قرار ال١٢٠٠ جنيه حدا أدنى للأجور يدشن المواجهة الاجتماعية ولا يجمدها

وائل جمال

قد يتخيل البعض ان قرار حكومة الببلاوي بتحديد ١٢٠٠ جنيه حدا أدنى للأجور في الحكومة والقطاع العام وقطاع الاعمال العام أنهى المواجهة حول هذا الملف المحتقن منذ ما قبل ثورة يناير وكان عنصرا أساسيا في مطالب ثائريها. لكن الأمر قد يكون على عكس من هذا تماما.
القرار كان مفاجئا تماما. إذ أن تصريحات رئيس الوزراء حازم الببلاوي قبل أيام في حوار لجريدة المصري اليوم كشفت عن نواياه الحقيقية في هذا الصدد إذ صرح بلا مواربة بأن الوضع المالي للدولة ووضع الاقتصاد لا يسمح بزيادته عن ال٧٣٠ جنيها الحالية (غير المطبقة بشكل كامل بعد أصلا). ثم عاد تحت ضغط الشارع وبعض وزراء حكومة ليعدل كلامه في اليوم التالي قائلا إنه سيكون بين ٨٠٠ و١٠٠٠ وانه شخصيا يرى ال ٨٠٠ ربما مناسبا. ثم عاد ليصوت في اجتماع حكومته مع قرار غير مجهز له يرفعه الى ١٢٠٠ جنيه. ومما لا شك فيه ان رد الفعل الشعبي على تصريحاته المختلفة وضع رئيس الحكومة الليبرالي المحافظ اقتصاديا في ركن دفاعي صعب للغاية ربما اقترن مع تقدير “سياسي” بعدم تكرار أخطاء الاخوان في تجاهل مطالب وحقوق المصريين الاقتصادية وفي وضع ثوري. وتثبت هذه المفارقة مرة اخرى ان ثورة يناير وهبّة يونيو لم تكونا تحركين سياسيين بالمعنى الضيق الذي يراد لنا ان نعتقد فيه ليستمر نظام الاستغلال السابق عليهما بواجهة سياسية جديدة. فلا الاولى قامت “فقط” ضد التوريث واستمرار مبارك الشخص او من اجل مفهوم مجرد للحرية في اذهان شباب الثورة النبيل من ابناء الطبقة الوسطى، ولا الثانية قامت “فقط” ضد طائفية واستبداد واقصائية الاخوان.
في القلب الصلب من هذين التحركين كانت دائما الرغبة في التحرر من استبداد المتحكمين في الرزق والحق في الوظيفة الملائمة وفي الأجر الكريم وفي إعادة توزيع للثروة تعيد الحق المنهوب على مدى عقود للشعب.
ويجب أولا توضيح بعض المعلومات الخاصة بالقرار: فهو يخص إجمالي الدخل وليس الأجر الأساسي وسيشمل حساب المزايا العينية ومازالت هناك بعض المعايير التي قد تؤخذ في الاعتبار كأن ينطبق فقط على من مر على وجوده بوظيفة سنة على الأقل. ثانيا، ان القرار لأنه جاء دون ترتيب (وهو ما يثبت صعوبته على ترتيبات الحكم رغم انه اصلاح بسيط)، فإن الحكومة لم ترتب موارد لتغطيته وهو ما يعني انه من ناحية مازال هناك مجال لتقليص المكاسب منه، ومن ناحية اخرى انه قد يكون مقدمة لواحد من خيارين: الأول هو فرض خيارات تقشفية في الخدمات العامة وفي تسريع ضرائب غير مباشرة كضريبة القيمة المضافة التي يضغط من اجلها جناح صندوق النقد في الحكومة منذ زمن يوسف بطرس غالي. ويتم الترويج لهذا الخيار بحجة تمويل الحد الادنى. أما الثاني، وهو ماكان يجب ان يحدث منذ زمن طويل فهو تدبير هذا من وفورات من يحصلون على اعلى الدخول في الحكومة بلا رقابة ولا وجه حق ومن خلال اعادة ترتيب حمول الموازنة لتقع على رجال الاعمال الكبار والأغنياء بدلا من وضعها الحالي الذي ينوء تحته الفقراء والعاملون بأجر. ويتجسد هذا في أجلى صوره في نظام الضرائب الذي يتراجع فيه نصيب شركات الارباح وكبار المهنيين مقارنة بكل دول العالم لحصة متدنية من حصيلة الضرائب. يعني هذا الخيار فرض ضرائب على التلوث وعلى الثروة وعلى الارباح الراسمالية تخلق موارد متجددة للموازنة.
الشيء الاخر هو وان زيادة الاجور هي طريق العدالة الاجتماعية فهي ايضا طريق الازدهار الاقتصادي وزيادة الانتاجية. لكن هذا يتطلب اجراءات قاطعة لتفكيك احتكارات الاستيراد والتجارة الداخلية لكي لا يرفع المتحكمون فيها اسعار فيلتهموا الزيادات بالتضخم الذي يقتطع من اي تحسن حقيقي في دخول العاملين بأجر الفقراء ويضرب الطبقة الوسطى لحساب ارباحهم الاحتكارية. كما انه لكي تكون زيادات الاجور ذات اثر تنشيطي وانتاجي لابد ان يقترن هذا بسياسة توسع في الاستثمارات الحكومية لخلق مزيد من التشغيل.
لكن القرار حتى برغم كل هذه المحاذير فتح باب المواجهة أخيرا لكل هذه القضايا التي طال تجاهلها وتجنبها. ولا يفوتنا هنا انه يفرض على المجلس الاعلى للأجور الذي سيناقش الحد الادنى للأجور في القطاع الخاص الاسبوع المقبل هامشا للحركة لن يمكن تجاهله. وهنا من المنتظر ان تكون هناك معركة مع رجال الاعمال الذين كانوا معترضين على قانون ملزم ب ٨٠٠ جنيه في اجتماع الثلاثاء. ولا يستبعد هنا ان يحاربوا القرار باغلاقات مصانع او فصل لعمال وتقليل للانتاج ناهيك عن اطلاق ماكينة الدعاية الاعلامية التي يمتلكونها ضد ما يقتضيه رفع الحد الادنى من التخلي عن بعض من هوامش ارباحهم وضد ما يمكن ان يفتحه هذا المكسب من ابواب اعادة توزيع ثروة في المستقبل.
هذا مكسب فرضه الشارع ونضالات عمال مصر وموظفيها ومهنييها على مدى اكثر من عشر سنوات. مكسب يفتح باب معركة سياسية على توازنات واصطفافات مغايرة تماما لما اعتدنا عليه في الشهور الماضية. فلا تندهشوا عندما تتغير التحالفات والتراص بما يخالف خطوط مواجهة المعركة على الارهاب. بل ان القرار لن يتحول الى مكسب حقيقي دون ان يستمر الضغط الذي فرضه اصحاب المصلحة. فأهلا بها مواجهة.

Advertisements

4 comments

  1. اذا أردنا حل مشكلة فعلينا مواجهتها وليس التهرب منها مهما كانت عواقب المواجهة عجز الموازنة هو اهم مشكل في اقتصاد مصر ومعناه ان دخل الحكومة اقل من نفقاتها وقرار رفع الحد الأدني للأجور يزيد النفقات اي يتفاقم المشكلة مالم يلأزمة زيادة الإيرادات مثل الضرائب والسياحة والصادرات وايضاً خفض نفقات اخري وأهمها دعم الطاقة الذي ليس لة مثيل في العالم المتقدم أسعار الطاقة في مصر اقل كثيرا من بعض الدول البترولية وتستنزف اكثر من ١١٥ مليار جنية لدعم الطاقة وجعلها بالأسعار الحالية سنويا هذا المبلغ يمكن حل مشكلة عجز الموازنة ورفع مستوي التعليم والرعاية الصحية

  2. أن المشكلة الأساسية ليست فى رفع الحد الأدنى للإجور فأن أى زيادة سوف تأخذها زيادة الأسعار والتى يتم رفقها فبل حصول الموظفين على الزيادة والوزارات تقف مكتوفة الأيدى وعليه فأن الحل ليس ببعيد :
    1- أنشاء وحدة تابعة لرئيس الوزراء تعمل على مراقبة الأسعار وخاصة أسعار الغذاء ( خضروات – فاكهه ) وجميع الأشياء الضرورية للمواطن الفقير0
    2- تخيفيض جميع المرتبات التى يتم الحصول عليها من قبل فئة معينه فى الدوله ( وزراء – مستشارين – رؤساء مجالس الأدارة – وكلاء وزارات وغيرهم ) عن طريق تحديد الحد الأعلى للمرتبات بالدولة فكيف يتم صرف مبالغ تتعدى مائة ألف ومئتان ألف لموظف فى الشهر ثم بعد ذلك نرى أن أجمالى المرتبات فى موازنة الدولة تتعدى أكثر من 75% من موازنة كل وزارة مطلوب حصر جميع المرتبات لجميع الوظائف فى المستوى الأعلى على وجهه السرعة 0
    3- منظومة التعليم التى لم يتم الأقتراب منها حتى الأن وخاصة المدرسين اللذين يستغلون أولياء الأمور ويستنزفون جميع مرتبابهم ومدخراتهم حيث يتم ممارسة الدروس الخصوصية جهارا نهارا دون رقيب وخاصة أن جميع هؤلاء المدرسين يعملون فى وزارة التربية والتعليم وحصرهم فى منتهى السهولة فهم يستنزفون أكثر من ثلث مرتبات الشعب المصرى 0
    4- الكتب الخارجية الخاصة بجميع منهاج التعليم كيف يتم تسريب المناهج لاصحاب الكتب الخارجية ويتم طبعها وبيعها قبل حصول الطلبة على الكتب المدرسية والتى أجميع جميع المستشارين على وجوب تعديلها ولكن ما هو السبب فى الأصرار على أنها تخرج بها المستوى المتدنى
    – لما لا يتم تغيير هذه الكتب وتكون على مستوى الكتب الخارجية ويتم رفع قيمتها فى المدراسة بنسب تتراوج بين 10%ألى 15% من أسعار الكتب المدرسية 0
    – لماذا لا تصر قرارات بعدم تسريب المقرارات التعليمية لاصحاب الكتب الخارجية إلا بعد صدور الكتب المدرسية والتى تكون على مستوى محترم يليق بإنشاء أجيال مصرية على مستوى عال من الثقافة والتعليم الذى يوازى التعليم الخارجى رغم أنه لدينا كوارد علمية معطلة لا يتم الاستعانه بها

    لقد أطلت هناك الكثير والكثير الذى يمكن توفيرا مليارات فيه وليس دائما ننظر الى الدعم وكأن الحكومة تمن به على المواطنين فى حين أنه امامها الكثير من المشروعات الأقتصادية وغيرها التى يمكن ان تتدر منه عملات أجنبية ولكن يجب علينا الأستعانه برجال مصر المخلصيين
    وكذلك المخلصين

    أليس فينا رجل رشيد أم ان هؤلاء الموجودون على الساحة ويدعون من قبل أقران لهم هم فقط اللذين لديهم الحلول السحرية للنهوض بالبلد والله ان مصر بها رجال يعرفون كيف تدار البلد ويرتفع شأنها وتكون مصر الدول التى نهضت فى أوقات قليلة والأمثلة كثيرة

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s