أين يخوت العملاء؟

وائل جمال

الشروق

12 يناير 2010

بدلا من تهدئة بال المستثمرين فى شركة المحمول الأولى فى مصر، من حيث عدد المشتركين، تحول التقييم المستقل، الذى طالبت هيئة الرقابة المالية موبينيل بتأمينه لمساهميها، إلى معركة جديدة بين الشريكين المتنازعين على الشركة: أوراسكوم وفرانس تيليكوم. والحقيقة ان التقييم الذى قامت به شركة برايم جلب مفاجأة كبرى حينما قيم السهم للاستحواذ بما بين 283 و337 جنيها، وهو ما يزيد كثيرا من عرض فرانس تيليكوم المقبول من الهيئة عند 245 جنيها.

الجميع يعلم ان الغرض من التقييم المستقل له قيمة تنويرية فقط. يعنى ذلك انه لن يوقف عرض فرانس تيليكوم ولا يعتد به إلا إذا رأى المساهمون فى الشركة ذلك وقرروا انه الأدق، وبالتالى فضلوا الابقاء على السهم فى حوذتهم. لكن بمجرد اعلانه تحول إلى سلاح فى المعركة. من ناحية، استندت أوراسكوم على فارق السعر الهائل فى دعواها أمام القضاء، التى تحسم غدا، للتدليل على ان سعر عرض فرانس تيليكوم قليل، ويخل بتكافؤ الفرص أمام مساهمى الأقلية (لأوراسكوم مصلحة مباشرة هنا، إذ إنها إلى جانب حصتها التى حسمها التحكيم، لديها حصة أخرى مباشرة فى الشركة). من ناحية ثانية، شنت فرانس تيليكوم هجوما حادا على برايم وتقييمها، متهمة إياه بأنه لا يراعى القواعد المتعارف عليها فى تقييم الاستحواذات.

وبعيدا عن حسم هذا الخلاف الفنى، هناك حقيقة لافتة، ربما لن يختلف عليها أحد، هى ان تقييم برايم الجديد يزيد على آخر تقييم لها معلن للشركة قبلها بشهرين، بما يصل إلى 50% فى الحد الأدنى و79% فى الحد الأقصى، وهو فارق كبير للغاية غير معتاد فى فترة زمنية قصيرة كهذه دون أحداث جوهرية كبرى، خاصة انه يزيد كثيرا عن متوسط تقييمات موبينيل فى السوق. رئيس مجلس إدارة برايم، محمد ماهر، برر لـ«الشروق» ذلك بأن بنك الاستثمار الذى يديره اطلع على معلومات سرية خاصة بالشركة، لم ُيسمح لمحلليه سوى بالاطلاع عليها داخل مقر الشركة دون إخراجها أو حتى تصويرها!

ومن نافل الذكر هنا انه فى حالة الشركات المقيدة بالبورصة، الملزمة بقواعد الافصاح والشفافية، فإن وجود معلومات محجوبة عن المساهمين بهذه الأهمية، أمر غريب، بل غير قانونى. إذ إنه يعطل أداء الجمعية العمومية، ويغل يد المساهم الصغير، ويقود إلى تسعير غير سليم للسهم فى السوق.

لكن الأهم من ذلك هو ان هذا التطور يفتح ملفا آخر هو عملية تنظيم تناقض المصالح المحتمل، الذى تتضمنه عمليات تقييم الأسهم وتقديم توصيات الشراء والبيع، بناء عليها للمستثمرين فى البورصة. فعلى العكس من أسواق متقدمة، درجة وعى مستثمرى البورصة فيها عالية للغاية، كالولايات المتحدة، لا يوجد فى السوق المصرية أى رقابة أو تنظيم لما تصدره أقسام البحوث الملحقة بشركات السمسرة من توصيات.

هذا التناقض فى المصالح يجىء من عدة نواحٍ. فى مصر، كما فى أغلب الأسواق، شركات التقييم تمتلك أيضا بنوك استثمار، تدير وتقيم الصفقات الكبرى للشركات التى تقيمها، وتمتلك أيضا شركات سمسرة تنفذ العمليات على أسهم هذه الشركات. ليس هذا فقط. بل إنها تدير صناديق استثمار تشترى وتبيع هذه الأسهم.

وبعيدا حتى عن المخالفات القانونية (سوقنا ليست فوق الشبهات هنا إذ ضبط الرقيب حالتين واضحتين فى الشهور الأخيرة لاثنين من كبرى المؤسسات) هناك مظاهر عديدة لتناقض المصالح. مثلا مشاركة محللى هذه الشركات فى الطرح الأولى للأسهم. إذ يصبح لديهم مصلحة وهم طرف فى عملية التقييم فى ان ينجح الطرح، وجزء من ذلك يجىء بإقناع المستثمرين بقوة السهم. والحفاظ على صفقات بنوك الاستثمار تتناقض بالتأكيد مع إصدار تقييم سلبى للشركة، التى ستفضل اللجوء لشركة تصدر تقارير ايجابية عنها. وغير ذلك كثير.

تدفع شركات التقييم هنا بأن هناك سورا صينيا هائلا بين فروع النشاط المختلفة بها، وهو ما لا رقيب عليه فى مصر فى حدود علمى. لكن الدراسات فى الولايات المتحدة، السوق الأكثر تطورا فى العالم، أثبتت غير ذلك. فقد كشفت دراسة لباحثين من جامعات كاليفورنيا وميتشيجان أجريت على التقييمات بين 1996 و2003، ظهر ان الذين اعتمدوا على تقييمات مستقلة حققوا عائدا يزيد بـ8% سنويا عمن اعتمدوا على تقييمات الشراء من الشركات الكبرى متعددة النشاط.

وقد ساهمت هذه التقييمات غير المنزهة عن الغرض فى التسبب فى ازمة ما سمى بالدوت كوم فى مطلع العقد الأول من الألفية، وفى فضيحة انرون، بالمبالغة فى التقييم، بما اكتشف لاحقا انه لا يقوم على اساس مالى. وقد دفع هذا الرقيب والمنظم الأمريكى لفرض تسوية تاريخية مع شركات التقييم ألزمها فيها بدفع 1.4 ملياردولار تعويض عن مبالغات التسعير لتحفيز السوق ولكسب زبائن نشاط بنوك الاستثمار. وتم توجيه جزء من هذه الأموال لشركات تقييم مستقلة، تم الزام الشركات الكبرى بتقديم أحد تقاريرها لعملائها إلى جانب تقييمها هى. وتم توجيه جزء آخر لتوعية المساهمين. وقد أدى ذلك على الفور إلى تخفيض كبير فى توصيات الشراء فى السوق وفى مستويات الاسعار المستهدفة، وان ظلت حتى قبيل الأزمة العالمية وفى أولها أعلى فى بنوك الاستثمار عنها فى شركات التقييم المستقلة، بحسب صحيفة الوول ستريت جورنال.

عام 1940، وفى كتاب بعنوان «اين يخوت العملاء؟»، وصف الكاتب الأمريكى الشهير فريد شويد وول ستريت بأنها شارع به نهر من جانب ومقبرة على الناحية الأخرى. وربما يكون لأزمة موبينيل الفضل فى فضح هذه الحقيقة فى «كايرو ستريت»، إذ إن حماية مدخرات المساهمين الصغار لا يجب أبدا ان تتوقف عند شركة المحمول.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s