ملف: سكك حديد مصر.. طريق طوّالي إلى الآخرة.. وعمال يناضلون ضد الاستغلال (إضراب عمال السكة الحديد 1986.. دروس للحاضر )

وائل جمال

الاشتراكي

أول  أكتوبر 2006

كان إضراب عمال وسائقي السكة الحديد، واعتصامهم في مقر الرابطة في عام 1986، أحد أهم الاحتجاجات العمالية التي شهدتها مصر في العقود الأخيرة. ولا تعود تلك الأهمية فقط لحساسية مرفق السكة الحديد، والارتباك الشديد الذي أحدثه الإضراب في أنحاء الجمهورية، ولكن كذلك لكمّ الخبرات والدروس التي اكتسبتها الطبقة العاملة عبر ذلك الإضراب.

الإضراب: الخلفيات والتطور

كان عام 1986 عاما خاصا في تاريخ الصراع الطبقي في عهد مبارك. فقد شهد إضراب إسكو الذي اقتنص الإجازات الأسبوعية مدفوعة الأجر لعمال مصر؛ وشهد إنتفاضة الأمن المركزي؛ كما شهد إضراب عمال السكك الحديدية التاريخي. ومنذ نهاية السبعينيات عمّت حالة من التذمر والسخط أوساط عمال السكك الحديدية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتدني أجور السائقين والمساعدين مقابل تضخم أجور المديرين، الأمر الذي كان ملازما لموجة الانفتاح الاقتصادي.

ومع بداية الثمانينيات بدأت المطالب في التبلور والوضوح، وزاد التفاف العمال (السائقون والوقادون) حولها. وفي عام 1982 تحديدا بدأت التحركات حين قام العمال بإضراب تباطؤي لمدة ساعتين للضغط على الإدارة والدولة معلنين مطالبهم، والتي كان أهمها عودة الكادر الخاص وتعديل جدول الأجور لتتناسب مع غلاء المعيشة، رفع حافز الكيلومتر من 11 مليم إلى 5 قروش، الحصول على نسبة من الغرامات على التذاكر، التأمين على السائقين ضد الحوادث والتشريك، وعدم تحميل السائقين تعويضات ضحايا الحوادث.

من ناحيتها تجاهلت الدولة وإدارة السكك الحديدية مطالب العمال على مدى سنوات، إلا أن العمال ازدادوا تماسكا والتفافا حولها. وظل الأمر بين جذب وشد حتى تم عقد اجتماع في 19 ديسمبر 1985 حضره وزير النقل والمواصلات ورئيس هيئة السكك الحديدية وممثلون عن السائقين. وفي الاجتماع، وافق الوزير على كافة مطالب السائقين وأصدر قرارا بتفرغ 3 سائقين لمتابعة المطالب مع رئيس مجلس الإدارة. واستبشر العمال خيرا وتوقعوا تحقق مطالبهم. ولكن الشهور مرت دون أي تقدم، الأمر الذي ساعد في تصاعد التذمر والغضب ليصل لقمته أثناء انعقاد الاجتماع الشهري لرابطة سائقي ووقادي السكك الحديدية في 2 يوليو 1986.

 كان المناخ مهيئا تماما لتطوير موقف العمال، حيث احتشد حوالي 300 سائق في مقر الرابطة. وبعد التشاور أعلنوا الاعتصام في مقر الرابطة حتى يحضر المسئولين لمناقشة مطالبهم. وعلى أثر ذلك حضر نائب وزير المواصلات وكبار ضباط الداخلية لمقر الرابطة في محاولة لاحتواء الموقف، وابلغوا السائقين اعتذار الوزير عن عدم الحضور لانشغاله (بشرف مرافقة الرئيس السوداني)، وحددوا لهم يوم 7 يوليو لمقابلته، فقام العمال بفض الاعتصام مؤقتا لحين موعد اللقاء. ولكن في يوم 6 يوليو استدعى مساعد وزير الداخلية قادة الرابطة ليبلغهم بتأجيل الموعد لانشغال الوزير “بشرف مرافقة سلطان عمان”.

تصاعد غضب السائقين ليتوافدوا على مقر الرابطة  صباح السابع من يوليو ليصبح إجمالي عددهم حوالي ألف سائق ومساعد. وحضر كبار المسئولين بالهيئة ووزارة الداخلية لإقناعهم بالانصراف، مدعومين بمحمود عطية رئيس النقابة العامة الذي ظهر للمرة الأولى في الأحداث. ولكن كل تلك المحاولات فشلت وانتقلت لهجة العمال من المناشدة إلى التهديد، لينذروا بالإضراب ووقف جميع القطارات إذا لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية بشأن مطالب العمال.

وتحدد موعد الإضراب الساعة السادسة مساء يوم 7 يوليو 1986،  ولما لم تستجب الإدارة لأي من مطالب العمال، بدأ الإضراب فعلا على كافة الخطوط. وقام السائقون بترك القطارات على الخطوط بعد إغلاق الجرارات وأخذ المفاتيح -الجرار له مفتاح واحد- لضمان تنفيذ الإضراب. وسرت أنباء بتحويل السكك في اتجاهات مختلفة عن خط السير واستخدام الجبس في تعطيل التحويلات، وكذلك الحرائق في الحشائش المحاذية لخطوط السكك الحديدية. وساعدت طبيعة عمل السكك الحديدية وما تتطلبه من خبرة ودقة على تقوية وضع السائقين وتدعيم موقفهم، ومكنتهم من تعميم الإضراب، كما قللت من قدرة الدولة على كسر الإضراب من داخله.

النهاية الوحشية وحركة التضامن

لكن في الفجر قامت قوات الأمن المركزي وفرق الكاراتيه باقتحام مقر الرابطة وفض الاعتصام بالقوة وبكل الوحشية المعتادة، وقامت بالقبض على كل الموجودين بالمقر وتوزيعهم على زنازين أقسام الشرطة بالقاهرة. ولم ينته الإضراب إلا بعد ملاحقة الأمن للقيادات العمالية والتنكيل بهم وتشريدهم، وفي نفس الوقت اضطرت الحكومة لتلبية معظم مطالب السائقين ووعدت بالنظر في بقيتها.

بعد ذلك بدأت تحركات العمال للتضامن مع زملائهم المعتقلين، فقد تبرع بعض العمال بالمكافأة التي صرفها وزير النقل عند انتهاء الإضراب لزملائهم المضربين. كما صدر بيان موقع باسم “السائقون الأحرار” يطالب بالإفراج عن المعتقلين ويهدد بالإضراب. وحاولت النقابة العامة إنقاذ ماء وجهها ومقاعدها، وبدأت تحت ضغط العمال في المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والاستجابة لمطالبهم، ودعت كذلك إلى جمع تبرعات لصالح المعتقلين. فحتى النقابات الحكومية تجد نفسها تحت ضغط الحركة العمالية مضطرة لاتخاذ مواقف للدفاع عن العمال.

دروس مستفادة

لم يقف توزع العمال في السكك الحديدية عائقا أمام تنظيمهم في موقف واحد، حيث لعبت رابطة السائقين دورا هاما في تجميع وتعبئة العمال الموزعين على مختلف الخطوط. والدرس هنا أنه ليس مهم طبيعة التنظيم النقابي، ففي حالة التعددية النقابية، كما في حالة السكك الحديدية، أو في حالة الأحادية كما كان في وضع الحديد والصلب كان العامل الرئيسي والهام هو الحركة العمالية والضغط العمالي. فقط الضغط من أسفل باستطاعته أن يخلق تعددية نقابية مفيدة أو أن يدفع النقابات الموجودة لاتخاذ مواقف أكثر إيجابية.

درس آخر هو خطأ اقتصار الحركة على السائقين والمساعدين وعدم جذب عمال ورش الصيانة والموظفين الصغار وتبني مطالبهم. فالسائقين والمساعدين هم بلا شك القطاع الأكثر تقدما في السكك الحديدية وبالتالي فقد كانوا مؤهلين أكثر لقيادة باقي القطاعات بتوسيع نطاق الدعاية والتحريض. إلا أن توسيع جبهة الإضراب وتوسيع المشاركة فيه كانت ستعظم نتائج الإضراب وفرص نجاحه وتجعل مسألة تحطيمه أكثر صعوبة.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن الحركة أظهرت في أولها الكثير من الدقة والتنظيم، كما يتضح من تعطيل الخطوط واعتصام السائقين بمقر الرابطة، فقد عانت الحركة من عدم الدفاع فترة أطول عن الإضراب ومن عدم الاستعداد بشكل أفضل لمواجهة التدخل الأمنى بكافة أشكال الدعاية السياسية. وكذلك تأمين قادة الإضراب وخلق خطط بديلة. إن حسن النية تجاه الدولة وجهازها الأمني، مكنهما من السيطرة السريعة على حركة كان باستطاعتها أن تنتشر وأن تصبح بؤرة للغضب العمالي والجماهيري.

و سيظل إضراب عمال السكك الحديدية واعتصامهم خبرة عظيمة ليس فقط لعمال القطاع وإنما للطبقة العاملة المصرية بأسرها.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s