ما ذنب الحواجز الخرسانية؟

وائل جمال

الشروق

28 يناير 2013

فى الفيلم الذى رشح لسبع جوائز أوسكار وفاز بجائزة الدب الذهبى لمهرجان برلين السينمائى عام ١٩٩٨ يدور صراع دموى وعبثى هائل للسيطرة على تبة على جزيرة منعزلة لا يقطنها أحد على أساس أنها ذات أهمية استراتيجية بالغة فى حرب كبرى بين طرفين لا نتعرف عليهما تماما. لا يكشف لنا مخرج فيلم «الخط الأحمر الرفيع»، تيرانس ماليك، حتى وجه العدو الذى يقاتله أبطاله الذين يموتون واحدا تلو الآخر من أجل انجاز تلك المهمة، بينما يظهر هؤلاء المحاربون الأشداء كبشر، يخافون ويحلمون ويحبون ويكرهون. يدين ماليك فى «الخط الأحمر الرفيع» بعبثية المهمة عبثية الحرب الاستعمارية المصنوعة لخدمة المصالح صانعة الحروب.

 

فى مصر شاهدنا معارك شوارع خلال الأيام الماضية تبدو عبثية من حيث ما يهدف له الطرفان المتقاتلان أيضا. المتظاهرون يضحون بحياتهم راضين من أجل السيطرة على شارع قصر العينى، أو مبنى محافظة السويس، أو دخول مقرات حزب الحرية والعدالة وتواجههم الشرطة بمنتهى العزم والشراسة، بحيث لا مانع من موت العشرات من أجل حماية مبنى أو الإبقاء على أحد الشوارع مغلقا كما خططت الداخلية. وفى أحد البرامج التليفزيونية قبل يومين، استنكر المتحدث الإعلامى لجماعة الإخوان المسلمين أحمد عارف أن تكون لهؤلاء الذين يخوضون تلك المعارك أية علاقة بالثورة متسائلا: لماذا يهاجمون المبانى ويرمون الحجارة، لماذا يهاجمون الحواجز الخرسانية؟ الحقيقة أن تلك المعارك التى تقتل فيها الداخلية المصرية عشرات المواطنين وتجرح المئات ليست بعيدة عن تطور الثورة المصرية والنقطة التى تقف عندها حاليا، وهى بمنطق هذا لا تتسم بتلك العبثية التى تشتبه علينا إن قارناها بفيلم تيرانس ماليك النادر.

 

مرايا الثورة

 

يتذكر البعض الثورة كما شاركوا فيها: بكنس وتنظيف ميدان التحرير أو الشارع الذى يسكنون فيه يوم ١٢ فبراير. ويتذكرها البعض الآخر من زيارات قام بها للتحرير فى أيام المليونيات المحتشدة. ويتذكرها آخرون وهم يستدعون رفاقا سقطوا فى دمائهم بجانبهم على كوبرى قصر النيل وهم يحاولون المرور بأى شكل لميدان التحرير، أو كما يتذكرها من شاركوا فى حرق مقار أمن الدولة فى قرى ومراكز بعضها كان هذا أول وآخر تعبير عن الثورة عندهم. تختلف الصور كثيرا باختلاف التجربة والموقع مما حدث بعد يناير ٢٠١١. تحب الطبقات الاجتماعية المختلفة أن تعيد تركيب التاريخ على صورتها ومصالحها وطريقة تفكيرها، وهكذا تتحول ثورة يناير إلى ثورة سلمية لـ«الشباب الطاهر البرىء» لدى البعض على غير الحقيقة، والثورة التى سقط فيها ألف شهيد وآلاف الجرحى واحترقت فيها مقرات المحافظات وأمن الدولة وأقسام الشرطة والحزب الوطنى عملا سلميا خالصا «لا يشبه على الإطلاق ما نراه الآن».

 

لم يكن الإصرار على دخول التحرير هدفا عبثيا، ولم تكن الدماء التى سقطت من أجله تعبيرا عن مصالح خارجية أو اغتراب كمقاتلى «الخيط الأحمر الرفيع» بل كانت جزء من مواجهة كبرى أدركها من خاضوها ضد السيطرة الاجتماعية لحكام النظام وقوات ردعه بالأفكار والسلاح. يثبت هذا أن تلك المواجهات لم تكن اختراع الثورة أصلا. فعلى مدى السنوات التى سبقتها شهدت شوارع مصر صورا مماثلة لهذا الغضب وهذه المواجهات بقطع الطرق ومواجهة الأمن المركزى وغيرها وإن على نطاق أضيق بطبيعة الحال. ولنتذكر معا أحداث كنيسة العمرانية والمواجهات التى شارك فيها مسلمو ومسيحيو المنطقة معا بنفس الطريقة ضد قوات الشرطة. الأكثر من هذا: هذا النوع من مواجهات الشوارع ليس ظاهرة مصرية والأسباب متشابهة: الطريقة التى تدير بها الطبقات الحاكمة وقوات قمعها أدوات السيطرة الاجتماعية فى الخارج وعندنا.

 

الحواجز الخرسانية والقمع الاجتماعى

 

يوسع هذا الكتاب الصادر فى ٢٠١١ عن دار نشر جامعة نيويورك، تحت عنوان: «إغلاق الشوارع: العنف السياسى والسيطرة الاجتماعية فى عصر العولمة» مفهوم السيطرة الاجتماعية لما هو أكثر من عمل الشرطة المباشر لتحجيم التظاهر والاحتجاج. يطور الكتاب الثلاثة: آمورى ستار ولويس فرنانديز وكريستيان شول، بناء على تجربة مباشرة فى ١٧ احتجاجا لمناهضة العولمة فى ١٧ قمة دولية، مفهوما شاملا للسيطرة الاجتماعية يلعب الحيز فيه والمكان دورا محوريا. القمع فى هذا المفهوم يمتد ليشمل مجموعة واسعة من الأدوات التى تبدو ناعمة: كاختراق الحركات الاجتماعية، الحرب النفسية، المراقبة والمتابعة، السيطرة على الحيز المكانى.

 

«تكتيكات الشرطة تعمل لكى تعرف الاحتجاج على أنه إجرامى، ومن ثم غير شرعى. هذا التصوير يختصر المصالح المزعومة للنخب وغير النخب فى الوقت نفسه الذى يصغر فيه من شأن السياسة التى يطرحها المحتجون ويتجاهلها. هو أيضا يبث رسالة للمحتجين والذى يفكرون فى الاحتجاج أن ما يفعلونه ــ على عكس ما قد يكونوا اعتقدوه عندما بدأوا ــ ليس مهما لمنفعة المجتمع بل على العكس غير مفهوم وشاذ وغير آمن. وقد يستجيبون بأن يجعلوا احتجاجهم عاقلا ومبهجا ومرتبطا. وقد يستجيبون باعتناق ثقافة فرعية تستهجن الأفكار السائدة». يسمى الكاتبان هذا تهميش الحركات الاجتماعية ويربطان بينه وبين ظهور تنظيمات الاحتجاج كـ«الكتلة السوداء» أو البلاك بلوك التى ظهرت فى مصر مؤخرا، كوسيلة لمواجهة العنف السياسى للدولة فى عمومه.

 

وينطبق مفهوم الكتاب عن عنف الدولة السياسى، الذى يفرز مقاومته، بعناصره الثلاثة على مصر: الأول هو الاقتصاد السياسى: التكلفة الباهظة لـ«التأمين» للمبانى والقمم. ويستعرض الكتاب الملايين التى دفعتها أوروبا وأمريكا لتأمين قمم مجموعة الثمانى ومنظمة التجارة العالمية وغيرها على مدى العقد الماضى. ويسأل السؤال: من يوفر هذه المعدات للشرطة وعلى حساب من وبأى تكلفة؟ بل وعلاقتها بالمجمع الصناعى العسكرى فى الولايات المتحدة. وفى مصر، وضعت موازنة العام الحالى موازنة أجور لديوان عام وزارة الداخلية فقط تبلغ ٢.٢ مليار جنيه، بينما يقفز العجز الممول من الموازنة لديوان عام الوزارة ومصلحة الأمن والشرطة إلى ١٧.٥ مليار جنيه. ويكشف الاعتماد الإضافى بـ٥٠ مليار جنيه الذى أقره الرئيس مرسى عن بند بمليار جنيه تحت اسم ضرورات وطنية حتمية غالبا أمنية. وبينما لا تقوم الشرطة بمهام حماية البيوت وتنظيم الشوارع كانت القطاع الذى انكشفت عليه علائم النعم فى زمن التقشف بزى جديد وأسلحة جديدة وغاز جديد (مستورد من حماة الديمقراطية فى واشنطن) بل وطائرات هليكوبتر. الداخلية أولوية فى عصر الرئيس المنتخب بنفس وجوهها ومهمتها السابقة، أولوية فى الاقتصاد السياسى لا تتمتع بها الصحة ولا التعليم.

 

أما العامل الثانى، وهو ما يبدو عبثيا لكنه ليس كذلك، فهو جغرافى ومكانى: السيطرة على شوارع معينة لتحجيم الاحتجاج وتقييده، إغلاق مناطق كاملة بأسوار وحواجز خرسانية، استخدام الأسلاك الشائكة.. الخ. ومعها التحكم فى حركة الأفراد (كما نرى مع أبناء سيناء مثلا). ويقود هذا العامل الذى كان موجودا دائما فى مصر لكنه تفاقم مؤخرا، إلى العامل الثالث وهو السيطرة الاجتماعية التى تستخدم أيضا الإجراءات الشرطية المعتادة: «اتهامات بالمؤامرة، اعتقالات جماعية وقائية، هجوم الشرطة حتى على التجمعات السلمية، التجريم المتزايد للاحتجاج بوضع خسائر المبانى فى نفس خانة الجرائم العنيفة حتى الارهاب، وعسكرة البوليس وحتى مشاركة الجيش نفسه فى مواجهة الاحتجاجات»، يقول الكتاب وكأنه يتكلم عن مصر.

 

هذه درجة هائلة من العنف السياسى الذى مازال يستخدمه حكامنا لتجريم وتشويه واستعادة السيطرة الاجتماعية على المجال العام فى مصر. ويجلب هذا العنف آثاره على الحركة الاحتجاجية كما أصبحنا نراها فى مصر (نفس الشىء حدث فى أوروبا) بخلق واحد من أثرين بحسب الكتاب: محتجون ينأون بنفسهم عن المواجهة ويبتعدون حتى عن بعض الوسائل السلمية فى الاحتجاج حماية لصورتهم، وتنظيمات مغلقة تحارب معركتها بانفصال عن رافد الحركة الاجتماعية الواسع.

 

تستطيع أن تختلف مع التحول الذى شهدته الشوارع فى الأيام الأخيرة كما تشاء من زاوية هل هى أنسب صياغة تنظيمية وسياسية لاستكمال الثورة التى مازال النظام يشن حربه لإعاقتها ودحرها وإصابتها بالعقر، لكن المواجهة على الحواجز الخرسانية ليست عبثية كحروب من يصنعون القنابل المسيلة للدموع ويصدرونها لمصر والتى يدينها فيلم ماليك. والدماء التى تسيل، فتدمى قلوبنا، تسيل فى ساحة التحرر من سيطرة القمع الاجتماعى ومن عنف الشرطة ومن يقفون وراءها. نعم هو ذنب الحواجز الخرسانية ومن يحتمون بها من الشعب.

Advertisements

2 comments

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s