عاديون وسياسيون

وائل جمال

الشروق

2 فبراير 2013

ما ان يختلف السياسيون حتى يظهر اسمه على كل لسان: المواطن البسيط، رجل الشارع، الناس، المواطن العادى، أبناء مصر الحقيقيون…الخ. «لقد قال كلمته فى الصندوق، واختار وانتهى الأمر»، يقول البعض. «غير راضٍ عن السياسيين والسياسة وغير مهتم بهما ويرغب فى أكل العيش»، يقول آخرون. «سيخوض المعركة لإسقاط النظام بعد أن سئم من الاخوان المسلمين»، ستسمع هذا من بعض أصوات المعارضة مقابل «الناس تريد الاستقرار» من كل من يمسك بدفة البلاد.

ومنذ مظاهرات الجمعة قبل الماضية، تم استدعاء المواطن العادى مرة أخرى للخطاب السياسى لـ«يدين العنف وقطع الطرق»، ومرة إضافية ليُنقل عنه «ضيقه بالسياسة والسياسيين الذين سيدمرون مصر»، أو، وياللغرابة، لتتم إدانته على طريقة المشير طنطاوى وقت مذبحة بورسعيد: «هم ساكتين على اللى بيحصل دا ازاى؟»، أو على طريقة «البورسعيدية أصلا بلطجية».

ويتناقض هذا كله بكل تنوعه مع واقع أساسي: العاديون هم الذين صنعوا ثورتنا وهم الذين يحكمون تطور الأمور على الأرض، فى الصندوق وغير الصندوق، وأن هذا غير مريح لأغلبية من يحكمون ويديرون قمة عالم الأحزاب والسياسة. واقع يفرض نفسه عندما يصطدم المتحاورون فى الأزمة الأخيرة، أو الموقعون «المتوافقون» على وثيقة الأزهر لنبذ العنف»، بأن اتفاقهم الهش الصعب، لا أثر له على الأرض، إذ أن الشارع لا يذعن إلا لنفسه.

سياسة «ابق عندك واترك لى الأمر»

يقف المسئول القيادى فى الاتحاد الاشتراكى فى الشباك ينظر بذهول وصدمة إلى موجات البشر التى تهتف فى الشارع «هنحارب». يسأل فؤاد فتح الباب (يلعب دوره الفنان الراحل نظيم شعراوى) بحرقة من يكلمه على عجل بالتليفون: «مين اللى مسَّرَّح الناس اللى فى الشارع؟… همَّا مش بتوعنا؟.. لأة؟.. أمال مين دول؟» ويخبره من على الناحية الأخرى فيرد للتأكد: «مين؟».

هذا المشهد من نهاية فيلم العصفور للمخرج يوسف شاهين يقول الكثير عن الجماهير عندما تقتحم المسرح أخيرا فتفرض إيقاعها وتترك سياسيى الإصلاح والصفقات فى مفاجأة وحيرة وغضب. وما أشبه وضع فؤاد فتح الباب بغالبية سياسيى ما بعد الثورة فى احتقارهم الدفين للجماهير وتصنيفهم فى خانة التابعين، الذين يُستدعون عند الحاجة، ويُصرفون عند اتخاذ القرار. وكم من مرة سمعنا فى الأيام الأخيرة: «اللى هناك دول تبع مين؟» دون إجابة؟ ويستوى فى هذا معظم من ينضوون تحت راية جبهة الإنقاذ مع حزب الحرية والعدالة والرئيس المنتخب: إذ يحصل للجميع نفس الرعب من تولى المتظاهرين دفة الأمور ويتحدث الكل عن المأسسة وأصول الديمقراطية. وهنا لا مكان فى الحقيقة للاتهامات التى توجه لجبهة الانقاذ بالتحريض على العنف. فلا قدرة لها على توجيه المحتجين، الذين انسد أمامهم الطريق للثورة عبر هذه الهياكل فى الحكم أو خارجه بتخاذلها ورضوخها لقواعد اللعبة القديمة أو فى أحسن الأحوال: إصلاحيتها المترددة فى زمن ثورة. ولا ينبغى هنا السقوط فى فخ إدانة العمل والتنظيم السياسيين فى المطلق إذ يصب هذا لخدمة من يتسللون للدفاع عن وأد السياسة فى عهد مبارك ويهدفون للإبقاء على السياسة حكرا على فصيلتهم. عزلة معظم السياسيين عن مطالب الشارع وعن تنظيمات الشارع حقيقية لكن تعميم هذا وتثبيته مقصود به الترويج للعادى المبتذل وعزل العاديين عن السياسة.

إن أى تقدم فى الحياة السياسية، أو أمل فى المستقبل، جاء ويجيء من اقتحام العاديين لساحة السياسة، كما حدث فى الثورة، وكما حدث على مدى سنتين بعد الثورة، وكما يحدث الآن. ويقول لنا استطلاع للرأى أجرته مؤسسة «بيو» مع ألف مصرى قبل أقل من عام إن٨١٪ من المصريين يرغبون فى قضاء عادل ونفس النسبة ترغب فى تحسين أوضاعهم الاقتصادية (وهو تعريفهم للعدالة الاجتماعية)، وهى أعلى نسب التوافق على مطلب. بينما ٦٢٪ أبدوا اهتمامهم بإعلام بلا رقابة، و٦٠٪ بإعمال القانون، و٦٠٪ بحرية الرأى، و٥٨٪ بانتخابات حرة. المصريون صاروا يناقشون السياسة على القهوة وفى المخبز وفى الميكروباص. لم يعد الدستور شأنا حصريا لموظفى المنظمات الدولية وخبراء الدستورية ومحترفى الأحزاب. لقد دخل مئات الآلاف عالم السياسة بمعناها المباشر بينما يدخلها ملايين بمعانٍ غير مباشرة وبطرقهم الخاصة، التى تصدم سياسيى المؤسسة، الذين يسارعون لإدانة المواطن العادى نفسه عندما يتحرك هو على قضاياه.

العاديون أساسا يقطعون الطرق

يرصد المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تصاعدا هائلا فى حركة الاحتجاج العمالى والشعبى فى عام ٢٠١٢ ليصل إلى أكثر من ٣٨١٧ احتجاجا «تجمع جميع أطياف الشعب المصرى». هذا المعدل هو خمس أضعاف المتوسط السنوى منذ عام ٢٠٠٠. ومن الملفت أن ٢٧٠٠ من هذه الاحتجاجات حدثت فى النصف الثانى من العام بعد انتخاب الرئيس مرسى، وبعد فترة هدنة احتجاجية لأسابيع أُعطيت له جربوا من خلاله ديوان المظالم وعديدا من الطرق الأخرى قبل أن يعودوا للشارع.

ويرصد المركز أشكال التعسف التى تم التعامل بها مع هؤلاء المحتجين ليس فقط من قبل رجال الأعمال فى المصانع، ولكن أيضا من قبل الدولة وأجهزتها القمعية «الشرطة العسكرية والمدنية» مع الأهالى وغيرهم من المواطنين والمهنيين، «والتى تتعدد ما بين الفصل من العمل، الوقف عن العمل، النقل إلى خارج مقر العمل أو داخله، الاعتقال، الضرب والسحل، الخصم من الأجر، التحويل للتحقيق سواء للنيابة الإدارية أو النيابة العامة، التهديد والترهيب،، بالإضافة إلى الاعتداء من قبل بلطجية يحرضهم أصحاب الأعمال وغلق الشركات بالتهديد والتنفيذ».

فى مواجهة هذا، نظم العمال والموظفون والفلاحون والصيادون أنفسهم فى أكثر من ألف نقابة مستقلة منذ يناير ٢٠١١، تسعى الآن حكومة الرئيس المنتخب لنزع شرعيتها وإعطاء قبلة الحياة لاتحاد مبارك، الذى تتصور أنه قابل للاستخدام مرة أخرى للسيطرة على العمل النقابى وضربه.

ومع انسداد مسالك السياسة المؤسسية يستخدم المحتجون كافة الطرق بما فيها قطع الطرق، الذى يقولون لنا الآن إن المواطن العادى يدينه. ففى ٢٠١٢ رصد المركز ٥٦١ واقعة قطع طريق قام بها المواطنون «العاديون» (مرتان فى اليوم تقريبا)، و٦٤ حالة لاقتحام مكاتب المسئولين (مرة كل ٥ أيام)، و٣٠ حالة لاحتجاز المسئول فى مكتبه (مرة كل ١٠ أيام).  وتعطينا الأمثلة استنتاجات واضحة. فى ٥ يونيو ٢٠١٢، قام صيادون بالإسماعيلية بقطع طريق البلاجات وأحرقوا إطارات مطاطية ثم توجهوا لقيادة الجيش الثانى ورشقوها بالحجارة قبل أن تقوم القوات بتفريقهم. الاحتجاج كان بسبب وقف الصيد بالبحيرة وقناة السويس لدواعٍ أمنية. وهذا نموذج آخر من البحيرة فى يوليو كما يصفه خبر من بوابة الأهرام: قام المئات من أهالى قرى منية بنى موسى وكفر محلة داود وعزبة مسعود وكفر سعد واشرف البارودى والخزان التابعة لمركزى دمنهور والرحمانية بقطع خط السكة الحديد «دمنهور ــ دسوق» والطريق الرابط بين كفر الشيخ والبحيرة والاسكندرية والطريق الزراعى، وافترشوا ارض الطريق والسكة الحديد واشعلوا النيران فى اطارات السيارات ووضعوا جذوع الاشجار والطوب فى حرم الطريق لمنع مرور السيارات مما تسبب فى تكدس مرورى فى الاتجاهين. جاء ذلك احتجاجا على قلة مياه الرى وعدم وصولها إلى الاراضى الزراعية منذ 18 يوما مما أدى إلى تلف محاصيلهم خاصة الارز والذرة وانقطاع مياه الشرب بصفة دائمة وعدم وصولها لأكثر من 20 يوما ورغم سداد الفواتير بانتظام.

إن الشارع يتحول إلى الساحة الوحيدة الممكنة للتأثير أمام المواطن العادى، عندما تخون يد الحكم تعهداتها الانتخابية وتستخدم ماكينته الأمنية لفرض العودة لخطوط الماضى.

حزب الفتى بالأخضر

لا يزيد عمره عن ١١ سنة. تراه فى الفيديو سابحا فى مياه النيل قادما من تحت كوبرى قصر النيل. يخرج بجسمه النحيل من المياه، مرتديا فقط شورتا قصيرا لونه أخضر، ليباغت قوات المركزى المدججة ومدرعاتها بحجر يلتقطه من تحت السور أمام فندق سميراميس. يبادر عدد من الجنود والضباط المشتبكين فى مواجهة نراها مستمرة للتحرك نحوه، فيهرب بسرعة قافزا فى النيل ليسبح مرة أخرى فى الاتجاه العكسى. حزب الفتى بالأخضر حزب يضم الملايين من «العاديين الاستثنائيين» الذين يواجهون «سياسيين عاديين» فى زمن ثورة يفرض الواقع استكمالها.

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s