التى تعطيه توازناته مع رجال الأعمال وبيروقراطية الدولة والمؤسسات المالية الدولية.. الخ.

ويضرب لنا موضوع الحدين الأدنى والأقصى للدخل مثلا صارخا على هذا. هذه القضية مطلب شعبى وسياسى بامتياز. وهو ما يدفع كل حكومة فى السنوات الثلاث الماضية لوضعه مجبرة على جدول الأعمال. لكنه يظل إصلاحا ناقصا. مرسوم الحد الأقصى أصدره المشير طنطاوى ونوقش فى مجلس الشعب والشورى وتم الحديث مرارا عن تطبيقه وانتقاد سياسات الجنزورى ومن بعده الإخوان فى الاستثناءات التى تنزعه من سياقه وتجرده من أثره. وها هى الحكومة الجديدة، المدعومة بكل عنفوان توازن القوى المهيمن، تعيد نفس السيرة مرة أخرى. لماذا؟ لأنه برغم كل هذا العنفوان، فإن الضغط على قيادات البيروقراطية الكبيرة التى تحصل على الملايين فى البترول والبنوك والوزارات الأمنية ومن الصناديق الخاصة يهدد تحالف الحكم ذاته، ولأنه لا استعداد على الإطلاق لدى هذه القيادات، التى هى جزء من تحالف الحكم، لتقديم أية تنازلات حتى ولو صغيرة.

إن أهم الأسلحة الدعائية والفكرية التى توجه نحو الثورة توجه لتدمير الاستنتاج الرئيسى الذى خرجت به الجماهير من خلال تحركاتها مرة تلو الأخرى منذ يناير 2011: أنها قادرة على رفع الأسقف وتكسير توازن القوى وفتح الآفاق، وبأيديها ودون وصاية من أحد. وأى واقعى يرغب فى التغيير لا يمكن إلا أن يبنى رؤيته على إدراك ذلك.

Advertisements

One comment

  1. لا شك أن ما تقوله صحيح لكن
    من وجهة نظري فإن وجود حركات تنظيمية ولو بعناصر قليلة لكن ملتزمة تساعد كثيراً في تنظيم أو تأطير المرحلة الانتقالية في الثورة
    نجد دلالة على ذلك في الثورة السورية
    حيث كان النظام السوري و لمدة طويلة من الزمن يتابع تطور و ولادة أي تنظيم او حركة و يقوم بالرد عليها بشكل عنيف و من الاصل….
    لذا فإن العمل الثوري المدني الذي قام على أهداف محددة و واقعية و استند إلى مطالب شعبية لم يستطيع قيادة النضال بشكل مؤثر و مفيد مثال على ما أقوله الجيش السوري الحر الذي رغم أن كل ما كان ينادي به كان عقلانيا و غير متطرف بالمرة لكنه لم يكن منظم لأن النظام السوري كان يتبع سياسة عزل منظمة و مدروسة بشكل جيد جدا
    من نفذ من قبضة النظام و استطاع أن يفرض نفسه أمام المجتمع الدولي كمعارضة كانوا الاخوان المسلمين المدعومين من دول الخليج و منظومة الاخوان الدولية و الحركات الكردية التي أصلا بدأت حراكها في تركيا و المدعومة من الدول الاوربية و لها هناك حضور فاعل
    لكن الاخوان المسلمين لا يتمتعون بشعبية في سوريا و خصوصاً بعد قرارهم بالحراك المسلح و الردّ العنيف الوحشي للنظام أما الاكراد فمنقسمون بين حركات مدنية و تنظيمات مسلحة كما أن معظمهم يدعو للانفصال و قد ولد مؤسسيه في تركيا..
    بدا ذلك في حكاية أن المناطق السورية التي كانت تزدهر فيها قواعد هذه الحركات بقيت و لمدة طويلة بعيدة كل البعد عما يحدث من اضطرابات…
    ما أود قوله أن وجود تنظيمات أمر مهم جدا في مرحلة ما بعد الثورة و هي تشكل ضماناً لعدم الوقوع في حروب أهلية
    أسفة للاطالة و تقبل مني التحية

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s