دليل الثوري لقضية العنف

صورة

(مجموعة مقالات: رباب المهدي – محمد أبوالغيط – وائل جمال – ريم سعد – خالد فهمي – بول داماتو (ترجمة عايدة سيف الدولة))

لم نسمع أصواتهم.. فأسمعونا صوت الرصاص

رباب المهدي

صحيفة الشروق

 حينما كتب المدون والناشط الشاب محمد أبوالغيط تدوينته الشهيرة «الفقراء أولا يا ولاد..» فى صيف ٢٠١١، كان يعبر عن غضب فئة غير قليلة من اختزال النقاش السياسى فى معركة أولوية الدستور أم الانتخابات، وبرغم اهتمام وسائل الإعلام بدعوته للانتباه لمطالب الفقراء (مقابل التركيز على ترتيب الإجراءات السياسية والاستحقاقات الانتخابية) وثناء الفرقاء السياسيين عليها، فإنها ما لبثت أن خفتت وعاد الجدل حول الانتخابات، والنزاع بين ما يسمى التيار الإسلامى والتيار المدنى (سواء فى انتخابات مجلس الشعب أو الرئاسة) لتصدر المشهد.

•••

أصرت النخبة السياسية ــ حكاما ومعارضة وإعلاما ــ خلال العامين الماضيين على اختزال الثورة فى «عملية تحول ديمقراطى»، وقصر الجدل على الإجراءات الأنسب لذلك، ورفض الحكام ــ العسكر ثم الإخوان ــ الالتفات لاستحقاقات العدالة الانتقالية الناجزة والشاملة، أو العدالة الاقتصادية وتوزيع الثروة، بل واستغلوا مطالبات القصاص والعدالة الاجتماعية لمحاولة تمرير إجراءات تعزز سلطتهم، سواء كانت إعلانا دستوريا مقيتا أو ضرائب ظالمة.

فكانت النتيجة الحتمية لمحاولات اختزال الثورة فى عملية تحول ديمقراطى (مشوهة) دون إحداث أى تغيرات جذرية، وانشغال السياسيين بالصراع حول الهوية الإسلامية أو العلمانية لدولة خربة، هى موجة العنف التى نشهدها. فالعنف ــ إضافة لكونه تعبيرا عن كفر بالدولة وسياستها ــ هو تعبير عن كفر بالقوى السياسية، ومؤشر على قناعة مجموعات من المصريين بانسداد الأفق السياسى للتغيير الجذرى، ومن ثم اضطرارهم اللجوء للعنف، حتى وإن تأكدوا أنه لن يحقق شيئا. فما بين التطبيع مع رموز نظام مبارك والعسكر، وإعادة إنتاج سياسات نظامه الأمنية والاقتصادية، وتعامل كل القوى السياسية مع البشر كأصوات انتخابية (البعض يتهمهم بالجهل ويدعو لحرمانهم من التصويت أو «الارتقاء» بوعيهم، وآخرون يحاولون استغلال حاجتهم ومشاعرهم «لتوجيههم»)، لم يعد مستغربا أن يفقد جزء كبير منهم الإيمان بالعملية السياسية برمتها.

وبالتالى فتحميل مجموعة صغيرة من الشباب يسمون البلاك بلوك مسئولية العنف، أو إلقاء المسئولية على جبهة الإنقاذ وقوى الثورة المضادة، هو قصر نظر، سيؤدى لتكرار موجات العنف، فلا الجبهة، ولا الرموز الشبابية من أيقونات الثورة الذين يظهرون على الفضائيات، يستطيعون إيقافه، لأنهم ــ ببساطة ــ غير مرتبطين بفئات فقراء المدن الذين خرجوا ليسمعونا صوت الرصاص بعد أن رفضنا سماع أصواتهم، فأقصى ما تستطيع الجبهة فعله ــ كما وضح فى بيانها الأول فى هذه الأحداث ــ هو محاولة تعظيم مكاسبها الانتخابية.

•••

نعم، بالتأكيد هناك بلطجية ومسجلون خطر وجزء من الأجهزة الأمنية يتكسبون على هامش المشهد ــ مثلما حدث خلال الأيام الأولى للثورة ــ ولكنهم ليسوا الوقود الحقيقى لا لموجة العنف هذه، ولا لموجات أخرى أراها قادمة (وأرجو أن يخيب ظنى)، فالقلب الصلب لهذا المسار هم فقراء المدن، الحرافيش كما سماهم نجيب محفوظ، ممن أنجزوا الثورة على الأرض فى ٢٨ يناير ٢٠١١ ثم عادوا لينتظروا ثمارها فلم يجدوا غير الخذلان من الجميع؛ نحن ندفع ثمن استبعاد أغلبية الشعب من العملية السياسية بحصرها فى معارك لم يقرروها، ولم تكن يوما ما ضحوا لأجله، وإغفال معارك أخرى أكثر وضوحا وتماسا مع حياتهم.

أما محاولات إيقاف العنف عن طريق الحلول الأمنية فهى ــ مع تكلفتها الباهظة فى الأرواح ــ تبقى محدودة الأثر، وغير مستدامة، فمحاولات وراثة دولة مبارك بأجهزتها القمعية وسياستها الظالمة لن تجدى نفعا لأن الدولة صارت نمرا من ورق؛ خيال مآتة لا يخيف غير الطيور وذوى أحلام العصافير، فعلى من يتكلم عن هيبة الدولة إدراك أن الهيبة لم تكسر وحدها، وإنما كسرت معها قبضة الدولة الحديدية، وبالتالى فالسبيل الأوحد لاستعادة الأمن هو بناء شرعية العدل لا القوة.

•••

فالأنجع من إعلان الطوارئ، أو التفاوض حول قانون الانتخابات، هو إقرار مشروع متكامل للعدالة الانتقالية، ورسم سياسات اقتصادية يطمئن الناس إلى أنها ستحقق العدالة الاجتماعية، أما محاولات إسكات الناس عن مطالبهم المشروعة، مرة بحجة عجلة الإنتاج، وبوصمهم بالبلطجة وكبح وسائل الاحتجاج السلمى (بدءا من إصدار قانون تجريم الاعتصامات ومرورا بتجاهل إضرابات العمال والأطباء والمدرسين)، فلن يورثنا إلا مزيدا من العنف وصوت الرصاص.

 

 

عن الثورة القبيحة والشباب غير الطاهر

محمد أبو الغيط

 المصري اليوم

(1)

«ثمانية عشرة يوما من الثورة قادها شباب طاهر لم تر أي أعمال تخريب، بينما يوم واحد بقيادة رموز العمل السياسي شهد تجاوزا غير مسبوق»

بينما أشاهد تناقل صفحات ومواقع الإخوان بفخر هذه العبارة للدكتور محمد محسوب، أتذكر القاعدة الفقهية «الحكم على الشيء فرع من تصوره»، أي أن الموقف الذي يتخذه المرء من أي حدث يكون نتيجة لزاوية إدراكه الشخصي له، وفي هذا الإطار تحدث عبدالوهاب المسيري كثيراً عن «الخرائط الذهنية» التي تغير من إدراك الأشخاص لنفس الحدث، تأثراً بخلفياتهم الذهنية المسبقة.

هذا هو ما أفسر به مفارقة أن د.محسوب يقول هذه العبارة في ذكرى يوم 28 يناير الذي يمثل بالنسبة لي ذروة الصورة المعاكسة لكل ما تحدث عنه! كأن هناك أكثر من ثورة عاشها كل شخص، ورأى فيها ما هو مختلف تماماً عن الثورة الخاصة بالآخرين.

لا أعرف ما الذي فعله د. محسوب في هذا اليوم ليكون هذا هو إدراكه له، ربما هتف «سلمية سلمية» وسط مجموعات من الشباب الطاهر أبناء الطبقة الوسطى المحافظة، ربما نزل إلى الميدان في الأيام الاحتفالية ليشارك بالثورة الضاحكة الجميلة.
د.محسوب لم يعرف أنه بينما كان منهمكاً في الهتاف للسلمية مع الشباب الطاهر، كانت حشود هائلة من شباب آخر غير طاهر إلى نفس الدرجة تهتف هتافات قوامها السباب البذيء لوالدة وزوجة مبارك!

ويقيناً لم يشارك د.محسوب وشبابه الطاهر في المعارك الضارية التي أسفرت عن خسائر للداخلية قدرتها رسمياً بسقوط 32 قتيلاً و1079 مصابًا، وإحراق 99 قسمًا و4 آلاف سيارة ومدرعة، وكان هذا لا غيره هو سبب انكسار الداخلية الكامل في ذلك اليوم ومن ثم نجاح الثورة.

ربما رأى د.محسوب السيدات يلقين زجاجات المياة المعدنية من الشرفات للشباب الطاهر الذي صاحبه، لكنه لم يعرف أنه في نفس اللحظة كانت سيدات في أماكن أخرى ينزلن زجاجات البنزين والتينر من المطابخ، إلى شباب المنطقة ليصنعوا المولوتوف ويحرقوا بها القسم أو المدرعات!
وبالمناسبة يتناسى كثيرون أيضاً أن يوم 28 يناير شهد إحراق منشآت عديدة لا تخص الداخلية، كجميع مقار الحزب الوطني، وكذلك محاكم ومباني محافظات – بما فيها المبنى الأثري لمحافظة الإسكندرية للأسف-ومجالس المحلية وإجمالاً كل ما يخص الدولة الرسمية، بل إنه شهد أيضاً أعمال سلب ونهب كثيرة على هامش الفراغ الأمني لمحال عدة أشهرها كارفور طبعاً.

أحداث السويس الأخيرة صادمة!
خاض أهالي السويس من يوم 25 إلى 28 معارك ضارية ضد قوات الأمن، تتضمن إطلاق النار على الأقسام وعلى أفراد الشرطة وليس مجرد الطوب والمولوتوف، وتتضمن حصار تشكيلات الأمن المركزي وإمطار المدرعات بالمولوتوف من فوق الأسطح. بل تتضمن حصار قسم وتهديد الضباط بإحراقهم أحياء بداخله لو لم يقوموا بتسليم أحد المخبرين، الذي قام الشباب – غير الطاهر طبعاً – بذبحه فور خروجه!

إذن كل «أعمال التخريب» التي حدثت بعد الثورة تبدو متواضعة للغاية بجوار ما حدث يوم 28، لذلك أستغرب اعتبار الأحداث الجديدة «تجاوزاً غير مسبوق». ربما كان تجاوزاً مُداناً فعلاً وأتفهم استنكاره، لكني لا يمكنني أن أتفهم أبداً اعتباره «غير مسبوق»!

والجانب الآخر من كلام د.محسوب، والذي يوافقه فيه بالطبع حلفاؤه الإخوان الذين يدركون الواقع بنظارة تنظيمهم العتيد، هو افتراض أن الثورة كان لها قيادة هم «الشباب الطاهر»، بينما الاحتجاجات الأخيرة لها قيادة أيضا هم «رموز العمل السياسي».

لقد هرمنا من تكرار أن الاحتجاجات الحالية كالموجات التي سبقتها ضد العسكر، كالثورة نفسها، لا يقودها أحد، تجتمع بالنداء العام ويحركها الغضب العام، وهو في جانب منه عند العديد من المشاركين غضب من كل الوسط السياسي المصري بما فيه «رموز العمل السياسي» الذين يعنيهم!

«الغطاء السياسي للعنف» الذي يتحدثون عنه هو وهم اختلقته عقول العاجزين عن إدراك ما يحدث.

هم أنفسهم من عجزوا تماماً عن استيعاب كيفية خروج مئات الآلاف هاتفين «يسقط حكم العسكر» في أحداث محمد محمود وما تلاها، دون أن يكون هناك أي تنظيم كبير خلفهم أو أي جهة سياسية تدعمهم، بل بالعكس كانت الحركة ضد موالي العسكر من سياسيين مدنيين وإسلاميين، وحتى ضد نسبة كبيرة من الشعب «المواطنين الشرفاء»، فقررت عقولهم تلقائياً تناسي هذا الجزء من التاريخ تماما كأن لم يكن!

وهي نفس الأوهام التي يحلق بها النائب العام الحالي الذي أعلن بيقين أنه سيسعى لمعرفة «الأيدي الخفية المحركة لجماعة بلاك بلوك، ولن ننخدع أبدا أن هؤلاء من يحركون أنفسهم!».

لا يمكنه استيعاب أن «بلاك بلوك» مجرد فكرة عامة لا تنظيم، ولا تستحق كل هذا التضخيم لشأنها، فأي مجموعة أصدقاء عاديين من مرتادي الاحتجاجات يرتدون الأسود ويعتبرون أن لهم دوراً في حماية المظاهرات سيتحولون فوراً إلى البلاك بلوك الرهيب!

‪2))
«الداخلية كانت شغالة عند مبارك، وبعدين بقت شغالة عند مرسي وشفيق .. مرسي وشفيق مظبطين مع بعض!»

يقولها الطفل المشرد حازم، ثم يجري نحو قنبلة غاز تسقط وسط المتظاهرين، يلتقطها بطرف أداة معقدة عبارة عن حبل طويل بأحد طرفيه خطاف يستخدمه في إلقاء القنبلة بكل قوة نحو الجنود مرة أخرى. في طرف الحبل الآخر نصف زجاجة مكسورة، يقول بيقين إنه سيستخدمه في ضرب العساكر للتعليم على وجوههم لو اقتربوا منه.

نفس هذا المشهد قام به نفس الطفل في يوم 28 يناير 2011، ثم كرره بعدها بعامين.

في المرة الأولى لم يشاهده أحد أصلاً، كانه خيال شفاف غير موجود، شاهدوا الشباب الجميل فقط، أما في المرة الثانية لأن هذا أصبح يوافق ما يريدون إدراكه لم يشاهدوا غيره، وتجاهلوا الشباب الجميل الذي نزل بدوره مرة أخرى!

دائماً قراءتهم ناقصة للمشهد، بعكس قراءة الطفل الفطرية المبسطة، هذا هو إدراكه لشعوره نحو الدولة، لا فارق بين ما قبل وما بعد الثورة، أو بين مرسي وشفيق، هو يعيش نفس الفقر والتشرد، ونفس اضطهاد الأمن.

وبالمناسبة الإدراك للشرطة أيضا يختلف تماما، لو دخل د.محسوب في عهد مبارك أشد الأقسام سوادا في سجل التعذيب والانتهاكات، لحياه الضابط باحترام لأن شكله «نضيف»، بعكس ما سيفعله نفس الضابط مع أي شخص يبدو أن شكله «سرسجي» أو «شوارعي»، أو مع كل من يتحدى سلطته كشباب الألتراس. في الحالة الأولى هي علاقة احترام متبادل، وفي الحالة الثانية هي علاقة عداء تام تنتظر أي فرصة للانفجار.

أتت عائلة الطفل حازم من أبوقرقاص بمحافظة المنيا إلى القاهرة بحثاً عن عمل، تركهم وفضل الحياة في مسجد عمر مكرم، حيث يطلب من المتظاهرين والمعتصمين شراء الطعام له.
بجواره محمد فؤاد، طفل آخر يشاركه المعارك مع اختلاف ظروفه. ليس مشرداً فهو يعيش مع عائلته بالزاوية الحمراء، ويعمل صبيًا بورشة نجف.

تجربة محمد الثورية الخاصة التي شكلت إدراكه هي محاولته مع أفراد عائلته إنقاذ خاله الأسير بداخل قسم الزاوية الحمراء يوم 28، بعد تحصن الضباط بالقسم وإطلاقهم النار من داخله على أهالي المنطقة، الذين قاوموا الكردون الذي حاول إيقاف مسيرتهم للتحرير بالقوة.

في النهاية تمكن الشباب من اقتحام القسم وإحراقه بعد ساعات من المحاولة بتكتيك شبه عسكري: أشعلوا إطارات سيارات داخل صناديق القمامة المعدنية الكبيرة، ودفعوها أمامهم نحو القسم لتكون ساتراً يمنع الضباط من التصويب. سقط قتلى في الاقتحام ليتم عدد شهداء المنطقة 45 شهيداً، بمن فيهم خال محمد فؤاد مما أورثه ثأراً لا يهدأ أبداً.

«أنا وأهلي عملنا أكتر من كده أيام الثورة» يقول الطفل مستغرباً من استغراب الناس من هيئته وفعله.

علق أحد «الشباب الطاهر» على صفحتي بالفيس بوك حين تحدثت عن حازم «إيه القرف ده؟»، والمشكلة أن حضراتكم أيها الطاهرون تشعرون بهذا القرف فقط حين يهدد «استقراركم»، بينما لم تجعلك هذه القصة تشعر بالقرف من هذا الوضع المقرف، الذي يعيش فيه طفل بالشارع، ويعمل آخر بورشة، ويتعرض أهلهما وطبقتهما كلها من ملايين ساكني العشوائيات والمقابر للانسحاق بالفقر وعنف الشرطة وتعنت الدولة. لن ينتج كل هذا القرف إلا قرفاً!

عنف أي مصري ضد أي مصري مرفوض من حيث المبدأ، لكن يجب رفضه في سياق رفض كل أسبابه وظروفه.

(3)

«عزيزى الثائر الجديد: كل العسكر ولاد (……)، تلك عقيدة وليست رأيا، نقولها بكل فخر دون خجل، إن أزمتنا ليست مع الإخوان، نعم لا تستغرب، فأزمتنا مع كل خطاب سلطوى متعفن مستبد بالإنسان أيا كانت مرجعيته دينية كانت أو عسكرية أو حتى مدنية، الثورة ليست ضد طائفة بعينها، الثورة ضد الاستبداد بالسلطة بشتى أشكاله… إن ما بيننا وبين من قتلوا إخوتنا وعرّوا بناتنا ثأر وليس أزمة».

يتحدث أحمد البحار، ابن العائلة المنتمية للشريحة العليا من الطبقة الوسطى، القاطن بمصر الجديدة، طالباً من الثوار الجدد أن يرتلوا تراتيلنا.

أحمد نموذج لفئة أخرى كبيرة للغاية ممن «أدخلتهم يد الله في التجربة»، أبناء الطبقة الوسطى المؤهلين ليكونوا شباباً جميلاً لكنهم لم يصبحوا بالجمال الكافي!

شاركوا بالاشتباكات جميعها، وعلى رأسها المدرسة الأعظم: محمد محمود، ومسهم الأذى المباشر للدولة الأمنية عبر كل هذه المحطات، أصيبوا بالخرطوش أو فقدوا أعينهم أو فقدوا أصدقاءهم.

اكتسبوا خبرة الاشتباكات كأبناء المناطق الشعبية وأكثر، واستخدموا ذلك للتعبير الغاضب عن سخطهم من الدولة التي لم يتغير بها شيء. لم تغير الدولة انحيازاتها الاقتصادية والاجتماعية، التي يؤمنون بتغييرها إيمانا مبادئيا وأخلاقيا رغم أنها لا تمسهم بشكل ساحق كالطبقات الأدنى، ولم يتم أخذ «الثأر» من الداخلية ومن العسكر بكل ما يمثلانه من سلطوية وقمع وظلم.

كل أحداث عهد المجلس العسكري منذ ضرب الداخلية لأهالي الشهداء بأحداث البالون حتى ضرب الجيش للفتيات بأحداث العباسية، وكل الأحداث الدموية في عهد مرسي، تضيف لرصيد الغضب والثأر، الذي سيستمر في الخروج في انفجارات متتالية.

(4)

ينشر الإخوان بسعادة الدليل الدامغ على فساد الأحداث الأخيرة: فيديو لشباب يتعاطون المخدرات داخل مدرعة محترقة. أقسم أن هذا المشهد حرفياً حدث أثناء الـ18 يوما الطاهرة!

وكذلك خلال الأيام الطاهرة تعاطى كثيرون الحشيش داخل الميدان، وتعاطاه شباب أكثر أثناء وقوفهم باللجان الشعبية، التي شارك فيها هي الأخرى أحياناً مسجلون خطرا دفاعاً عن مناطقهم! بل إن متعاطي مخدرات وملحدين شاركوا الإخوان مشهد القتال البطولي في موقعة الجمل. هذا جانب من تاريخ الثورة الآخر الذي يتجاهله الجميع.

السؤال الأهم هنا هو: هل هذه ثورة الشعب كله أم ثورة فئة معينة منه؟

لو كانت ثورة الشعب كله، فإن إحدى الدراسات تقول إن عدد متعاطي المخدرات بمصر يتجاوز 8 ملايين، حوالي 10% من الشعب، إذاً ماذا يمنع أن يكون 10% من المشاركين بالثورة من هؤلاء؟

الثورة انعكاس للواقع، واقع مصر ليس جميلاً وشعبها ليس شعباً من الأطهار، الواقع يسكن به مليون ونصف مصري داخل المقابر وملايين أخرى في العشوائيات، ويحول فيه الفقر أعدادا متزايدة من البشر إلى حيوانات شرسة تصارع من أجل البقاء، يخرج منهم اللصوص والمتحرشون والبلطجية والقتلة.

هل نتبرأ من الثورة، ونعمم عليها الإدانة والرفض، إذا شابهت في بعض أحداثها أو حتى أخطائها الفادحة البلد والشعب الذي خرجت منه؟

لن يمكننا محاولة تغيير واقع بلدنا، وواقع ثورتنا، ما لم ندركه ونعترف به في البداية.

منذ أسبوعين تقريباً ذهبت لمؤتمر التضامن مع جزيرة القرصاية، ولأول وهلة كان ما قابلنا مطابقاً للصورة الجميلة الشائعة، الأطفال المبهجين المبتسمين، ورسومهم البريئة.

لكن بعد قليل، نفس الطفل البريء الذي علمته ضاحكاً التصوير بهاتفي المحمول، اختلف مع رفيق بريء آخر فتحول صوته فجأة إلى صوت غليظ مرعب، وشتم صديقه بألفاظ بذيئة تخص شرف أمه!

حين أتت إحدى المتضامنات بعلب بسكوت لتوزعها على الأطفال، ترك أغلبهم كل شيء وهجموا عليها بعنف بالغ لينتزعوا منها ما بيدها عنوة حتى إنها سقطت على الأرض، رغم أن الكمية كانت تكفي الجميع!

الفقر ليس جميلاً إلا في أفلام إسماعيل يس.

تحكي العظيمة منى سيف، منسقة مجموعة لا للمحاكمات العسكرية عن «كابوس ما بعد السجن»، تجربتها في التعامل مع من خرجوا من سجون العسكر الظالمة والمظلمة.

يحلو لنا التمثل بصورة المناضل العظيم، لا شيء يكسره، أقوى من كل السجون، «وسط العتمة نور»، لكن الواقع لا يقدم ذلك دائما. يحدث هذا أحيانا لأسباب شخصية أو اجتماعية تخص مدى التضامن الذي يتمتع به الفرد من محيطه، وأحياناً لا يحدث، يخرج السجين شخصاً آخر، إنساناً معقداً مشوهاً عنيفاً، إلى حد أن تقول أم أحدهم دامعة «ياريته ما كان خرج».

الألم ليس تجربة عظيمة إلا في الروايات.

يقول درويش:

من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ

توأمُ اليأس، أو شعرُهُ المرتجل

حين تبدو السماءُ رماديّةً

وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً

من شقوق جدارْ

لا أقول: السماء رماديّةٌ

بل أطيل التفرُّس في وردةٍ

وأَقول لها: يا له من نهارْ!

سنطيل التفرس في الورود التي تنبت من شقوق هذا الجدار، نبحث عن الأمل في رسوم أطفال القرصاية، وضحك أطفال الشوارع، وتحدي جيلنا للسلطة وإبداعاته المختلفة لذلك، ومناضلين خرجوا من السجون أبطالاً صامدين، لكن هذا لن يجعلنا نعتقد واهمين أن الواقع لا يوجد به سوى الورود.

لن ننسى أن السماء مازالت رمادية.

ما ذنب الحواجز الخرسانية؟

وائل جمال

الشروق

فى الفيلم الذى رشح لسبع جوائز أوسكار وفاز بجائزة الدب الذهبى لمهرجان برلين السينمائى عام ١٩٩٨ يدور صراع دموى وعبثى هائل للسيطرة على تبة على جزيرة منعزلة لا يقطنها أحد على أساس أنها ذات أهمية استراتيجية بالغة فى حرب كبرى بين طرفين لا نتعرف عليهما تماما. لا يكشف لنا مخرج فيلم «الخط الأحمر الرفيع»، تيرانس ماليك، حتى وجه العدو الذى يقاتله أبطاله الذين يموتون واحدا تلو الآخر من أجل انجاز تلك المهمة، بينما يظهر هؤلاء المحاربون الأشداء كبشر، يخافون ويحلمون ويحبون ويكرهون. يدين ماليك فى «الخط الأحمر الرفيع» بعبثية المهمة عبثية الحرب الاستعمارية المصنوعة لخدمة المصالح صانعة الحروب.

فى مصر شاهدنا معارك شوارع خلال الأيام الماضية تبدو عبثية من حيث ما يهدف له الطرفان المتقاتلان أيضا. المتظاهرون يضحون بحياتهم راضين من أجل السيطرة على شارع قصر العينى، أو مبنى محافظة السويس، أو دخول مقرات حزب الحرية والعدالة وتواجههم الشرطة بمنتهى العزم والشراسة، بحيث لا مانع من موت العشرات من أجل حماية مبنى أو الإبقاء على أحد الشوارع مغلقا كما خططت الداخلية. وفى أحد البرامج التليفزيونية قبل يومين، استنكر المتحدث الإعلامى لجماعة الإخوان المسلمين أحمد عارف أن تكون لهؤلاء الذين يخوضون تلك المعارك أية علاقة بالثورة متسائلا: لماذا يهاجمون المبانى ويرمون الحجارة، لماذا يهاجمون الحواجز الخرسانية؟ الحقيقة أن تلك المعارك التى تقتل فيها الداخلية المصرية عشرات المواطنين وتجرح المئات ليست بعيدة عن تطور الثورة المصرية والنقطة التى تقف عندها حاليا، وهى بمنطق هذا لا تتسم بتلك العبثية التى تشتبه علينا إن قارناها بفيلم تيرانس ماليك النادر.

مرايا الثورة

يتذكر البعض الثورة كما شاركوا فيها: بكنس وتنظيف ميدان التحرير أو الشارع الذى يسكنون فيه يوم ١٢ فبراير. ويتذكرها البعض الآخر من زيارات قام بها للتحرير فى أيام المليونيات المحتشدة. ويتذكرها آخرون وهم يستدعون رفاقا سقطوا فى دمائهم بجانبهم على كوبرى قصر النيل وهم يحاولون المرور بأى شكل لميدان التحرير، أو كما يتذكرها من شاركوا فى حرق مقار أمن الدولة فى قرى ومراكز بعضها كان هذا أول وآخر تعبير عن الثورة عندهم. تختلف الصور كثيرا باختلاف التجربة والموقع مما حدث بعد يناير ٢٠١١. تحب الطبقات الاجتماعية المختلفة أن تعيد تركيب التاريخ على صورتها ومصالحها وطريقة تفكيرها، وهكذا تتحول ثورة يناير إلى ثورة سلمية لـ«الشباب الطاهر البرىء» لدى البعض على غير الحقيقة، والثورة التى سقط فيها ألف شهيد وآلاف الجرحى واحترقت فيها مقرات المحافظات وأمن الدولة وأقسام الشرطة والحزب الوطنى عملا سلميا خالصا «لا يشبه على الإطلاق ما نراه الآن».

لم يكن الإصرار على دخول التحرير هدفا عبثيا، ولم تكن الدماء التى سقطت من أجله تعبيرا عن مصالح خارجية أو اغتراب كمقاتلى «الخيط الأحمر الرفيع» بل كانت جزء من مواجهة كبرى أدركها من خاضوها ضد السيطرة الاجتماعية لحكام النظام وقوات ردعه بالأفكار والسلاح. يثبت هذا أن تلك المواجهات لم تكن اختراع الثورة أصلا. فعلى مدى السنوات التى سبقتها شهدت شوارع مصر صورا مماثلة لهذا الغضب وهذه المواجهات بقطع الطرق ومواجهة الأمن المركزى وغيرها وإن على نطاق أضيق بطبيعة الحال. ولنتذكر معا أحداث كنيسة العمرانية والمواجهات التى شارك فيها مسلمو ومسيحيو المنطقة معا بنفس الطريقة ضد قوات الشرطة. الأكثر من هذا: هذا النوع من مواجهات الشوارع ليس ظاهرة مصرية والأسباب متشابهة: الطريقة التى تدير بها الطبقات الحاكمة وقوات قمعها أدوات السيطرة الاجتماعية فى الخارج وعندنا.

الحواجز الخرسانية والقمع الاجتماعى

يوسع هذا الكتاب الصادر فى ٢٠١١ عن دار نشر جامعة نيويورك، تحت عنوان: «إغلاق الشوارع: العنف السياسى والسيطرة الاجتماعية فى عصر العولمة» مفهوم السيطرة الاجتماعية لما هو أكثر من عمل الشرطة المباشر لتحجيم التظاهر والاحتجاج. يطور الكتاب الثلاثة: آمورى ستار ولويس فرنانديز وكريستيان شول، بناء على تجربة مباشرة فى ١٧ احتجاجا لمناهضة العولمة فى ١٧ قمة دولية، مفهوما شاملا للسيطرة الاجتماعية يلعب الحيز فيه والمكان دورا محوريا. القمع فى هذا المفهوم يمتد ليشمل مجموعة واسعة من الأدوات التى تبدو ناعمة: كاختراق الحركات الاجتماعية، الحرب النفسية، المراقبة والمتابعة، السيطرة على الحيز المكانى.

«تكتيكات الشرطة تعمل لكى تعرف الاحتجاج على أنه إجرامى، ومن ثم غير شرعى. هذا التصوير يختصر المصالح المزعومة للنخب وغير النخب فى الوقت نفسه الذى يصغر فيه من شأن السياسة التى يطرحها المحتجون ويتجاهلها. هو أيضا يبث رسالة للمحتجين والذى يفكرون فى الاحتجاج أن ما يفعلونه ــ على عكس ما قد يكونوا اعتقدوه عندما بدأوا ــ ليس مهما لمنفعة المجتمع بل على العكس غير مفهوم وشاذ وغير آمن. وقد يستجيبون بأن يجعلوا احتجاجهم عاقلا ومبهجا ومرتبطا. وقد يستجيبون باعتناق ثقافة فرعية تستهجن الأفكار السائدة». يسمى الكاتبان هذا تهميش الحركات الاجتماعية ويربطان بينه وبين ظهور تنظيمات الاحتجاج كـ«الكتلة السوداء» أو البلاك بلوك التى ظهرت فى مصر مؤخرا، كوسيلة لمواجهة العنف السياسى للدولة فى عمومه.

وينطبق مفهوم الكتاب عن عنف الدولة السياسى، الذى يفرز مقاومته، بعناصره الثلاثة على مصر: الأول هو الاقتصاد السياسى: التكلفة الباهظة لـ«التأمين» للمبانى والقمم. ويستعرض الكتاب الملايين التى دفعتها أوروبا وأمريكا لتأمين قمم مجموعة الثمانى ومنظمة التجارة العالمية وغيرها على مدى العقد الماضى. ويسأل السؤال: من يوفر هذه المعدات للشرطة وعلى حساب من وبأى تكلفة؟ بل وعلاقتها بالمجمع الصناعى العسكرى فى الولايات المتحدة. وفى مصر، وضعت موازنة العام الحالى موازنة أجور لديوان عام وزارة الداخلية فقط تبلغ ٢.٢ مليار جنيه، بينما يقفز العجز الممول من الموازنة لديوان عام الوزارة ومصلحة الأمن والشرطة إلى ١٧.٥ مليار جنيه. ويكشف الاعتماد الإضافى بـ٥٠ مليار جنيه الذى أقره الرئيس مرسى عن بند بمليار جنيه تحت اسم ضرورات وطنية حتمية غالبا أمنية. وبينما لا تقوم الشرطة بمهام حماية البيوت وتنظيم الشوارع كانت القطاع الذى انكشفت عليه علائم النعم فى زمن التقشف بزى جديد وأسلحة جديدة وغاز جديد (مستورد من حماة الديمقراطية فى واشنطن) بل وطائرات هليكوبتر. الداخلية أولوية فى عصر الرئيس المنتخب بنفس وجوهها ومهمتها السابقة، أولوية فى الاقتصاد السياسى لا تتمتع بها الصحة ولا التعليم.

أما العامل الثانى، وهو ما يبدو عبثيا لكنه ليس كذلك، فهو جغرافى ومكانى: السيطرة على شوارع معينة لتحجيم الاحتجاج وتقييده، إغلاق مناطق كاملة بأسوار وحواجز خرسانية، استخدام الأسلاك الشائكة.. الخ. ومعها التحكم فى حركة الأفراد (كما نرى مع أبناء سيناء مثلا). ويقود هذا العامل الذى كان موجودا دائما فى مصر لكنه تفاقم مؤخرا، إلى العامل الثالث وهو السيطرة الاجتماعية التى تستخدم أيضا الإجراءات الشرطية المعتادة: «اتهامات بالمؤامرة، اعتقالات جماعية وقائية، هجوم الشرطة حتى على التجمعات السلمية، التجريم المتزايد للاحتجاج بوضع خسائر المبانى فى نفس خانة الجرائم العنيفة حتى الارهاب، وعسكرة البوليس وحتى مشاركة الجيش نفسه فى مواجهة الاحتجاجات»، يقول الكتاب وكأنه يتكلم عن مصر.

هذه درجة هائلة من العنف السياسى الذى مازال يستخدمه حكامنا لتجريم وتشويه واستعادة السيطرة الاجتماعية على المجال العام فى مصر. ويجلب هذا العنف آثاره على الحركة الاحتجاجية كما أصبحنا نراها فى مصر (نفس الشىء حدث فى أوروبا) بخلق واحد من أثرين بحسب الكتاب: محتجون ينأون بنفسهم عن المواجهة ويبتعدون حتى عن بعض الوسائل السلمية فى الاحتجاج حماية لصورتهم، وتنظيمات مغلقة تحارب معركتها بانفصال عن رافد الحركة الاجتماعية الواسع.

تستطيع أن تختلف مع التحول الذى شهدته الشوارع فى الأيام الأخيرة كما تشاء من زاوية هل هى أنسب صياغة تنظيمية وسياسية لاستكمال الثورة التى مازال النظام يشن حربه لإعاقتها ودحرها وإصابتها بالعقر، لكن المواجهة على الحواجز الخرسانية ليست عبثية كحروب من يصنعون القنابل المسيلة للدموع ويصدرونها لمصر والتى يدينها فيلم ماليك. والدماء التى تسيل، فتدمى قلوبنا، تسيل فى ساحة التحرر من سيطرة القمع الاجتماعى ومن عنف الشرطة ومن يقفون وراءها. نعم هو ذنب الحواجز الخرسانية ومن يحتمون بها من الشعب.

لماذا يقطع الفلاحون خطوط السكك الحديدية؟

ريم سعد

الشروق

المسألة تقريبا بديهية ولا تحتاج لسؤال فالفلاحون وسكان الريف بصفة عامة لديهم مظالم عديدة تتجاهلها بانتظام السلطة المركزية التى فى يدها الأمور. وإن كان العمال يمتلكون سلاح الإضراب الذى يستخدمونه لتوصيل أصواتهم والتعبير عن شكاواهم من أجل نيل حقوقهم فإن هذا السلاح غير متاح للفلاحين الذين لن يضار غيرهم إن امتنعوا عن العمل. ربما تزايدت وتيرة هذه الأحداث فى الآونة الأخيرة أو ربما زادت قيمتها كمادة إخبارية تستحق النشر فأصبحنا أكثر إحساسا بوجودها، لكن الحقيقة أن قطع طرق السكك الحديدية هى وسيلة تقليدية استخدمها الفلاحون على مدى القرن الماضى بهدف إيصال رسالة إلى السلطة المركزية وإجبارها على الاستماع إليهم. الارتباط الأشهر بين الفلاحين وبين قطع الطرق كان لدورهم الوطنى فى ثورة 1919 بهدف منع جنود الاحتلال من الحركة ولكنها كانت فى الأغلب الوسيلة التى يعبرون بها عن مظالم تخصهم وتخص قراهم.

●●●

ولا يمكننا فى الحقيقة فهم مغزى قطع طرق السكك الحديدية دون النظر إلى الوسيلة التقليدية الأخرى الأكثر استخداما وانتشارا التى يلجأ إليها الفلاحون لرفع مظالمهم وهى إرسال الشكاوى والعرائض عبر التليغراف، وقد أفرد الدكتور سيد العشماوى فى كتابه المهم «الفلاحون والسلطة على ضوء الحركات الفلاحية المصرية (1919-1999)» والذى يرصد فيه بشكل دقيق ورائع كافة أشكال المقاومة الفلاحية على مدى القرن العشرين، جزءا كبيرا حول تلك الوسيلة التى احتلت أيضا مكانها المميز فى الأعمال الأدبية والفنية التى تناولت حياة الفلاحين وقضاياهم.

●●●

لا يستيقظ أهل القرية فجأة من نومهم ويقررون قطع الطريق بل يلجأوون إلى ذلك بعد استنفاذ السبل الأخرى، إذا أردت أن تعرف لماذا يقطعون الخطوط الحديدية فانظر إلى أعلى حيث خطوط التليغراف المحمّلة برسائل لم تصل فلم يبق غير الخط الحديدى على الأرض يحملونه الرسالة. قطع الطرق لا يصنف ضمن وسائل الاحتجاج العنيفة فهى  مجرد طريقة أعلى صوتا لتوصيل رسالة سبق إرسالها همسا لسلطة ثقيلة السمع ــ شكاوى الفقراء كثيرة وقد تبدو مملة ومكررة وغير ملفتة وتعطيل مصالح الناس شىء مزعج بالتأكيد، ولكن تذكر فى المرة القادمة وانت منتظر فى قطار قطع طريقه أهل قرية ما أنك بالـتأكيد قد مريت ببصرك ذات مرة على شكوى صغيرة فى صحيفة ما صيغتها ثابتة وغير ملفتة أن أهل قرية ما يناشدون مسئول ما التحرك لإنقاذ قريتهم من العطش، حيث إن مياه الشرب مقطوعة عنهم منذ بضعة شهور أو أن زرعهم قد جف وضاع شقاهم لعدم وصول مياه الرى إليهم، ربما لم تلفت نظرك الشكوى لإنها صارت اعتيادية ولا تعتبر خبرا يذكر وربما لفتت نظرك وشعرت بالتعاطف مع هؤلاء ولكن لم تجد أن بيدك شيئا تفعله ــ تستطيع على الأقل ألا تلعنهم وأنت منتظر فى القطار المعطل بل وجه لعناتك إلى من لم يستمع حين وصلته الرسالة بطريقة أكثر هدوءا كنا نفضلها جميعا وعلى رأسهم أصحاب القضية.

عاديون وسياسيون

وائل جمال

ما ان يختلف السياسيون حتى يظهر اسمه على كل لسان: المواطن البسيط، رجل الشارع، الناس، المواطن العادى، أبناءمصرالحقيقيون…الخ. «لقد قال كلمته فى الصندوق، واختار وانتهى الأمر»، يقول البعض. «غير راضٍ عن السياسيين والسياسة وغير مهتم بهما ويرغب فى أكل العيش»، يقول آخرون. «سيخوض المعركة لإسقاط النظام بعد أن سئم من الاخوان المسلمين»، ستسمع هذا من بعض أصوات المعارضة مقابل «الناس تريد الاستقرار» من كل من يمسك بدفة البلاد.

ومنذ مظاهرات الجمعة قبل الماضية، تم استدعاء المواطن العادى مرة أخرى للخطاب السياسى لـ«يدين العنف وقطع الطرق»، ومرة إضافية ليُنقل عنه «ضيقه بالسياسة والسياسيين الذين سيدمرون مصر»، أو، وياللغرابة، لتتم إدانته على طريقة المشير طنطاوى وقت مذبحة بورسعيد: «هم ساكتين على اللى بيحصل دا ازاى؟»، أو على طريقة «البورسعيدية أصلا بلطجية».

ويتناقض هذا كله بكل تنوعه مع واقع أساسي: العاديون هم الذين صنعوا ثورتنا وهم الذين يحكمون تطور الأمور على الأرض، فى الصندوق وغير الصندوق، وأن هذا غير مريح لأغلبية من يحكمون ويديرون قمة عالم الأحزاب والسياسة. واقع يفرض نفسه عندما يصطدم المتحاورون فى الأزمة الأخيرة، أو الموقعون «المتوافقون» على وثيقة الأزهر لنبذ العنف»، بأن اتفاقهم الهش الصعب، لا أثر له على الأرض، إذ أن الشارع لا يذعن إلا لنفسه.

سياسة «ابق عندك واترك لى الأمر»

يقف المسئول القيادى فى الاتحاد الاشتراكى فى الشباك ينظر بذهول وصدمة إلى موجات البشر التى تهتف فى الشارع «هنحارب». يسأل فؤاد فتح الباب (يلعب دوره الفنان الراحل نظيم شعراوى) بحرقة من يكلمه على عجل بالتليفون: «مين اللى مسَّرَّح الناس اللى فى الشارع؟… همَّا مش بتوعنا؟.. لأة؟.. أمال مين دول؟» ويخبره من على الناحية الأخرى فيرد للتأكد: «مين؟».

هذا المشهد من نهاية فيلم العصفور للمخرج يوسف شاهين يقول الكثير عن الجماهير عندما تقتحم المسرح أخيرا فتفرض إيقاعها وتترك سياسيى الإصلاح والصفقات فى مفاجأة وحيرة وغضب. وما أشبه وضع فؤاد فتح الباب بغالبية سياسيى ما بعد الثورة فى احتقارهم الدفين للجماهير وتصنيفهم فى خانة التابعين، الذين يُستدعون عند الحاجة، ويُصرفون عند اتخاذ القرار. وكم من مرة سمعنا فى الأيام الأخيرة: «اللى هناك دول تبع مين؟» دون إجابة؟ ويستوى فى هذا معظم من ينضوون تحت راية جبهة الإنقاذ مع حزب الحرية والعدالة والرئيس المنتخب: إذ يحصل للجميع نفس الرعب من تولى المتظاهرين دفة الأمور ويتحدث الكل عن المأسسة وأصول الديمقراطية. وهنا لا مكان فى الحقيقة للاتهامات التى توجه لجبهة الانقاذ بالتحريض على العنف. فلا قدرة لها على توجيه المحتجين، الذين انسد أمامهم الطريق للثورة عبر هذه الهياكل فى الحكم أو خارجه بتخاذلها ورضوخها لقواعد اللعبة القديمة أو فى أحسن الأحوال: إصلاحيتها المترددة فى زمن ثورة. ولا ينبغى هنا السقوط فى فخ إدانة العمل والتنظيم السياسيين فى المطلق إذ يصب هذا لخدمة من يتسللون للدفاع عن وأد السياسة فى عهد مبارك ويهدفون للإبقاء على السياسة حكرا على فصيلتهم. عزلة معظم السياسيين عن مطالب الشارع وعن تنظيمات الشارع حقيقية لكن تعميم هذا وتثبيته مقصود به الترويج للعادى المبتذل وعزل العاديين عن السياسة.

إن أى تقدم فى الحياة السياسية، أو أمل فى المستقبل، جاء ويجيء من اقتحام العاديين لساحة السياسة، كما حدث فى الثورة، وكما حدث على مدى سنتين بعد الثورة، وكما يحدث الآن. ويقول لنا استطلاع للرأى أجرته مؤسسة «بيو» مع ألف مصرى قبل أقل من عام إن٨١٪ من المصريين يرغبون فى قضاء عادل ونفس النسبة ترغب فى تحسين أوضاعهم الاقتصادية (وهو تعريفهم للعدالة الاجتماعية)، وهى أعلى نسب التوافق على مطلب. بينما ٦٢٪ أبدوا اهتمامهم بإعلام بلا رقابة، و٦٠٪ بإعمال القانون، و٦٠٪ بحرية الرأى، و٥٨٪ بانتخابات حرة. المصريون صاروا يناقشون السياسة على القهوة وفى المخبز وفى الميكروباص. لم يعد الدستور شأنا حصريا لموظفى المنظمات الدولية وخبراء الدستورية ومحترفى الأحزاب. لقد دخل مئات الآلاف عالم السياسة بمعناها المباشر بينما يدخلها ملايين بمعانٍ غير مباشرة وبطرقهم الخاصة، التى تصدم سياسيى المؤسسة، الذين يسارعون لإدانة المواطن العادى نفسه عندما يتحرك هو على قضاياه.

العاديون أساسا يقطعون الطرق

يرصد المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تصاعدا هائلا فى حركة الاحتجاج العمالى والشعبى فى عام ٢٠١٢ ليصل إلى أكثر من ٣٨١٧ احتجاجا «تجمع جميع أطياف الشعب المصرى». هذا المعدل هو خمس أضعاف المتوسط السنوى منذ عام ٢٠٠٠. ومن الملفت أن ٢٧٠٠ من هذه الاحتجاجات حدثت فى النصف الثانى من العام بعد انتخاب الرئيس مرسى، وبعد فترة هدنة احتجاجية لأسابيع أُعطيت له جربوا من خلاله ديوان المظالم وعديدا من الطرق الأخرى قبل أن يعودوا للشارع.

ويرصد المركز أشكال التعسف التى تم التعامل بها مع هؤلاء المحتجين ليس فقط من قبل رجال الأعمال فى المصانع، ولكن أيضا من قبل الدولة وأجهزتها القمعية «الشرطة العسكرية والمدنية» مع الأهالى وغيرهم من المواطنين والمهنيين، «والتى تتعدد ما بين الفصل من العمل، الوقف عن العمل، النقل إلى خارج مقر العمل أو داخله، الاعتقال، الضرب والسحل، الخصم من الأجر، التحويل للتحقيق سواء للنيابة الإدارية أو النيابة العامة، التهديد والترهيب،، بالإضافة إلى الاعتداء من قبل بلطجية يحرضهم أصحاب الأعمال وغلق الشركات بالتهديد والتنفيذ».

فى مواجهة هذا، نظم العمال والموظفون والفلاحون والصيادون أنفسهم فى أكثر من ألف نقابة مستقلة منذ يناير ٢٠١١، تسعى الآن حكومة الرئيس المنتخب لنزع شرعيتها وإعطاء قبلة الحياة لاتحاد مبارك، الذى تتصور أنه قابل للاستخدام مرة أخرى للسيطرة على العمل النقابى وضربه.

ومع انسداد مسالك السياسة المؤسسية يستخدم المحتجون كافة الطرق بما فيها قطع الطرق، الذى يقولون لنا الآن إن المواطن العادى يدينه. ففى ٢٠١٢ رصد المركز ٥٦١ واقعة قطع طريق قام بها المواطنون «العاديون» (مرتان فى اليوم تقريبا)، و٦٤ حالة لاقتحام مكاتب المسئولين (مرة كل ٥ أيام)، و٣٠ حالة لاحتجاز المسئول فى مكتبه (مرة كل ١٠ أيام).  وتعطينا الأمثلة استنتاجات واضحة. فى ٥ يونيو ٢٠١٢، قام صيادون بالإسماعيلية بقطع طريق البلاجات وأحرقوا إطارات مطاطية ثم توجهوا لقيادة الجيش الثانى ورشقوها بالحجارة قبل أن تقوم القوات بتفريقهم. الاحتجاج كان بسبب وقف الصيد بالبحيرة وقناة السويس لدواعٍ أمنية. وهذا نموذج آخر من البحيرة فى يوليو كما يصفه خبر من بوابة الأهرام: قام المئات من أهالى قرى منية بنى موسى وكفر محلة داود وعزبة مسعود وكفر سعد واشرف البارودى والخزان التابعة لمركزى دمنهور والرحمانية بقطع خط السكة الحديد «دمنهور ــ دسوق» والطريق الرابط بين كفر الشيخ والبحيرة والاسكندرية والطريق الزراعى، وافترشوا ارض الطريق والسكة الحديد واشعلوا النيران فى اطارات السيارات ووضعوا جذوع الاشجار والطوب فى حرم الطريق لمنع مرور السيارات مما تسبب فى تكدس مرورى فى الاتجاهين. جاء ذلك احتجاجا على قلة مياه الرى وعدم وصولها إلى الاراضى الزراعية منذ 18 يوما مما أدى إلى تلف محاصيلهم خاصة الارز والذرة وانقطاع مياه الشرب بصفة دائمة وعدم وصولها لأكثر من 20 يوما ورغم سداد الفواتير بانتظام.

إن الشارع يتحول إلى الساحة الوحيدة الممكنة للتأثير أمام المواطن العادى، عندما تخون يد الحكم تعهداتها الانتخابية وتستخدم ماكينته الأمنية لفرض العودة لخطوط الماضى.

حزب الفتى بالأخضر

لا يزيد عمره عن ١١ سنة. تراه فى الفيديو سابحا فى مياه النيل قادما من تحت كوبرى قصر النيل. يخرج بجسمه النحيل من المياه، مرتديا فقط شورتا قصيرا لونه أخضر، ليباغت قوات المركزى المدججة ومدرعاتها بحجر يلتقطه من تحت السور أمام فندق سميراميس. يبادر عدد من الجنود والضباط المشتبكين فى مواجهة نراها مستمرة للتحرك نحوه، فيهرب بسرعة قافزا فى النيل ليسبح مرة أخرى فى الاتجاه العكسى. حزب الفتى بالأخضر حزب يضم الملايين من «العاديين الاستثنائيين» الذين يواجهون «سياسيين عاديين» فى زمن ثورة يفرض الواقع استكمالها.

إصلاح الشرطة وليس فرض الطوارئ هو الحل

خالد فهمي

الشروق

فى يوم 28 يناير 2011، يوم جمعة الغضب، مشيت مع أصدقائى فى مسيرة طويلة من جامع مصطفى محمود فى المهندسين قاصدين ميدان التحرير. ولمدة حوالى الساعة رددنا الهتافات التى أصبحت فيما بعد شعارات الثورة: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» و«سلمية، سلمية». وعندما وصلنا لميدان الجلاء واجهتنا جحافل الأمن المركزى بمدرعاتها وخوذاتها وهراواتها والمئات من قنابل الغاز. وأذكر جيدا كيف أننا لم نخف ولم نتراجع بل صمدنا أمام قوة الشرطة الطاغية، وكيف صممنا على ترديد هتافاتنا فى أثناء اللحظات القليلة التى تمكنا فيها من التقاط أنفاسنا. وحدث أننى وجدت نفسى على بعد متر واحد لا أكثر من أحد مجندى الأمن المركزى وكان ممسكا ببندقية غاز ومستعدا لإطلاق مقذوفته فى وجوهنا، إلا أنه كان مذعورا من أعدادنا، وأخذ يصيح فينا: «ما تقرّبوش»، ونحن نرد عليه: «طب ما تضربش». ثم أخذ يهز رأسه ويقول بلهجة صعيدية واضحة «ده غلط. فى حاجة غلط.» ثم خفض بندقيته وانهار فى البكاء. وبالرغم من أن الضابط الذى كان يراقب هذه المشهد عن قرب أصدر أوامره بإبعاد المجند لعربات الشرطة المتراصة خلف فندق الشيراتون واستبداله بآخر، إلا أننى أدركت أننى أمام لحظة تاريخية فارقة، وأن الشرطة قد انهارت بالفعل وأنها لن تتمكن من أن تحول بيننا وبين مقصدنا: التحرير.

•••

ومنذ ذلك اليوم وعلى مدى العامين الماضيين والأصوات تتعالى بضرورة إصلاح الشرطة وإعادة هيكلة قطاع الأمن برمته. فأحداث جمعة الغضب أوضحت أن قطاع الأمن المركزى، ذلك القطاع الذى أُنشئ عام 1968 فى محاولة لمواجهة اضطرابات المدن والذى تقوم فلسفته على استخدام أعداد غفيرة من المجندين المنحدرين من أصول ريفية لقمع المظاهرات الحضرية، ذلك القطاع لا جدوى منه أمام مظاهرات كتلك التى شهدتها جمعة الغضب. كما أثبتت المظاهرات العديدة التى اندلعت فى البلاد منذ ذلك اليوم وحتى الآن أن قطاعات عريضة من الشعب المصرى قد ضاقت ذرعا ليس فقط بسياسات الأمن المركزى بل بسياسات الشرطة التى اعتادت عليها أثناء حكم مبارك والتى لم تتغير بعد الثورة، من سوء استخدام ضباط الشرطة لسلطاتهم، للطريقة المهينة التى يتعاملون بها مع المواطنين فى الشوارع وفى الأقسام، لتجنيدهم للآلاف من المسجلين خطر للعمل معهم كمرشدين، لشيوع ممارسات التعذيب فى الأقسام وأماكن الاحتجاز ليس فقط لأعداء النظام السابق (وغالبهم من الإسلاميين) بل أيضا للمتهمين والمشبوهين فى قضايا جنائية عادية، حتى وصل الأمر لحالات وفاة عديدة وقعت نتيجة لهذا التعذيب المنهجى والمستشرى فى أقسام الشرطة فى طول البلاد وعرضها.

وأثناء العامين السابقين كثرت المقالات والدراسات المطالبة بضرورة وضع حد لهذه التجاوزات، وتعددت الاقتراحات الداعية لإصلاح الشرطة، بدءا من تغيير الزى الموحد، وانتهاء باقتراح أن يكون وزير الداخلية مدنيا وليس شرطيا، مرورا بإعادة النظر فى طريقة تدريب الضباط، وتغيير مناهج كليات الشرطة، ونزع الصفة العسكرية عنها، واستحداث آليات جديدة للرقابة المجتمعية على هذا الجهاز الحساس وإخضاعه لرقابة البرلمان والنيابات. كما بُحت الأصوات المؤكدة على أهمية هذا الملف، وأنه بمثابة رمانة الميزان، وأن عدم إصلاحه سيعوق استعادة القضاء لهيبته والاقتصاد لعافيته. كما كثرت التحذيرات أنه إذا لم تُتخذ الإجراءات الحاسمة بسرعة إصلاح هذا الجهاز فإنه من غير المستبعد أن ينتهى الطابع السلمى للثورة وأن تنحى الثورة منحى عنيفا دمويا.

•••

ولكن بالرغم من تعدد هذه الأصوات ومن تشخيص الداء واقتراح الدواء، فإن السلطات بدءا من حكم المجلس العسكرى وانتهاء بحكم الإخوان لم تعير هذا الملف الأهمية التى يستحقها، حتى وصل الأمر للانفجار الذى تشهده البلاد الآن. صحيح أن الأزمة العميقة التى نمر بها هذه الأيام لها أسباب كثيرة من انهيار الاقتصاد، لشلل الأداء الحكومى، لحالة الانقسام والاستقطاب الشديدة التى يعانى منها المجتمع، لأزمة الدستور الذى جاء ليزيد من الاستقطاب ويعمق من حالة عدم الاستقرار، لفشل المعارضة فى التعبير عن الاحتقان والغضب من حكومة قنديل ورئاسة مرسى. كل هذا صحيح ومهم، إلا أنى أظن أن فى القلب من هذه الأزمة، بل فى القلب من هذه الثورة، يكمن الملف الأمنى وفساد الشرطة. فتوالى أحكام البراءة التى نالها الضباط المتهمون بقتل المتظاهرين يحث المتظاهرين الشباب على إعادة النظر فى سلمية المظاهرات. وأحداث استاد بورسعيد فى فبراير 2012 سلطت الأضواء على الدور المريب الذى لعبه ضباط وقيادات الشرطة فى هذه الأحداث الدامية. وعدم قدرة أفراد الأمن المركزى فى السويس على التحكم فى أعصابهم، حسب ما قاله وزير العدل، أحمد مكى، فى مداخلته التاريخية مع علاء عبدالفتاح على إحدى القنوات التليفزيونية، أكد مرة أخرى سوء تدريب هؤلاء الجنود وعدم مهنية الجهاز برمته. ثم جاءات أحكام الإعدام التى صدرت فى هذه القضية بحق المتهمين المدنيين دون الضباط المتورطين فى نفس القضية لتوحى للكثيرين أن هناك خللا فى منظومة العدالة.

وعوضا عن إدراك خطورة إهمال هذا الملف وترك الشرطة دون إصلاح اتخذ الرئيس مرسى من الإجراءات ما يعمق الأزمة ويزيد الطين بلة، فلا هو أمر بإجراء تحقيق مستقل عن أحداث بورسعيد الدامية التى أعقبت النطق بالحكم ولا هو استدعى قيادات الشرطة لمساءلتها على الإفراط فى استخدام العنف وطبعا لا هو أقال وزير الداخلية، بل وفى تحد واضح للمنطق قرر مداواة المرض بأسباب الداء، فأعلن الطوارئ، وفرض حظر التجول فى مدن القناة، وأعطى الضبطية القضائية للشرطة العسكرية، وبذلك انتهج نفس أساليب مبارك الفاشلة التى اندلعت الثورة أصلا للتخلص منها. أما جماعته، فبدلا من أن يذكروه بخطورة الطوارئ وبأنهم كانوا أول ضحاياها وبأن الحلول الأمنية لا تجدى، تسارعوا لمباركة خطواته ولمطالبته باتخاذ المزيد من الإجراءات القمعية.

•••

إن الأزمة العميقة التى نمر بها البلاد الآن أزمة سببها الأول فساد القطاع الأمنى ويعمقها غياب الإرادة السياسية للقضاء على هذا الفساد. فكان يجب على الرئيس مرسى، الذى يمر على خروجه من سجون مبارك عامان، أن يدرك أن الأزمة الحالية لن تحل بانتهاج أساليب أمنية بل بإخضاع الجهات الأمنية للرقابة والمحاسبة. وكان يجب على جماعة الإخوان المسلمين أن تتذكر معاناتها من الطوارئ والسجون والتعذيب وأن تتمسك بضرورة إصلاح الداخلية. ويجب على المعارضة أن تعترف بفشلها التام فى التعامل مع هذه الأزمة وأن تفسح المجال لغيرها للتعبير عن معارضة حقيقية وفعالة للرئيس ولجماعته ولحكومته. وأخيرا، يجب على شباب هذه الثورة الذين فجروها والذين قادوها أن يدركوا أنهم وحدهم من بيدهم تشخيص صائب للأزمة ورؤية واضحة لسبل علاجها وعزيمة صلبة لمواجهتها.

تنوع التكتيك أم وحدة الفعل؟

جريدة العامل الاشتراكي الإلكترونية الأمريكية –  بول داماتو – 2012 – ترجمة عايدة سيف الدولة

مركز الدراسات الاشتراكية

يتناول بول داماتو فى المقال جدالا هاما يدور بين الناشطين الماركسيين و الأناركيين في نضالات اليوم.

———————————————————————————————-

أحد المفاهيم التي يتناولها النشطاء في حركة احتلال الميادين فى الغرب و العالم ككل هو مفهوم “تنوع التكتيك”.

ماذا يعني هذا المصطلح؟ في غياب معرفة تاريخية لظهور هذا المصطلح قد نعتقد أنه يشير الى أمر بديهي – أن لحركتنا ترسانة من التكتيكات التي يمكن تطبيقها بمرونة مع تغير الظروف بهدف تحقيق أهدافنا. لكن المصطلح لا يستخدم في هذا السياق.

لقد ظهرت فكرة “التنوع في التكتيك” في حركة العدالة العالمية بعد معركة سياتل عام 1999 ضد منظمة التجارة الدولية. وقد برزت الفكرة لتعبر الفجوة ما بين “الكتلة السوداء” (الملابس السوداء والأناركيين المقنعين الذين أرادوا تحطيم النوافذ والسيارات وفي بعض الأحيان الاشتباك في معارك شوارع مع الشرطة)، وهؤلاء الذين أرادوا أن يسلكوا سبيل اللاعنف مثل التجمهر في مداخل البنايات وأخيرا هؤلاء الذين أرادوا الاقتصار على الاحتجاجات والمسيرات السلمية. الفكرة وراء المصطلح هي أنه على الجميع أن “يحترم” تكتيك الآخر وأن يحتفظوا بنشاطهم منفصلا عن “الأجنحة” الأخرى في الحركة. بل أن بعض المظاهرات المناهضة للعولمة عقدت اتفاقات بتحديد مناطق متعددة للاحتجاج تسمح لك طرف باستخدام تكتيكات متنوعة دون تهديد الأنشطة الأخرى. هكذا كانت النظرية.

في هذا الصدد صدر منشور عن الكتلة المناهضة للرأسمالية، وهي مجموعة من الأناركيين والاشتراكيين التحرريين المنظمين لاحتجاج ضد اجتماع البنك والصندوق الدوليين في واشنطن يوم 6 أبريل 2000، جاء فيه:

إننا نعتقد أن أن أكثر الاحتجاجات تأثيرا هي تلك التي تشارك فيها كل مجموعة بشكل مستقل وتستخدم تكتيكات يشعرون بأنها الفضل لوضعهم. نحن لا ندعو إلى تكتيك معين دون الآخر، وإنما نؤمن بأن أعلى تنوع في التكتيك هو الشكل الأفضل في استخدام التكتيك. نحن نرفض الحجج الأيديولوجية التي تعارض ذلك. لذلك فإننا لا نؤمن أنه من المبدئي تنظيميا أن تنفرد أي مجموعة بوضع الإرشادات للاحتجاجات الأخرى أو أن تدعي ملكية الحركة.

“تنوع التكتيك” هو إذا طريقة لتجنب مناقشة التكتيك، فالجميع “مستقل” ومن ثم يستطيع أن يختار التكتيك الخاص به. وبالتالي فإن أي محاولة لمحاسبة المجموعات المختلفة على أدائها في إطار الحركة ككل يعتبر “انتهاكا” للاستقلال.

كذلك يحول مبدأ “التنوع في التكتيك” دون مناقشة الأهداف الاستراتيجية الأوسع التي قد تكون مرتبطة بتلك التكتيكات. أحد النشطاء المخضرمين في حركات العدالة العالمية، ستارهوك، لخص الحالة أخيرا كالتالي، “لا أشعر بارتياح في قبول إطار التنوع في التكتيك، ذلك أننا بقبول التنوع في التكتيك نكون فعليا توقفنا عن مناقشة كل من التكتيك والاستراتيجية.”

التكتيك دون استراتيجية، بل والأسوأ من ذلك، رفع التكتيك الى مصاف المبدأ يؤدي الى تقديسه.

التكتيك لا معنى له دون ارتباط بالاستراتيجية. في هذا المجال قال كارل فون كلاوسفيتس، أحد منظري الحرب المشهورين، “التكتيك هو نظرية استخدام القوة العسكرية في المعارك. أما الاستراتيجية فهي استخدام المعارك لتحقيق الهدف من الحرب”. إذا ترجمنا ذلك في المجال غير العسكري فإن التكتيك يصف الأساليب المستخدمة لإنجاح فعل بعينه، والاستراتيجية تصف استخدام تلك الأفعال لتحقيق هدف بعينه.

النقاشات التي تتناول التكتيك بين عناصر الحركة لا تتعرض للأسف لكيفية تكامل التكتيكات المختلفة بهدف بناء الحركة وتحقيق الأهداف (بعض النشطاء يعتقدون أن الحركة لا يجوز أن يكون لديها أهداف من الأساس)، بل أن هذه النقاشات تميل الى التحول الى جدال أخلاقي بشأن مزايا النضال السلمي في مواجهة استخدام العنف.

هذه الطريقة الحلقية في مناقشة التكتيك تعكس في واقع الأمر ان السلميين والكتل السوداء ما هم الا وجهين لعملة واحدة.

فالسلميون من حيث المبدأ ضد أي تكتيك يتضمن العنف ويرفعون تكتيك اللاعنف الى مصاف المبدأ. ذلك ان الموقف السلمي المنسجم يرى ان الحركة أو الثورة لا يحق لها استخدام الأساليب العنيفة في حماية نفسها في مواجهة العنف الذي تمارسه الدولة بهدف تدميرها. صاحب هذا الرأي سوف يدين الثوار المصريين المدافعين عن ميدان التحرير بالعصي والحجارة ضد بلطجية مبارك المسلحين في معركة الجمل في فبراير 2011 على سبيل المثال، ذلك ان أي استخدام للعنف هو أمر مرفوض أخلاقيا من وجهة نظرهم.

الأناركيون في الكتلة السوداء، من ناحية أخرى، يرفعون أيضا التكتيك الى مصاف المبدأ. إنهم يفتقدون الى الفهم الاستراتيجي لدور التكتيك، وذلك بالتحديد لأنهم يعتقدون أن التكتيك – حرب الشوارع (أو تكسير النوافذ، الذي قد لا يعتبر عنفا في حد ذاته بالمعنى الدقيق للكلمة)- هو في حد ذاته الهدف. إنهم يميزون أنفسهم باستخدام عددا محددا من التكتيكات (وطريقة في الملبس) ولا يرون في التكتيك جزءا من الرؤية الاستراتيجية لأن التكتيك هو نفسه الهدف.

الكتلة السوداء لا تشترك في شيء مع معارك الشوارع في ميدان التحرير أو في الاسكندرية في الأسابيع السابقة على سقوط مبارك. لقد كان الثوار المصريون يشاركون في تكتيك ضروري للدفاع عن الثورة ضد الثورة المضادة، وقد نجح هذا التكتيك في حشد الملايين في الشوارع.

أما الأناركيون المشتبكون في حرب الشوارع فيرون في كل مظاهرة “فرصة لمعركة شوارع. وهم من حيث المبدأ لا يرون سببا للربط ما بين تكتيكهم والشروط التي تنبع عضويا من الصراع الطبقي ذاته.

الكتلة السوداء تتصف بالعصبوية والنخبوية وتفصل نفسها عن الحركة بنمط ملبسها وأقنعتها وموقفها تجاه المحتجين الآخرين، الذين عادة ما يلفظهم اعضاء الكتلة السوداء على أساس أنهم كتلة غير مميزة من “الليبراليين”.

الأناركيون في الكتلة السوداء لا يهتمون بالمشاركة في الحركات ولا يعملون على بناءها بالتضامن مع الآخرين،وإنما يعتبرون الحركة فرصة لتطبيق “تكتيكاتهم”. فنجد على سبيل المثال مقالا منشورا على موقع احتلال بورتلاند بعنوان “احتلوا الكتلة السوداء” بقلم أرلو ستون، حيث يصف حركات احتلال الميادين بأنها “فرص تحمل إمكانيات تكوين الكتل السوداء وتدمير الملكية”.

إذا استخدمنا لغة الأناركيين التقليدية يمكننا القول أن ما تشتبك معه الكتلة السوداء هو نوع من “الدعاية عن طريق الفعل”. ذلك ان تحطيم النوافذ للشركات الكبرى وتحدي رجال الشرطة يستهدف “فضح” العنف الأصيل الكامن في الدولة. وقد ورد في إحدى المقالات المدافعة عن الكتلة السوداء إبان معركة سياتل: إننا نستهدف تدمير هذه القشرة الضعيفة من الشرعية المحيطة بحقوق الملكية الخاصة”.

إنها دعاية شديدة الضعف بكل المقاييس، ذلك أنها تعزل الكتلةالسوداء عن الحركة الأوسع، وإذا بحثنا في كيفية استخدام الاعلام لصور التدمير التي تحدث في المظاهرات لتشويه صورة المتظاهرين لأدركنا أن هذاالنوع من الدعاية يصب في النهاية في مصلحة الجانب الآخر أكثر منه في مصلحتنا. لقد كتب أحد الأناركيين المتعاطفين مع الكتلة السوداء تعليقا على تحطيم النوافذ:

الضرر الاقتصادي قليل للغاية. في كثيرمن الأحيان نحطم النوافذ لأننا نريدأن نشعر “أن شيئا ما يحدث”. نحن لانريد أن نبقى واقفين مكاننا نهتف ونرفع اليفط في حين يحترق عالمنا ويصبح رمادا. لكن فيما يتعلق بتأثير ذلك على الرأسمالية يجب ان نعترف ان جل ما قمنا به هو خلق سوق لصناعة المزيد من النوافذ… أما اغلاق ميناء بورتلاند فيكلف على الأقل 8 مليون دولارا من البضاعة…

من الطريف أن نتصور أن الذين جلسوا على الأرض يدقون الطبول أمام الميناء تسببوا في ضرر أكبر للوحش الرأسمالي عن أي شخص عاد الى منزله بعد الانتهاء من تحطيم النوافذ.

– – – – – – – – – – – – – – – –

الماركسيون لا يرفعون تكتيكات بعينها إلى مستوى المبدأ، وإنما يعتبرون أن أي تكتيك، عند استخدامه بالشكل الصحيح، هو عبارة عن حلقة في سلسلة من الأفعال والأنشطة تقود النضال في اتجاه النجاح. بالنسبة لنا لا يجوز الفصل بين الاستخدام الصحيح للتكتيك وبين إدراكنا لكيفية انتصار الحركة، أو الثورة في نهاية الأمر.

لا يمكن أن ينجح النضال في تحقيق أهدافه بدون المشاركة الفعالة لأعداد كبيرة من البشر. لقد كتب كارل ماركس: إن تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون نتيجة نضال الطبقة العاملة وليس نتيجة نضال عدد محدود من القادة المختارين ذاتيا ليناضلوا باسم الطبقة أو نيابة عنها.. وبالقطع ليس نتيجة نضال مجموعات صغيرة من الشباب يرتدون الأقنعة ويلقون الحجارة على نوافذ الشركات الكبرى.

تعليقا على مظاهرات عام 2001 الحاشدة ضد اجتماع الثمانية الكبار في جنوه، ايطاليا، كتب أحمد شوقي:

إن حسم مسألة التكتيك، العنف واللا عنف، يجب أن ينبع من أهداف الحركة. في أحد المرات قال الثوري الروسي ليون تروتسكي: إذا كان جل ما يحتاجه الأمر هو أن يهتف أحدهم “هجوم” في كل معركة، بغض النظر عن توازن القوى أو السياق أو طبيعة العدو أو طبيعة الحلفاء، فإن أي معتوه يمكن أن يصبح قائدا ثوريا. القائمون على النظام أثبتوا أنهم سوف يواجهون حركتنا بالعنف. ولا يمكن أن نتحدث ببساطة عن أننا سوف نفعل ما نريد دون أن نتوقع أن يكون هناك ثمنا ندفعه.

الماركسيون لا يساوون بين عنف الطرف الذي يمارس القمع وبين عنف المقموع؛ فالأول ساحق ومنتشر ومنهجي. إن توقع ثورة اجتماعية سلمية تماما – خاصة في الولايات المتحدة التي وصفها مارتن لوثر كينج بأنها أكبر متعهد للعنف في العالم – هو بمثابة التحليق في عالم خيالي.

لكننا مع ذلك لا نقدس العنف أو معارك الشوارع. القضية الأهم بالنسبة لنا هو كيفية بناء حركة تجذب جماهير العمال والمقهورين.

لذلك لا يمكننا القبول بفكرة أن يفعل كل طرف ما يشاء في حركاتنا بإسم “اللامركزية” أو “تنوع التكتيك”. هذا الأمر صحيح دائما على مستوى ما. بالطبع لا يستطيع كائن من كان أن يمنع الحمقى من التصرف بحماقة. لكن أي صراع اجتماعي، سواء كان إضرابا أو احتلالا للميادين أو حملة مناهضة للإخلاء أو مظاهرة جماهيرية، لا يجوز أن يقبل “بتنوع التكتيك” باعتباره الإجابة على سؤال ما العمل.

Advertisements

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s