فخ الديون الخارجية الذي ينصبونه لنا

وائل جمال

الشروق

15 أبريل 2013

“التمويل القطري سيكون دفعة قصيرة الأجل بالنظر للوضع الاقتصادي في مصر حاليا، لكن هل سيفعل شيئا لمساعدتها في الخروج مما هي فيه؟” كان هذا هو السؤال الذي وجهته وكالة بلومبرج الأمريكية المتخصصة في الشئون المالية والاقتصادية لسعيد هيرش المحلل والخبير المالي في لندن والحائز على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة بريستول فور إعلان قطر لشرائها سندات حكومية مصرية بقيمة 3 مليارات دولار وإمدادها مصر بغاز طبيعي. إجابة هيرش كانت قاطعة: “لا أعتقد ذلك. هناك غياب كامل للوضوح بخصوص ما الذي تحاول الحكومة المصرية فعله”.

 

كان أثر القروض القطرية سريعا (ولا أقول الدعم القطري إذ أنها تجيء عبر شراء سندات حكومية انفردت الشروق نقلا عن مصدر بوزارة المالية بأنها ستكون بأمد سنة ونصف وفائدة 4.6%). فجنبا إلى جنب مع تقرير لوكالة أنباء الشرق الأوسط عن قرض ليبي ب 2مليار دولار بدون فوائد بأمد 5 سنوات وبفترة سماح 3 سنوات (أي لا تبدأ مصر في تسديد الأصل إلا بعد 3 سنوات)، قدمت الخطوة دعما مباشرا للجنيه المصري، الذي كان قد فقد 10% من قيمته خلال 4 شهور وربع قيمته تقريبا منذ يناير 2011، وبدأ الدولار التراجع في السوق السوداء ربما بعدما أحس المضاربون أن المركزي باتت في يده سيولة يستطيع استخدامها كما اعتاد سابقا لضربهم في السوق المفتوح. هذا الأثر إيجابي للغاية. إذ أنه يحجم، ولو إلى حين، من فورة ارتفاع الأسعار بسبب ما يسمى بالتضخم المستورد (لأن مصر دولة مستوردة للسلع الأساسية من الطاقة والغذاء وفي أسواق ذات طبيعة احتكارية مما يجعل أي تراجع في سعر العملة يقتص فورا من مستويات المعيشة خاصة الفقراء). كما أنه يعطي مساحة للتنفس للبنك المركزي بعد أن وصل احتياطي النقد الأجنبي إلى مستوى تغطية أقل من 3 شهور من الواردات وهو الحد المتوسط المتعارف عليه. كما أن غازا قطريا بشروط مخففة قد يساهم في حل أزمة الطاقة والكهرباء (المتفاقمة بسبب جفاف المتاح من النقد الأجنبي) قبيل فصل الصيف وشهر رمضان.

لكن هل هذه القروض بلا تكلفة؟ وما أثرها على المدى الأبعد قليلا؟ وهل هيرش محق في أنها لن تحل أزمة الاقتصاد المصري الحالية؟

 •••

ليست بلا تكلفة

قبل وأثناء حرب أكتوبر 1973 قدمت الدول العربية دعما مباشرا لمصر بالمال والسياسة (يذكر هنا المساعدات الجزائرية وحظر تصدير البترول)، وبالتالي الدعم العربي ليس أمرا شاذا. لكن الوضع اليوم مختلف. في تحليلها للقروض القطرية تقتبس وحدة استخبارات مجلة الإيكونوميست البريطانية EIU قول رئيس الوزراء القطري إن بلاده “لم تطلب شيئا من مصر في المقابل”. لكن الوحدة البحثية العريقة ترصد تزامن القرض الجديد مع إلغاء حكومة قنديل الضرائب المزمعة على الإندماجات والاستحواذات في البورصة وهو ما يعفي صفقة استحواذ بنك قطر الوطني على بنك الأهلي سوسيتيه جنرال والتي كانت ستمد الخزانة المصرية مباشرة ب 200 مليون دولار. يضاف إلى ذلك، تضيف وحدة الإيكونوميست، صفقة شراء بنك الاستثمار القطري كيوانفست ل60% من أسهم بنك الاستثمار المصري إي اف جي هيرميس (المتهم حاليا في قضايا التلاعب في البورصة لحساب علاء وجمال مبارك نظر أمام القضاء)، والتي سينتهي أمد العرض المتعطل فيها أمام هيئة الرقابة المالية يوم 3 مايو. ويبقى أن نرى إذا ما كان الأمر سيتم تحريكه أم لا (هنا أيضا كانت الصفقة ستضخ ملايين الدولارات في موازنة الدولة عبر نفس الضريبة الملغاة).

وبإضافة القروض القطرية إلى سابقاتها (4 مليار دولار)، يرتفع نصيب قطر وحدها من الدين الخارجي المصري الرسمي (حاليا 38.8 مليار دولار يزيد إلى 41.8 بإضافة القروض الجديدة) إلى ما يزيد على 16%، وهو ما لا يمكن إغفال أثره على السياسة المصرية الاقتصادية والإقليمية.

ولا يفوتنا هنا ذكر التزامن بين إعلان وكالة الأنباء المصرية الرسمية عن القرض الليبي وعما سبقها من عمليات اعتقال لبعض قيادات نظام القذافي الساقط في القاهرة وتوقيع اتفاق تعاون ليبي مع القوات المسلحة المصرية. وهذه أيضا سياسة.

ولا يمكن أن نعد سياسة الاقتراض الخارجي في ظل حكم قنديل إلا امتدادا لنفس السياسة في ظل حكم المجلس العسكري. وفي التاسع والعشرين من يوليو 2012، أي عند بدء حكم الرئيس مرسي، قدرت وزيرة التعاون الدولي د. فايزة أبوالنجا “حصيلة التمويلات التي حققتها الوزارة خلال الفترة من يناير 2011 حتى 25 يوليو الجاري، بـ 5.8 مليار دولار، منها 5.5 مليار قروض”.

وتقدر وحدة البحوث ببنك الاستثمار اي اف جي هيرميس حجم الاقتراض الخارجي خلال السنتين الماضيتين (قبل القروض الجديدة) بحوالي 10 مليارات دولار “لكن التحرك المحدود على مستوى السياسات والاستقطاب السياسي لم يفعلا شيئا يساعد على تحويل هذه القروض لخدمة الاقتصاد”.

وسارعت الحكومة فور الإعلان عن القرض الجديد للتأكيد على أنه  لن يوقف مفاوضات قرض الصندوق، الذي صار من المتوقع أن يرتفع عن ال4.8 مليار دولار ربما عبر طرف ثالث. لكن هل يعني هذا ثبات الجنيه واستعادته قيمته؟ في مواجهة المضاربين. ربما، وإلى حين. لكن إذا وضعنا شروط الصندوق نفسه في الاعتبار ربما يكون الأمر غير ذلك إذ ساعتها يتحول خفض الجنيه إلى سياسة مقصودة. في 18 يناير الماضي وبصراحة غير جديدة عليه نفى  حسن مالك رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لتنمية الأعمال والقيادي بقطاع الأعمال في جماعة الإخوان المسلمين ما تقوله حكومة الرئيس مرسي من أن قرض الصندوق بلا شروط قائلا في حوار لرويترز: “إن مصر بدأت خفض قيمة عملتها لإنعاش الاقتصاد والوفاء بشروط قرض متوقعًا من صندوق النقد الدولي”. ولم ينس مالك أن يضيف أنه يتوقع (بصفته الشخصية. وما صفته العامة؟) المزيد من الخفض: “الحكومة بدأت خطوات لخفض عجز الميزانية وتحقيق الاستقرار المالي للبلاد، لكن الإجراءات الأشد سيكون عليها الانتظار إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المتوقعة في إبريل (كان ذلك قبل تأجيلها).. الرجل العادي في الشارع الآن يفهم أن هناك ثمنا وأنه سيكون على البلاد دفع مقابل للاتفاق مع صندوق النقد الدولي”. وحتى لو لم يشترط الصندوق المزيد من خفض الجنيه، فإن هذه التدفقات (الذي سيكون على الرئيس القادم تسديد أغلبها) سيتم ابتلاعها كما تم ابتلاع المليارات السابقة عليها من قروض ومن زيادة في تحويلات المصريين في الخارج.. إلخ، طالما بقي المركزي وبقيت الحكومة ساكنين أمام خروج الأموال المكثف المتواصل عبر البورصة وتحويلات الأرباح للشركات الأجنبية وغيرها، تحت دعاوى فارغة بحرية الأسواق وعدم افزاع الاستثمار الأجنبي.

ومن المتوقع أن يرفع إتمام الاتفاق مع صندوق النقد (ربما في حدود 6 مليار دولار زائد 14.5 مليار إضافية من الحزمة الأوروبية الأمريكية العربية المشروطة به) حجم الدين الخارجي بنهاية العام أو منتصف العام المقبل إلى 63 مليار دولار، أي ضعف الدين الخارجي وقت سقوط مبارك تقريبا، وهو ماله مشاكله خصوصا أننا لا نعرف فيم سيتم استخدام هذه الأموال. وإذا أضفنا المنتظر جمعه بعد تمرير قانون الصكوك فإن الرقم سيقفز أكثر وأكثر.

ولا تخضع حمى الاقتراض هذه حتى الآن لأي مراقبة من المواطنين الذين يشير لهم السيد مالك. فالاقتراض عبر السندات لا يشترط الموافقة المسبقة للمجالس التشريعية المنتخبة. كما أن ما تسرب من أنباء عن أن قرض الصندوق سيتم عبر إيداع في المركزي سيعفيه هو الآخر من الشرط الدستوري بإقراره عبر مجلس النواب الجديد، وساعتها لن نعرف شروطه الحقيقية أبدا. وهناك مثل القرض التركي (مليار دولار) الذي عرفنا عنه فقط من الجريدة الرسمية في 22 نوفمبر 2012 بعد أن صدر بقرار رئاسي يمتلك سلطة التشريع رغم توقيعه في 30 سبتمبر. ولا يعرف أحد للآن هل صرف أم لا وما المشاريع العامة التي وجه أو سيوجه لها.

•••

الفخ

في كتابه الهام “المال ضد الشعوب”، يحسب إريك توسان، رئيس لجنة اسقاط ديون العالم الثالث أن حجم الديون الخارجية للدول النامية وصل عام 1980 إلى 580 مليار دولار. وعلى مدى 22 عاما سددت الدول النامية 4600 مليار دولار فوائد وأقساط أي ثمانية أضعاف المبالغ التي اقترضتها. بينما في الوقت نفسه تضاعف حجم الدين نفسه 4 مرات إلى 2400 مليار دولار.

في مصر مبارك المتحفظة للغاية بعد 1986 فيما يخص الديون الخارجية، أسقطت الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدائنين نصف الديون الخارجية مقابل مشاركة مصر العسكرية في التدخل الأمريكي لتحرير الكويت. ومن حوالي ال20 مليار دولار قفز الدين إلى حدود ما كان عليه وقت الإسقاط (35 مليار) بسقوط مبارك. ذلك برغم أن مصر ظلت تدفع 3 مليارات دولار متوسطا سنويا في شكل خدمة وأقساط الدين.وخلال الفترة بين 2000 إلى 2009، تزايد مستوى الدين المصري بمعدل 15%، بالرغم من أننا دفعنا 24.6 مليار دولار كمدفوعات للديون في الفترة نفسها. هذا هو ما يسمى فخ الديون، وهي ديون الشفافية فيها قليلة وأثرها التنموي ضعيف بسبب غياب الرقابة عليها. فخ الديون يسمح بتدخل غير محدود من رأس المال العالمي الكبير والدول التي تمثله في شئونك الاقتصادية للأبد. فيجيء الصندوق فيضع أنفه في كل صغيرة وكبيرة ويحدد كم سيتقاضى الموظف العام المقبل وكيف سيعيش ومن سيدفع الضرائب ولحساب من تدار عجلة الإنتاج إياها، تحت دعوى أنه يضمن للدائنين من دول وبنوك أنك ستسدد.

هذا الفخ يتم نصبه لنا الآن.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s