ملف: فنزويلا.. بديل يختمر (قارة تموج بالتغيير.. بأيدي الجماهير لا القادة)

وائل جمال ـ دينا سمك

الاشتراكي

23 مايو 2007

لم يكن وصول أي من إيفو موراليس في تشيلي أو هيوجو شافيز في فنزويلا أو حتى لولا داسيلفا في البرازيل سوى نتاج لحالة من الزخم الجماهيري الذي بدأ في التسعينيات ولم ينته حتى هذه اللحظة. بذلك لا يمكن اعتبار سياسات موراليس أو شافيز أو غيرهم مجرد خطاب شعبوي أو حركة فوقية غاية ما تفعله الجماهير هي أن تدعمها وتؤيدها وتهتف باسم أصحابها. فلولا تجذر الحركة الاجتماعية على مدى سنوات في مواجهة برنامج قاسي ودءوب للتحرير الاقتصادي دفعت الجماهير ثمنه، لما كان ذلك التحول نحو اليسار الذي تشهده القارة كلها تقريبا. لكن هذا لا يعني ان التحول في القارة جاء على وتيرة واحدة أو بنفس الطرق والأساليب، ربما بسبب هذا العامل نفسه: درجة نضج وتطور وحركية الحركة الاجتماعية المتمردة ضد قسوة الليبرالية الجديدة، والتي انعكست في اختلاف طريقة تعامل الجماهير مع مطالبها أو في مواجهة قادتها.

النموذج البوليفي

في بوليفيا، التي جاءت عبر صنديق الانتخابات بإيفو موراليس في بداية عام 2006، كان العام السابق لوصول موراليس للحكم عاما حافلا مليء بالتظاهرات. حتى أن صيف عام 2005 شهد مظاهرات استمرت أسابيع تطالب بتأميم صناعة الطاقة في البلاد. وهي المظاهرات التي شارك فيها العمال والفلاحون والطلبة والسكان الأصليون للبلاد، ونجحت في إغلاق 60% من الطرق السريعة المؤدية للعاصمة عندما قام الفلاحون والمعلمون في القرى بقطع الطرق. حركة اتسعت  لسائقي سيارات النقل، الذين دخلوا إضرابا عن العمل خالقين صعوبة كبيرة في نقل السلع من العاصمة أو إليها.

تلك المظاهرات التي شارك فيها عشرات الآلاف دون كلل لأسابيع، والتي كانت تعتبر واحدة من أكبر المظاهرات التي شهدتها بوليفيا في تاريخها، والتي حاصر فيها المتظاهرون المباني الحكومية، وواجهوا قوات مكافحة الشغب بالديناميت والحجارة،  كانت مجرد موجة أخرى في حالة من الحراك الذي كان مشتعلا طوال ثلاث سنوات ونصف ضد سياسات ما يعرف بالإصلاح الاقتصادي. بالتالي عندما أتى، بعد حالة الزخم تلك التي شهدتها البلاد، مرشح يتحدث عن تأميم الغاز الطبيعي الذي تسيطر عليه الشركات الأجنبية،  مرشح ينتمي لاتحاد مزارعي الكوكا الذي دخل في مواجهة قوة مع النظام لمنع محاولات القضاء على زراعة الكوكا وفقا للمخططات الأمريكية، كان من الطبيعي جدا أن يفوز بـ54% من أصوات الناخبين.

فنزويلا.. تجربة رجل واحد؟

ولا يختلف وضع شافيز في فنزويلا عن وضع موراليس كثيرا. فشافيز هو الآخر نتاج حركة جماهيرية قوية ضد سياسات الليبرالية الجديدة. وهنا يجب أن نلفت الانتباه إلى أن الكثيرين سواء في اليمين أو اليسار ينظرون إلى فنزويلا وما يحدث فيها وكأنه نتاج رجل واحد وهو شافيز. إلا أن الحقيقة هي أن هناك قوى أكثر جذرية وقاعدية هي التي تحرك سياسات شافيز وتفرض عليه السير في اتجاه معين دون غيره.

فيمكن القول أن وصول شافيز الي السلطة عن الطريق الانتخابات عام 1998، وما تبع ذلك من تغيرات جذرية، هو ثمرة الانتفاضة التي شهدتها فنزويلا قبل ذلك بتسع سنوات. فالنظام الذي قمع الانتفاضة بيد من حديد لم يدرك أنه رغم ما بدا من قدرته على قمع الانتفاضة، فإنه في الحقيقة قد فقد شرعيته وهو ما جعله غير قادر على تقديم مرشح قادر على منافسة شافيز. أما شافيز والذي قاد انقلابا عسكريا فاشلا عام 1992، فقد أصبح منذ ذلك الوقت رمزا للتغيير في البلاد بتبنيه برنامجا وسطيا تدعمه الأحزاب الإصلاحية القديمة. ولم يتخذ شافيز مواقف أكثر راديكالية إلا بعد المحاولة الفاشلة للانقلاب عليه، والتي قادها مديرو شركات النفط في عام 2002 بدعم أمريكي. فقد كان خروج الجماهير للدفاع عن شافيز، وما حققوه هم على الأرض من مكاسب في ظل نظامه، كان هذا هو ما دفع شافيز إلى الاستماع إلى المطالب الجماهيرية الأكثر راديكالية، لاسيما وأن عدم إطاعة عمال النفط لأوامر مديريهم هو الذي حال دون شل مجال الطاقة في البلاد كما كانت تستهدف البرجوازية بإيعاز أمريكي.  وبعد محاولة ثالثة فاشلة للانقلاب في عام 2004 مال شافيز أكثر لصالح هؤلاء ليتحدث بكل وضوح عن نسخته من «اشتراكية القرن الواحد والعشرين».

حدود وآفاق التغيير

إن متوسط دخل الفرد في أمريكا اللاتينية لم يرتفع في السنوات الخمس الأخيرة بأكثر من واحد في المئة. كما أنه لم يرتفع طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات  بأكثر من تسعة في المئة. وبالطبع إذا ما قارنا ذلك بـ82% ما بين عام 1960 وعام 1980، أي قبل بداية تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، سنتفهم كم الإحباط وخيبة الأمل التي يشعر بها المواطن العادي في القارة اللاتينية، وهو إحباط قادر على خلق حركة جماهيرية يسارية قد ترقى إلى درجة الثورية. أما حدود الحركة وطبيعة تفاعلها مع من تفرزه من رؤساء فهو رهن بنضج الحركة نفسها. وبالطبع لا يمكن للثورة البوليفارية، كما يسمي شافيز تحولات فنزويلا، وما على شاكلتها من تغيرات في القارة، أن تستمر إلا إذا  تحولت إلى ثورة حقيقية تعطي كامل السلطة للجماهير المنتجة، ولكن يبقى هذا التحول رهنا بتطور الجماهير وتطور تجربتهم وليس قرارا بيد أحد.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s