ملف: فنزويلا.. بديل يختمر (الإعلام البديل في فنزويلا.. صوت الجماهير)

وائل جمال ـ دينا سمك

الاشتراكي

23 مايو 2007

منذ خصخصة الإعلام في نهاية السبعينيات، أصبحت المؤسسات الإعلامية في فنزويلا في يد البرجوازية  بشكل مباشر. وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات زادت هيمنة رؤوس الأموال على الإعلام بكافة أشكاله المسموعة والمرئية والمقروءة، حتى أصبحت كل منافذ الحصول على المعلومات في يد مجموعة صغيرة من الشبكات الإعلامية الضخمة وعلى رأسها فينيفيجن وراديو وتليفزيون كاراكاس تليفين وجلوبوفيجن. وهذه المؤسسات الأربعة أصبحت تسيطر على أكثر من أربعين قناة تليفزيونية هي الأوسع انتشارا في فنزويلا.

فرض الشرعية

في محاولة للخروج من قيود الإعلام السائد حاول بعض النشطاء السياسيين من المهتمين بالإعلام خلق إعلام بديل. لم يكن أمامهم سوى عمل ذلك بطريقة غير قانونية من خلال ما أصبح يعرف بقرصنة الهواء، أي البث المرئي والمسموع بطريقة غير قانونية ومن خلال أجهزة بسيطة وعلى نطاق محدود. وبالطبع كان هؤلاء الصحفيون يتعرضون لقمع شديد من قبل الدولة، فتصادر أجهزتهم، وتهاجم بيوتهم، ويحتجزون لأيام وربما لشهور داخل أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز. ولهذا لم يكن غريبا أن يدعم الإعلام البديل وصول شافيز إلى الحكم، فالمزيد من الحرية للصحافة لا يتحقق سوى بالمزيد من الحرية للمجتمع ككل.

 وبالفعل حصل الإعلام البديل، أو الإعلام المجتمعي، على صك اعتراف من قبل الحكومة من خلال قانون تم تمريره في البرلمان عام 2000 يسمح لهم بممارسة نشاطهم بشكل قانوني. ولكن البرجوازية فعلت ما بوسعها للضغط من خلال نوابها حتى يخرج القانون مبتسرا من خلال وضع شروط صعبة التنفيذ أمام أي وسيلة إعلام مجتمعية تسعى للحصول على ترخيص.

وكان الانقلاب الفاشل الذي قادته البرجوازية على نظام شافيز في إبريل من عام 2002 هو نقطة تحول حقيقية في النضال من أجل إعلام بديل، وفي اعتراف الحكومة بهذا الإعلام كشريك أساسي في الدفاع عن الثورة البوليفارية وحمايتها. فعندما قام الانقلاب حرصت وسائل الإعلام على عدم نشر أي معلومة عن وجود مقاومة من قبل الجماهير. وفي الوقت الذي خرج المتحدث الرسمي باسم الانقلاب ليعلن كذبا أن شافيز قد قبل الرحيل عن الحكم كانت كل القنوات التليفزيونية تذيع أخبارا مضللة عما يحدث، هذا إذا ما أذاعت أي أخبار أصلا. وقد كان التعتيم على شافيز ومن حوله وعلى أخبارهم أمرا شديد السهولة، لم يتطلب سوى الاستيلاء على القناة الثامنة التابعة للحكومة ومنع إرسالها. وهنا ظهر دور الإعلام البديل.

في البداية تحرك الناس لنجدة القناة الثامنة التي أدركوا أنها مصدرهم الوحيد للمعلومات. ولكن سرعان ما تحولت هذه الهبة من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم حين تحولت كل مجموعة من الشباب إلى هيئة إعلامية مستقلة، وحلت المنشورات ورسائل المحمول والرسائل الإلكترونية محل نشرات الأخبار وجرائد الصباح. والتجمع الثوري الشعبي الذي يعرف على شبكة الإنترنت باسم أبوريا هو مجرد مثال على آلاف التجارب التي ظهرت أثناء الانقلاب وبعده.

أبوريا.. تجربة تنتشر

قبل اأريل 2002 كان التجمع عبارة عن مجموعة من الشباب التي تملك تجارب بسيطة جدا في مجال الإعلام البديل، والتي في اغلب الأحيان لم تتعد المواقع على الإنترنت أو إرسال الرسائل القصيرة على التليفون المحمول. ولكن في 12 أبريل اجتمع هؤلاء الشباب واتفقوا على إنشاء ما يشبه شبكة الأخبار. وبالإضافة لطباعة آلاف المنشورات قاموا بعمل موقع على شبكة الإنترنت ينشر تطور الأوضاع لحظة بلحظة. وسرعان ما وجد أصحاب التجمع أن القراء لا يكتفوا بالقراءة والمتابعة بل يشاركون بالكتابة والتعليق، وأصبح في كل موقع هناك شخص يتطوع بلعب دور المراسل ويحكى التفاصيل التي ما كانت لتصل إلى الجماهير لولا الإعلام البديل. ومع الوقت تحول التجمع إلى وكالة أنباء شعبية يتجاوز زوارها عشرات الآلاف في اليوم الواحد.

هذه التجربة تكررت آلاف المرات في فترة الانقلاب وما بعدها حتى أن عدد الإذاعات المجتمعية أو الإذاعات البديلة قد ارتفع في عام 2005 ليصل إلى 170 إذاعة مرخص بها بعد أن كان 13 إذاعة فقط عام 2002 قبل الانقلاب.

الخطأ الذي وقعت فيه حركة الإعلام البديل عندما تحركت في 13 أبريل 2002 لإنقاذ القناة الثامنة هو أنها لم تزحف نحو المؤسسات الإعلامية الضخمة (التي استخدمتها البرجوازية كواحد من أهم الأسلحة في ثورتها المضادة الفاشلة) ولم تحتل منشآت هذه المؤسسات وتستولي عليها لصالح الطبقة العاملة أو في أقل تقدير لصالح دولة شافيز. وبهذا بقي الإعلام البرجوازي هو الأكثر قدرة على الوصول إلى مساحات أوسع من المتلقين.

شافيز والإعلام البديل

على كل حال لا شك في أن أبريل من عام 2002 كان نقلة كبيرة للإعلام البديل خاصة وأن كل من حكومة شافيز والجماهير قد أدركوا أنه الصوت الحقيقي لمن لا صوت لهم، وأنه حليف لا يستهان به في وقت الخطر. وقد عملت الحكومة على مساعدة الإعلام البديل بعد الانقلاب  من خلال توفير الدعم المادي والفني لأي وسيلة إعلام مجتمعية تتقدم للحصول على ترخيص. إلا أن الدعم الحقيقي الذي تحصل عليه هذه القنوات هو ذلك الذي تقدمه الجماهير. فالإحصاءات تقول إن 25% من الدعم المالي الذي تحصل عليه وسائل الإعلام المجتمعية في العامين الماضيين، يأتي من الدولة في حين أن 75% من الدعم يأتي من تبرعات الجمهور المتابع لتلك الوسيلة.

في إحدى المناسبات قال رجل الأعمال الأمريكي تيد تيرنر والذي يملك إمبراطورية إعلامية كبيرة في الولايات المتحدة، أكثرها شهرة شبكة سي إن إن، «إن من يملك الإعلام يملك العالم». وقد يكون ذلك الأمر حقيقيا حين تستسلم الجماهير لما يقوله الإعلام السائد ولكن حين تقرر الجماهير التمرد على القيود المفروضة على حريتها، فإنها تستطيع الخروج من ذلك السجن الذي تصنعه البرجوازية حولها من خلال تسييد أجندة تتنافى مع مصالح الغالبية العظمى من البشر. والإعلام البديل في فنزويلا وتجربته التي لا تتعدي السنوات العشر مثال على قدرة الجماهير على خلق إعلام حقيقي يكون صوتا لها وليس قيدا على حريتها.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s