هزيمة.. ولكن

وائل جمال

الاشتراكي

29 مارس 2007

ما من شك في أن تمرير التعديلات الدستورية، من خلال مجلس الشعب والاستفتاء اللقيط، هزيمة حقيقية لحركة التغيير التي دشنت وجودها الحقيقي مع تظاهرات الحادي والعشرين  من مارس قبل أربع سنوات. فقد نجح نظام مبارك في تحسين الشروط القانونية التي يمارس ديكتاتوريته من خلالها وأدمجها في الدستور نفسه بغض النظر عن أنف من يسميهم طبالوه من نوعيه ممتاز القط وأسامة سرايا بالأفاعي من رافضي السلطوية التي تكرسها هذه التعديلات. وبدلا من أجواء التعبئة الشعبية وسيادة روح التغيير واكتساب مساحات التظاهر والاحتجاج في الشارع، جاءت التعديلات لتقنن الإحالة للمحاكمات العسكرية وتعطي صفة الدوام لمضمون قانون الطوارئ المؤقت عبر قانون الإرهاب. وإذا كانت السلطوية هي السمة المؤكدة لهذه التعديلات بإجماع كل من هم ليسوا في الحزب الوطني، فإن تصوير الهزيمة الحقيقية التي تعرضت لها حركة التغيير في مصر بكل أجنحتها على أنه نهاية لمعركة التغيير أو انتصار نهائي لمشروع التوريث هو مبالغة عاطفية مضرة والأهم من هذا هو أنها تغفل لب وجوهر ما ألهم روح التغيير وما سمح للنظام بقلب الطاولة عليها، وهو نفسه ما يشي بأن المواجهة لم تنته وإنما تتصاعد: تصاعد الصراع الاجتماعي وانحسار شرعية حكم البرجوازية المصرية بقيادة مبارك لحدود الانعدام.

الطبقة الحاكمة بين تعديلين

كان إعلان تعديل المادة 76 من الدستور في ربيع عام 2005 تعبيرا عن لحظة ذات طبيعة خاصة. كانت الطبقة الحاكمة في مصر تواجه ضغطا أمريكيا متزايدا في ظل توجهات تغيير الأنظمة لدى الحليف الأمريكي. الأخطر من ذلك، كان الوضع الإقليمي المتفجر يشي بانفجار هائل بعد أن عرت الحرب الأمريكية على العراق والتطورات على الساحة الفلسطينية تناقضات النظام وتحالفاته. ومن رحم هذا كله بدأ الضغط الشعبي يتبلور في ثقل متزايد لحركة وليدة تطالب بالتغيير كانت تتويجا لجهود حركة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية ثم الحركة ضد ضرب العراق. في مواجهة هذا كله، بدا واضحا تماما للطبقة الحاكمة أن الاستمرار في الحكم بنفس الطريقة التي اتبعتها بقيادة مبارك على مدى ربع قرن ربما لم يعد ممكنا. فتكسير كل الوسائط السياسية من أحزاب ونقابات وتدهور شعبية الحزب الوطني كلها تهدد بانفجار غير مضمون العواقب وغير قابل للمحاصرة والتوجيه. الأهم من ذلك أن الطبقة الحاكمة نفسها بدأت في الانقسام بين جناح بيروقراطية الحزب وجناح رجال الأعمال الجدد الذين رموا بثقلهم وراء مشروع التوريث لجمال مبارك ومجموعة الليبراليين الجدد الذي عبأهم حوله. كان تعديل المادة 76، بعيوبه، علامة على انقسام وتراجع، خطوة للوراء من وجهة نظر الطبقة الحاكمة.

وككل الطبقات الحاكمة، حاول جناح رجال الأعمال الجدد وصقور لجنة السياسات استغلال هذه الخطوة لاكتساب شرعية جديدة يمكن استغلالها لحسم المعركة الداخلية. وهكذا قدم هذا الجناح الذي دعم مواقعه بسيطرة حكومة نظيف على الحكومة ثم بالتعديل الوزاري التالي على أنه يجمع –على عكس جناح صفوت الشريف وكمال الشاذلي- بين الليبرالية الاقتصادية غير الفاسدة وبين الليبرالية السياسية.

وبعد سنتين فقط تجيء التعديلات الدستورية لتقنن وضعا ربما لم يكن بمقدور الطبقة الحاكمة أن تحلم به في ألفين وأربعة وألفين وخمسة. ويشير اختلاف الملابسات إلى اختلاف بين في طبيعة الموقف برمته. فبينما كان هم الطبقة الحاكمة في الانتخابات الرئاسية ثم التشريعية أن تظهر بصورة راعية الديمقراطية مقدمة المرشحين، ولو صوريا، في التليفزيون، عاد السياق إلى ما كان عليه قبل سنوات مرة أخرى لتطلق آلة الدعاية التي تضعها تحت تصرفها بشكل كامل ودون حياء مستخدمة مخزونها التاريخي من تعبيرات القلة المخربة من الأفاعي…الخ.

ضرورات الليبرالية الاقتصادية

وربما بتحليل أهداف النظام الحاكم من هذه الخطوة يمكننا فهم دوافعها ودلالتها.وفي دراسة لمعهد كارنيجي للسلام يقول د. عمرو حمزاوي إنه “منذ نجاح جماعة الإخوان المسلمين في الفوز بما يقرب من 20% من مقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2005 التشريعية ونظام مبارك يريد أولاً تضييق مساحة المشاركة السياسية لجماعة المعارضة الأكثر شعبية في مصر واحتواءها كي لا تتحول إلى منافس حقيقي على السلطة”. في هذا الإطار يجيء منع النشاط السياسي بمرجعية دينية والذي يمكن الطبقة الحاكمة من تصعيد حملتها الأمنية ضد الإخوان وتصفية قوتهم التي اكتسبوها من خلال الانتخابات.  أما الهدف الثاني من وجهة نظر حمزاوي فيتمثل في الحيلولة مستقبلاً دون تشكل جبهة موحدة للمعارضة تضم الإسلاميين والعلمانيين – وقد كان لذلك بدايات جنينية في 2005 – من خلال تقديم حوافز للأحزاب الليبرالية واليسارية المسجلة تباعد بينها وبين جماعة الإخوان المحظورة قانونياً وتكرس اعتماد الأحزاب على النظام لضمان استمرارية مشاركتها السياسية. وهنا يقدم النظام نفسه من كراعي للمواطنة والعلمانية في مواجهة الإخوان ليعزلهم عن باقي المعارضة. و ثالثاً، وهنا أيضاً وفقاً لخبرة وحصيلة انتخابات 2005، صياغة مجموعة جديدة من الأدوات الدستورية التي تدعم سيطرة الحكم على مخرجات العملية الانتخابية إن على المستوى الرئاسي أو البرلماني أو المحلي عبر تقييد الرقابة القضائية وغيرها. ثم كان الإبقاء على واجهة ديمقراطية تستجيب ظاهرياً لعدد من مطالب المعارضة المصرية في الداخل وتحفظ للنظام حد أدنى من شرعية الرغبة في الإصلاح أمام الخارج دونما أي تخلي عن جوهر الإدارة السلطوية للحياة السياسية هو الهدف الرابع لنظام مبارك كما تراها مؤسسة كارنيجي البحثية الأمريكية.

وربما كانت هذه هي الأسباب المباشرة للتعديلات لكنها لا تبدو كافية لفهم التحول في موقف الجناح المنتصر في المعركة الداخلية للطبقة الحاكمة دون ربطها من جانب بمشروع التوريث لجمال مبارك ومن ناحية أخرى بالتناقض بين الليبرالية الاقتصادية القاسية التي تطبق على أرض الواقع وأي صورة من صور الليبرالية السياسية. ففي النقطة الأولى، وقد يكون هذا هو سبب التعجل الشديد في تمرير التعديلات (أعلن عنها في سبتمبر وتقدم كاقتراح في ديسمبر ثم كاقتراح متكامل في نهاية يناير ليقر قبل موعده في أبريل في استفتاء 26 مارس)، تعطي التعديلات أرضية قانونية دستورية لمجلس شعب جديد بلا صوت معارض قوي، وتخلص الوريث من القوة الأساسية المرشحة لمنافسته، وتعطيه في حال مجيئه كرئيس للوزراء سلطات متزايدة تصل إلى حد القيام بسلطات رئيس الجمهورية في حال غياب نائب له.

لكن النقطة الثانية هي الأهم بما لا يقاس. فالبرنامج الليبرالي الجديد الذي يطبقه صقور لجنة السياسات لتحرير تاريخي للخدمات ودفع للخصخصة وانحياز كامل للاستثمار الخاص على حساب الفقراء لا يستقيم أبدا مع إعطاء حق التمثيل الديمقراطي. ورأى هؤلاء كيف أجبرت الإضرابات التي انتزعها عمال النسيج انتزاعا على إيقاف مسيرة الخصخصة أو تعطيلها في أحسن الأحوال وعلى انتزاع مكاسب عمالية خارج النطاق التاريخي لعصر عز وأبو العينين.

 قلعة الكبش والتعديلات الدستورية

في تحقيق لها عن التعديلات الدستورية استطلعت جريدة النيويورك تايمز الأمريكية رأي المحتجين في قلعة الكبش بفعل الحريق الذي التهم بيوتهم تاركا إياهم في العراء. بناءا على ردود فعل من تكلمت معهم الجريدة، قالت في مقدمة التحقيق إنه لا مكان للتعديلات الدستورية بالنسبة لمن يقطنون قلعة الكبش. “الناس هنا يبحثون عن مأوى ووظيفة ووجبة دافئة” قالت الجريدة. لكن في الحقيقة فإن ما حدث في قلعة الكبش من مواجهات بين أناس، لا يرغبون سوى في عيش مستور تحت سقف يقيهم من وطأة الشارع، وبين الشرطة، مواجهات أسقطت 28 جريحا، يؤكد أنه لا انفصال بين الشأنين على الأرض وأن السلطوية التي عادت بها التعديلات هدفها التعامل مع الصراع الاجتماعي المحتدم. وهنا، كما شهدت نضالات عمال النسيج، فإن طبيعة المعركة مختلفة تماما. فمن يخوضونها مختلفون كثيرا عن قيادات كفاية أو الإخوان المسلمين. هؤلاء يدافعون عن لقمة عيشهم المباشرة وعن حقهم في وظيفة وفي المأكل والمشرب. هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه من المواجهة إذ هم خاسرون بالفعل من طبيعة التوازن القائم. هؤلاء يضربون عن الطعام بالآلاف لحين تحقيق مطالبهم. وهؤلاء هم الهدف الحقيقي للتعديلات الدستورية وهم في الوقت نفسه الدليل على أنها ليست نهاية المعركة وإنما تصعيد لها تخسر فيه الطبقة الحاكمة باقي شرعيتها وآخر أقنعتها: قناع الإصلاح من الداخل.

في كتابه الأمير يقول مكيافيللي إن أي حاكم يريد لحكمه الاستقرار لابد له من أن يجمع بين قوة الأسد ودهاء الثعلب. بمعنى آخر، وباستخدام لغة السياسة المعاصرة، لابد له من سلطة قمع وردع من ناحية وشرعية نابعة من الإقناع من ناحية أخرى. والتعديلات الدستورية تكشف آخر خدع الثعلب. وبحسب أمير مكيافيللي لا يمكن لأمير يبني حكمه على القوة فقط أن يحفظ استمراره ولا استقرار سلطته.

المعركة إذن، بالنسبة لمن يرون أنفسهم جزءا من هذا الصراع الاجتماعي، لم تنته أبدا ولم تحسم أبدا. المعركة انتقلت لمستوى آخر. والتحدي هنا بالنسبة لهؤلاء هو التعلم من أخطاء حركة التغيير في أعقاب الحادي والعشرين من مارس 2003: لا أمل لأي حركة معزولة عن قاعدة الفعل والنضال الاجتماعي الحقيقي القاعدي وكل الأمل لمن يرصون صفوفهم في نضالات قلعة الكبش والمحلة وبوليفارا.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s