ملف: سكك حديد مصر.. طريق طوّالي إلى الآخرة.. وعمال يناضلون ضد الاستغلال ( إصــلاح منصــور..لمــن؟)

وائل جمال

الاشتراكي

أول  أكتوبر 2006

كعادة البرجوازية كطبقة حاكمة في العالم كله حولت البرجوازية المصرية كارثة قطاري قليوب إلى أرضية ومبرر لدفع خططها فيما تسميه تحرير وإعادة هيكلة قطاع النقل. الخطوة الرئيسية في هذا الإطار كانت ما سمي قانون إصلاح السكك الحديدية الجديد والذي أعطى القطاع الخاص، بشركاته المحلية والأجنبية، حق إقامة خطوط جديدة وإدارتها والاستفادة منها لمدة مائة عام. وينشيء القانون الهيئة القومية للسكك الحديد ويمنحها حق إنشاء شركات مساهمة بمفردها أومع شركاء آخرين، وجواز تداول أسهم هذه الشركات بمجرد تأسيسها، وإصدار سندات محلية بعد موافقة وزير النقل. كما يعطي القانون الجديد الهيئة حق تحديد أسعار خدماتها بما يحقق لها الاكتفاء الذاتي حاليا. ويصدر بهذه الأسعار قرار من وزير النقل بعد العرض على مجلس الوزراء.هذا التطور يجيء ليسمح بما كان محظورا في القوانين السابقة وهو إطلاق المجال للقطاع الخاص للاستثمار في السكك الحديدية لكن ما سيأتي أعظم.

الوضع المتهالك للخدمة: قول حق يراد به باطل

نقطة الإنطلاق لمشروع البرجوازية المصرية الجديد بالنسبة للسكك الحديدية هي التدهور العنيف في هذه الخدمة والذي بلا شك يمكن إعتباره علامة فشل جديدة لنظام مبارك. ويرصد تقرير أخير أصدره المعهد القومى للنقل، وسربه الوزير نفسه للصحافة، ما آلت إليه الأوضاع فيقول إن 50% من خطوط السكك الحديدية يستخدم كأماكن انتظار للقطارات القديمة المتهالكة، وإن 95% من عربات نقل البضائع لا تستغل بالشكل الأمثل، وأن 50% من عربات الركاب خارج الخدمة وتحتاج إلى عملية إحلال سريعة، كما أن 60% من جرارات قطارات السكك الحديدية خارج الخدمة، وإنه حتى يتم تطوير الخدمة فى قطاع السكك الحديدية فإنها تحتاج إلى 8.2 مليار جنيه خلال السنوات الخمس المقبلة.

 إلا أن البرجوازية المصرية، التي يمثلها في هذا القطاع رجل أعمال أريب وصاحب مصالح واستثمارات ضخمة فيه هو محمد لطفي منصور، تركز على الجانب المالي  ملقية باللائمة كل اللائمة على فكرة إدارة الخدمة من القطاع العام. حيث تحقق هيئة السكك الحديدية عجزا سنويا قدره مليار وسبعمائة ألف جنيه تغطيه الدولة من موازنتها. ويرجع منطق خطة الإصلاح الجديدة هذا العجز إلى عناصر شبيهة بما طرح في خصخصة السكك الحديدة في بريطانيا: عدم قدرة الدولة على ضخ الاستثمارات الضخمة المطلوبة، لكنه يضيف إليه الدعم الحكومي المقدم لأسعار التذاكر لأسباب اجتماعية. ومن ثم وفي هذا السياق فإن خطة الإصلاح تقدم نفسها كخطة إعادة هيكلة ذات طابع إداري مالي لتحويل هيئة السكك الحديدية من هيئة خاسرة إلى رابحة وقادرة على سداد قروضها بنفسها، والتي تبلغ 10 مليارات جنيه. وتنبني الدعاية للخطة بالطبع على نفس ما انبنت عليه في بريطانيا: المنافسة ودخول القطاع الخاص سيعنيان رفع الكفاءة وتحسين الخدمة للمستهلك ورفع عبء تمويلها من على الدولة لصالح بنود أخرى. لكن هل هناك جديد حقا في ذلك؟

كعكة طهيت على مهل

عقب حادث قطار الصعيد في فبراير 2002 أعلن عاطف عبيد رئيس الوزراء ـ آنذاك ـ أن الحكومة ستبدأ فورا في تنفيذ خطة لتطوير السكك الحديدية وأن هناك 10 دراسات لتطوير السكة الحديد، من بينها 7 دراسات أجرتها بيوت خبرة أجنبية، وأن هذه الدراسات تضمنت ضرورة تحديث نظم الإدارة واستثمار الأصول العقارية لهيئة السكة الحديد وتجديد العربات والخطوط وإحلال وتجديد الجرارات، وتطوير المحطات وإنشاء شركات لصيانة القطارات وتطوير قطاع نقل البضائع، ومنذ ذلك الوقت وبالرغم من مرور 4 سنوات كاملة إلا أن أياً من بنود تلك الخطط لم ينفذ. ولم تكن هذه مصادفة بالطبع. ويمكن الإشارة هنا إلى ما يسمى بالاستراتيجية أحمر أو الاستراتيجية “صفر”، وهو اختراع صيني لتبرير وتسهيل الخصخصة. في هذه الإستراتيجية تقوم الدولة عمدا باتباع سياسات من شأنها إفلاس المنشأة الاقتصادية ومن ثم يصبح بيعها أسهل. وبالنظر لما نفذ بالفعل من سياسات على مدى هذه السنوات الأربع التي أعقبت حادث قطار الصعيد نستطيع أن نرى بوضوح أن هذه الاستراتيجية كانت جزءا لا يتجزأ من الخطط المطروحة حاليا.

 على سبيل المثال كانت إحدى السياسات اليتيمة التي  قامت بها الحكومة السابقة خطة اعداد وتجهيز وتمثلت في الغاء عربات الدرجتين الثانية والثالثة والتي يصل عددها الي أكثر من 2350 عربة واستبدالها بما يسمي بـ “العربات المميزة” لتنضم الي عربات الدرجتين الاولي والثانية مكيفة وهو ما يعني تحويل 50% من العربات الي مميزة. وتندرج هذه الخطة تحت بند التركيز على الخطوط التي تخدم الأغنياء. من ناحية أخرى تبنت الدولة ما اسمته الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع النقل بالسكك الحديدية وهو ما تجلى في مشروع تسيطر عليه مجموعة الخرافي لإنشاء خطين واحد من أسوان لمرسى علم والثاني من الإسكندرية للقاهرة. ثم أنشأت الشركة المصرية للسكك الحديدية والنقل في 2002 والتي أسست شركة أخرى لنقل البضائع، يمتلك نجيب ساويرس فيها 51% من الأسهم، بينما الشركة المصرية نفسها لها 10% من القيمة، وشركة لهيطة تمتلك 39% من القيمة، هذا إلى جانب مشروع لإنشاء  سكك حديدية فى المنطقة من عين شمس إلى مدينة العاشر من رمضان بطول 125 كم وبتكلفة 2.3 مليار جنيه عهد إليه بالكامل للقطاع الخاص.

هكذا كان الوضع على مدى السنوات القليلة الماضية: خطة “لتفطيس” الهيئة الحكومية ومضاعفة مشاكلها، وفي الوقت نفسه دفع تدريجي بالقطاع الخاص في إنتظار اللحظة الملائمة لاستيلائه على الكعكة كاملة. ولا شك في أن هناك الكثير مما يثير شهية رجال الأعمال في هذا القطاع الحيوي. حيث يصل عدد مستخدمي السكك الحديدية من الركاب المسافرين لمليون وأربعمائة ألف شخص يوميا. ويمكن تخيل هذه الخدمة ذات الطابع الاحتكاري بالطبيعة في يد القطاع الخاص الذي سيقوم دون أدنى شك برفع الأسعار (بعض تقديرات بيوت الخبرة التي تتعامل معها هيئة السكك الحديدية تقيم تذكرة القطار المكيف من الإسكندرية للقاهرة في هذه الحالة ب 495 جنيها بينما تصل حاليا لـ 35 جنيها). لكن الكعكة الأكبر والأهم هي النقل.  فأقل قطار يحمل ألف طن، وهو أقل فى التكلفة من نقل البضائع بالسيارات بـ 50%.

إصلاح البرجوازية وخصوصية القطاع

أحد أهم أسس خطة إصلاح السكك الحديدية التي تطرحها البرجوازية المصرية هو أن الاستثمارات الضخمة التي يحتاجها القطاع سيقدمها رأس المال الخاص. ويمكن أن تكون هذه الكذبة الأكبر. فهذا القطاع بطبيعته –وكما أثبتت تجربة بريطانيا بالبرهان الساطع- كثيف رأس المال ويحتاج لاستثمارات ضخمة مقابل دورة بطيئة طويلة المدى لدوران رأس المال. ولا يتصور أن الرأسمالية التي تحجم عن الاستثمار في صناعات سريعة في دورة رأسمالها ومضمون الربحية كالورق والسكر سوف تقدم على ذلك في السكك الحديدية. ويبدو أن دولتنا ورجال أعمالها متفقون منذ اللحظة الأولى على ما اضطرت له حكومة بريطانيا. فالدولة المصرية لن تتوقف عن التمويل كما لم تتوقف حكومة بلير عن التمويل. لكن الفارق هو أن كعكة القطاع الخاص ستكبر وأن الأرباح التي سيحصدها في جيبه ستكون أعظم.

الشيء الثاني الذي تعنيه خطة الإصلاح هذه هو تحرير أسعار التذاكر. وإذا وضعنا في الإعتبار الطبيعة الاحتكارية للقطاع، فلن يكون في قدرتك استخدام قطار آخر لو لم تعجبك طبيعة الخدمة أو أسعار التذاكر، وهو ما يعني أن فقراء مصر سيمولون من فتات الأجور التي ينتزعونها المزيد من أرباح رأسمالية منصور ورفاقه وهو الهدف الأسمى الأوضح وراء خطة الإصلاح المزعومة تلك.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s