ملف: سكك حديد مصر.. طريق طوّالي إلى الآخرة.. وعمال يناضلون ضد الاستغلال (ماذا جلبت الخصخصة لأقدم سكك حديدية في العالم؟)

وائل جمال

الاشتراكي

أول  أكتوبر 2006

خدمة السكك الحديدية في بريطانيا هي الأقدم في العالم. وقد تبدل على الخدمة في سنوات عمرها، التي تتجاوز مائة وخمسة سبعين عاما، القطاعان الخاص والعام. فقد بدأت الخدمة خاصة إلى أن اندلعت الحرب العالمية العالمية الثانية حينما سيطرت الحكومة على إدارتها في واحد من إجراءات الحرب. ثم عادت سكك حديد بريطانيا للقطاع الخاص في مطلع التسعينيات بعد معركة كبيرة وبعد سيادة منطق الخصخصة في عهد تاتشر، وهو عهد بدأ منذ الثمانينيات. لكن القصة أصبحت مضرب المثل في العالم في كيف تدمر الخصخصة الخدمات العامة.. قصة تحرص الطبقات الحاكمة على تجاهلها عادة.

المنطق وراء خصخصة خدمة السكك الحديدية في بريطانيا كان مبنيا على التراجع الشديد في خدمة العملاء وزمن التقاطر واحتياج الخدمة لاستثمارات كبيرة “لتحديثها”،  قالت الدولة إنها غير قادرة على تقديمها. ويشار هنا إلى أنه حتى نقاد إدارة القطاع العام لمثل هذه الخدمات كانوا يعترفون بأنه وإن كان هناك تراجع في خدمة العملاء إلا أن الجانب الفني الهندسي كان جيدا. خصخصة سكك حديد بريطانيا استغرقت وقتا طويلا حتى وجدت سبيلها للتحقق في 1996 بعد ثلاث سنوات من صدور قانون جديد يسمح ببيعها في 1993. وحينما انطلق أول قطار في ظل القطاع الخاص في الرابع من فبراير 1996 قال وزير المواصلات البريطاني السير جورج يونج إن الصفقة جيدة لدافعي الضرائب (أي من يمولون ميزانية الدولة، لأنهم سيدفعون أقل مقابل خدمة أفضل على أساس أن الدولة ستوجه أموالهم لبنود أخرى)، وأيضا للمستهلكين من مستخدمي القطارات.

بالطبع لم يحدث ذلك. وفي عام ألفين وقعت حادثة كشفت كل شيء للجميع. فقد قارب نظام النقل بالسكك الحديدية على الانهيار تقريبا بحلول نهاية العام، بعد أن شهد أكتوبر حادث خروج قطار عن القضبان قتل فيه أربعة وجرح ثلاثون (أعقبها في فبراير التالي حادث آخر قتل فيه 17 وجرح سبعون). وفتحت الحادثة ملف المقارنات والتقييم. فقد كشفت أولا عن سوء التنسيق البالغ بين الخمس وعشرين شركة خاصة التي تدير الخطوط وبينها جميعا وبين الشركة المسئولة عن صيانة وتطوير البنية الأساسية. وثانيا عن أن الشركات الخاصة لم تضخ أي استثمارات في الخطوط والقطارات وهو ما كان المبرر الأول لوجودها. الأكثر من ذلك هو أن الدولة (من أموال دافعي الضرائب) استمرت في ضخ ملياري جنيه استرليني سنويا (بزيادة عشرة في المائة عما كان الأمر عليه قبل الخصخصة) ارتفعت إلى خمسة مليارات في عام ألفين وخمسة، تذهب بالأساس لبنود الربحية في الشركات الخاصة. وبدلا من أن تقوم الشركات الخاصة مدفوعة بهذه الأرباح بتطوير الخدمات لجذب عملاء جدد عبر إعادة هيكلة خدمة العملاء وتطوير القطارات والبنية الأساسية، فإن الشركات الساعية للربح فضلت الأرباح قصيرة الأجل، وهي استراتيجية ليست محل خلاف في عالم الأعمال. فقد تحولت العوائد الربع سنوية ومضاعفتها للهدف الأول للإدارات عموما في وقت قد تؤثر فيه استثمارات طويلة الأجل كالتي تحتاجها عادة السكك الحديدية على تقليص الأرباح لأجيال. وهو سبب بالمناسبة كان تقليديا وراء أهمية وجود الدولة في هذه الخدمة.

الأكثر من هذا هو أن الشركات الخاصة ركزت على تمويل فرق مالية لإدارة استراتيجياتها المالية ودفعت لهم مرتبات طائلة على حساب الفنيين والمهندسين في أجورهم وتدريبهم وهو ما نتج عنه ارتفاع في معدلات الحوادث على الخطوط.

وبالعودة مرة أخرى لوعود السير يونج الخاصة بالمستهلك، نجد أن الأرقام الرسمية تقول إنه برغم زيادة عدد الركاب ثلاثين في المائة في هذه السنوات (مولدين المزيد من الأرباح للشركات) فإن معدلات انتظام القطارات تراجعت من 92.78% في عهد القطاع العام إلى 91.57%  في عام ألفين. وتراجعت مستويات الخدمة على القطارات بشدة. ولم تتراجع أسعار التذاكر بشكل ملموس كما قالت الوعود. والملفت هنا هو أن هذه التجربة المؤلمة لم تردع حكومة العمال بقيادة بلير عن الدفاع عن خطط خصخصة جزئية لمترو الأنفاق في دليل جديد على الانفصام بين الخصخصة والمصلحة العامة.

لكن الخلاصة التي يمكن الخروج بها لمصر هنا هي  كما تقولها جريدة الهيرالد تريبيون (وهي بالمناسبة جريدة لا رادياكلية ولا يسارية ولا معادية للخصخصة) في مقال نشر فيها في مطلع عام ألفين وواحد تحت عنوان “خصخصة الخدمات العامة يمكن أن تكون كارثة”، إن الإصلاح الصعب للخدمات العامة التي تديرها الدولة قد يصعب أصعب كثيرا لو أن العامل الحاكم في الإدارة هو مراكمة معدلات الأرباح.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s