سقوط جوانتانامو

وائل جمال

الاشتراكي

10 يوليو 2006

هذا المعتقل، الذي صار ثقبا أسود للحريات ورمزا لقذارة الحرب الأمريكية على الإرهاب، على وشك الإغلاق. فعلى مدى الأسابيع الماضية أعلن جورج بوش ثلاث مرات رغبته في إغلاق جحيم الحريات الأمريكي على الأرض المعروف بمعتقل جوانتانامو. في هذا السياق، سلمت الولايات المتحدة الأمريكية 14 سعوديا كانوا محتجزين على مدى السنوات الماضية في معتقل جوانتانامو إلى حكومتهم.

تجيء هذه الخطوة الأمريكية على خلفية تصاعد الانتقادات والمطالبات بإغلاق مركز الاحتجاز الذي لا يزال يضم ما يزيد على 400 شخص لم توجه لهم تهما محددة، بينما يبقى أغلبهم بلا محامين ويتعرضون لعمليات تعذيب منظمة.

إلا أن النقطة الفارقة كانت انتحار ثلاثة معتقلين سعوديين احتجاجا على احتجازهم بعد إجبارهم، باستخدام وسائل غير إنسانية، على كسر إضراب عن الطعام قاموا به للمطالبة بإطلاق سراحهم. والمفارقة أن الإدارة الأمريكية وصفت الانتحار، بفجاجة منقطعة النظير، بأنه عمل جديد من أعمال الإرهاب ضدها!!

ومن الجدير بالذكر أنه بحسب الوثائق الرسمية الصادرة عن الإدارة الأمريكية في 17 يونيو الماضي، أن محاولات الانتحار بين صفوف المحتجزين ترجع إلى عام 2003. تتضمن الوثائق، التي اضطرت الإدارة الأمريكية إلى إبرازها بضغط من منظمات حقوق الإنسان، شهادة طبية بتاريخ 29 أبريل 2003 تشرح محاولة أحد المحتجزين شنق نفسه باستخدام منشفة. كان الأخصائيون بالمركز الطبي للمعتقل قد تقدموا بتقرير يشرح معاناة المحتجز من اكتئاب حاد وفقدانه للأمل حيال إطلاق سراحه. كما اقترحوا إخلاء سبيله وإعادته إلى بلاده، لكن المسئولين تجاهلوا طلبهم.

والحقيقة أن المعتقل كان محط انتقادات دولية بالغة ومثار إحراج كبير للإدارة الأمريكية على مدى الشهور الماضية، لدرجة أن المطالبة بإغلاقه امتدت حتى للاتحاد الأوربي والأمم المتحدة. ويبدو أن إدارة بوش نفسها صارت مدركة لصعوبة استمرارها في إدارة قبر حقوق الإنسان هذا بينما كل هذا الضوء مسلط عليه، لكنها أيضا ظلت مدركة أن إغلاقه ربما يمثل هزيمة سياسية رمزية لحربها على الإرهاب.

أنشئ معتقل جوانتانامو وتم توسيعه على عجل مع غزو أفغانستان، واستقبل أول نزلائه في العاشر من يناير 2002 بعد أن حطت طائرة عسكرية قادمة من أفغانستان في القاعدة العسكرية في خليج جوانتانامو بالقرب من كوبا وهي تحمل على متنها عشرين معتقلا. وبمرور الوقت صار هذا المعتقل الرهيب رمزا لانحطاط الحضارة الأمريكية بدلا من أن يجسد قوتها وقدرتها على جلب أعداءها من أي مكان على الكرة الأرضية.

ومنذ إنشاء المعتقل مر على الأقفاص الحديدية الشهيرة به ما يزيد على 750 معتقلا أغلبهم من السعودية واليمن وأفغانستان، بالإضافة إلى عدد من المصريين. ومن بين هؤلاء كان هناك أكثر من ستين حدثا دون الرابعة عشرة من العمر احتُجزوا في زنزانات سرية وخضعوا للتحقيق المستمر وتعرضوا للتعذيب. وتأكدت الصورة البشعة للإمبريالية الأمريكية مع انكشاف السجون السرية التي أنشأتها إدارة بوش ليس فقط في باكستان ومصر وإنما أيضا في أوروبا الشرقية، وهي السجون التي اضطرت الولايات المتحدة للاعتراف بها بعد نفي متكرر.

وقد أدركت الولايات المتحدة وضعها السيئ قبل وقت طويل. وانعكس هذا في أن المعتقل لم يعد يستقبل نزلاء جدد منذ سبتمبر 2004. ويقول البنتاجون إنه سيسلم مئة وعشرين نزيلا لبلادهم الأصلية. وقال بوش إنه ينتظر أن تحدد المحكمة العليا الأمريكية الطريقة التي سيحاكم بها الموقوفون في هذا السجن العسكري. ومن المتوقع أن تبت المحكمة العليا الأمريكية في الفترة المقبلة في إمكانية مثول المعتقلين أمام محاكم عسكرية.

إلا أن إدارة بوش تواجه معضلة. فهي لا تستطيع التخلي عن أسراها القدامى بهذه البساطة، خاصة وأنها قد تحتاج لاستقدام أسرى جدد لا ترغب في تقييد نفسها في التعامل معهم بمبادئ حقوق الإنسان أو ببنود اتفاقية جنيف. وهي بالتالي تبحث عن بدائل، خاصة بعد افتضاح سجونها بالوكالة. وانعكس هذا الوضع في تأكيد بوش على ضرورة ألا تعطي تصريحاته تفاؤلا كاذبا بأن إغلاق جوانتانامو سينهي المشاكل. ولم ينس بالطبع التأكيد على أن هؤلاء السجناء  قتلة وسيمارسون القتل بدم بارد إذا أطلق سراحهم!!

ويدفع هذا الوضع العديد من منظمات حقوق الإنسان والنشطاء إلى الدفع بعدم الاكتفاء بإغلاق المعتقل. حيث يؤكدون أن القضية ليست في وجودهم في هذا المكان في حد ذاته، وإنما في السياسة التي تؤدي لبقائهم في ظروف لا إنسانية بلا محاكمة ولا محامين. ويؤكد محامو المعتقلين أن هناك بعض مراكز الاعتقال الأخرى كقاعدة باجرام في أفغانستان لا تتمتع حتى بنوع المراقبة الدولية التي أصبح جوانتانامو يخضع لها. بالرغم من ذلك فإن هؤلاء يدركون أن أهدافهم الأوسع في الدفاع عن ضحايا إمبريالية رأس المال الأمريكي ستتلقى دفعة هائلة بالنجاح في إيقاف ماكينة التعذيب القائمة في جوانتانامو.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s