البرنامج الاقتصادى للبرادعى: السياسة تحدد كل شيء

وائل جمال

الشروق

29 ديسمبر 2009

لا تتجلى قاعدة التأييد الاجتماعى والسياسى لحزب أو تيار سياسى، أو مرشح رئاسى كما تظهر فى الموقف من الاقتصاد، ففيه يأخذ صراع المصالح المختلفة فى المجتمعات المعاصرة أنقى صوره. وفى الحوار الذى أجرته «الشروق» مع محمد البرادعى الأسبوع الماضى، وكشف فيه الإطار العام لتصوره لمستقبل مصر، لم يغفل الرئيس السابق لوكالة الطاقة الذرية السياسة الاقتصادية.

اختار البرادعى عددا محدودا من القضايا الاقتصادية وهو يقدم نفسه للمصريين كمرشح محتمل للرئاسة، جاء الفقر على رأسها، واصفا إياه بسلاح دمار شامل. وإلى جانب الفقر، الذى احتل المكانة الرئيسية فى الحوار بين الموضوعات الاقتصادية، ظهرت قضية العشوائيات، وهى ذات ارتباط لا يخفى بها، ثم الحكم الرشيد وتراجع التنمية وفشل المشروعات القومية الكبرى، ومعها جاءت التنافسية الدولية، ووضع مصر بين الأمم الناهضة.

«أرى كيف يعيش الناس، الذين يملكون الفيللات والحياة السهلة والبذخ المزرى، والقيم التى لا تمت إلى مصر بصلة. وعندما ألتفت إلى جهة أخرى أصطدم بأقصى درجات الفقر»، هكذا وصف المصرى الحائز على جائزة نوبل فى السلام عن حق الفجوة الاجتماعية الآخذة فى التعمق فى السنوات الخمس الأخيرة، مناديا بتغيير الأولويات فى سياستنا الاقتصادية، فى مطلب لمس به قضية هى محور ما يعيشه المصريون الآن.

ففى الخمس سنوات الأخيرة، أى منذ مجىء حكومة نظيف للسلطة، حسمت السياسة الاقتصادية أولوياتها وأهدافها بشكل لا يقبل التأويل. المدخل للتنمية ورفاه المواطن المصرى يكمن فى فتح أبواب الاقتصاد، تجارة وصناعة واستثمارا لرأس المال أجنبيا كان أم محليا. وفى هذا لم تخالف النتائج العالمية المجربة لهذا الترتيب فى أولويات السياسة الاقتصادية. فقد زاد معدل النمو إلى معدلات غير مسبوقة فوق الـ٧٪ سنويا (تراجع لما فوق الـ٤٪ فقط برغم الكساد العالمى)، وانتعش أداء الشركات الكبرى ومعها التصدير، وتضاعفت معدلات الاستثمار الأجنبى. ومع هذا كله، تضاعف عدم الرضاء الشعبى كاشفا نفسه فى تنامٍ غير مسبوق منذ عقود للاحتجاجات الاجتماعية بين عمال وموظفين ومهنيين. مشكلة رصدتها الحكومة واعترفت بها، فيما وصف بمشكلة وصول ثمار النمو للفقراء، خاصة بعد أن بدأ الفقر وما يجلبه من تدنٍ فى المهارات والتعليم فى إعاقة النمو الرأسمالى نفسه.

بسبب هذا، لم يعد هذا الترتيب للأولويات الترتيب الأمثل، حتى بالنسبة للبنك الدولى، الذى قال فى تقرير له عن دعم الفقراء فى النصف الأول من ٢٠٠٩ إن السوق وحدها غير قادرة على تحقيق الرفاه للجميع.

لكن تعديلا كهذا للأولويات، لا يمكن فصمه عن السياسة، خاصة بعد أن صار المستفيدون من الفلسفة الأولى أصحاب صوت مسموع فى السياسة المصرية، عبر مجموعات الضغط الفعالة الوحيدة التى تنظمهم فى مجلس مصدرين وجمعيات أعمال وغيرها، بل عبر التواجد المباشر فى الحكومة ومجلس الشعب.

ويزداد الأمر أهمية على خلفية أن مستقبل البرادعى كمرشح للرئاسة، لن يعتمد بالأساس على برنامج عام أو تاريخ طويل، وخبرة فى العلاقات الدولية فحسب، لكن، كما هو الحال فى كل المجتمعات الديمقراطية منها وغير الديمقراطية، سيستند إلى تلك القوى السياسية والاجتماعية التى ترى فى هذا البرنامج تعبيرا عن مصالحها. وقد يطرح مرشحان قضية الفقر مثلا من منطلق مصالح متناقضة تماما.

مثلا، فى فبراير الماضى، أصدرت وحدة الدراسات الاستخبارية التابعة لمجلة الايكونوميست البريطانية تقريرا عن الأزمة المالية التى ضربت العالم نهاية ٢٠٠٨ تحت عنوان «صف المتاريس»، توقعت فيه أن تؤدى الأزمة، بما ستولده من فقر وبطالة، إلى تصاعد هائل فى النزاعات الاجتماعية عبر العالم، محذرة من أن هذا قد يكون له آثاره المعوقة للنمو الاقتصادى (بمعنى آخر أرباح الشركات، عماد رأسمالية السوق الحر).

إذا تبنى البرادعى هذا المنطق فى النظر للفقر كمحور لأولويات السياسة الاقتصادية، سيعنى ذلك أنه يتعامل مع قضية الفقر كدالة فى استقرار نظام هذه الأرباح: الحفاظ على هذا النظام وصيانته من انفجارات عشوائية تتطلب نزع فتيل الانفجار بتقديم بعض التنازلات للفقراء، خاصة تلك التى تخدمه فى نهاية الأمر مثل الإنفاق على الصحة والتعليم، لخلق كوادر مؤهلة لخدمة نمو التراكم الرأسمالى ودفعه. ويسمى منظرو الاقتصاد السياسى هذا بـ«الاستقلالية النسبية لجهاز الدولة». أى أن الدولة تحت هذا الوضع تخدم المصالح الاستراتيجية للفئات الحاكمة عبر تقديم تنازلات هنا وهناك على حساب بعض المصالح المباشرة لها.

لكن هذا المنطق، الذى يناسب ما تبقى من الطبقة الوسطى المصرية على وجه الخصوص، به مشكلتان فى حالة البرادعى. الأولى، أن نفوذ الشركات ورجال الأعمال الكبار أكثر عنادا وبطشا من أن يسمح حتى بتقديم هذه التنازلات الصغيرة، وهو ما يعنى أن فرص تبنى هذه الشريحة الاجتماعية والقوة السياسية ذات السطوة، لهذا الطرح ضعيفة للغاية، وبالتالى فإنه حتى وإن لم يعن تجاوزا للمصالح الكبرى سيعنى مواجهة متوقعة معهم. ولنتخيل مثلا حكومة ترغب فى تطبيق معايير الشفافة الحقة فى البورصة، أو فى مواجهة احتكارات التصدير، أو الإنتاج. وسيعنى ذلك بوضوح أن المرشح الذى يحاول القيام بذلك لن يستطيع تعبئة هذه القوة وراءه، ناهيك عن تجنب الصدام معها.

الشىء الثانى والأهم، هو أن هذا المنظور لم يعد قادرا على تقديم حل حقيقى للفقر وفجوة الأجور فى أى منطقة فى العالم، خاصة فى مصر. السياسة الاقتصادية المثلى هى التى تعبر عن مصالح ورفاة الأغلبية.

لكن ماذا لو تبنى البرادعى برنامجا اقتصاديا يقوم على مراجعة جذرية، لأولوية الأرباح على البشر؟ ما هى القوة الاجتماعية والسياسية التى يمكن أن يعبئها خلفه؟ القوة المحتملة هى هؤلاء، الذين كشف طليعتهم عنهم من خلال الاحتجاجات المطلبية فى السنوات الماضية (دفاعا عن وظائف أو مطالبة بزيادة أجور أو حتى بتأمين مياه الشرب). لكن المشكلة أن وزن هؤلاء ضعيف بسبب أنهم غير منظمين لا فى أحزاب ولا فى نقابات ديمقراطية.

فى إندونيسيا، عام ١٩٩٨، ساهمت الأزمة الاقتصادية فى تعبئة هؤلاء ضد سوهارتو ورأسماليته الفاسدة، معطية الفرصة لمعارضة تعبر عن الطبقة الوسطى، التى ضجت من فساد سوهارتو ومن طغيان مجموعة رجال الأعمال المقربين منه (لاحظ أن هذا النظام بفساده خلق نجاحا اقتصاديا باهرا جعل من إندونيسيا نمرا اقتصاديا).

دون هزة كتلك، أو مراهنة جذرية غير محتملة، فإن رصيد التعبئة السياسية والاقتصادية المتاح أمام البرادعى وغيره محدود فى القوى الموجودة دخل النظام الحالى، وتعبئة أيها سيعنى حدودا ضيقة للتغييرات التى يطمح اليها، وكثير من المصريين معه، فى أولويات السياسة الاقتصادية، إذ لا فكاك من السياسة فى الاقتصاد.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s