الأكبر خلال 14 عاما: إضراب عمال القطاع العام في ألمانيا

وائل جمال

الاشتراكي

26 فبراير 2006

في السادس من فبراير الماضي نظم عمال الخدمات، المنتمون لاتحاد فيردي النقابي في مقاطعة بادن فاتمنبرج، أكبر إضراب في القطاع العام الألماني منذ أربعة عشر عاما. أتى الإضراب احتجاجا على خطة أوروبية تحمل اسم “تعليمات بولكشتاين” لزيادة ساعات العمل الأسبوعية من 38.5 ساعة إلى 40 ساعة. وفي أسبوع واحد، امتدت شرارة الإضراب، الذي أقر في بادن بأغلبية 95%، إلى عشرة مقاطعات ليشمل أربعين ألف عامل في قطاعات الخدمات الصحية والمستشفيات والمدارس الابتدائية وجمع القمامة وعمال الطرق.

وفي الثالث عشر من فبراير تظاهر 45 ألف شخص في برلين تضامنا مع الإضراب الذي ترك شوارع ألمانيا ممتلئة بالقمامة. ومن المنتظر أن ينضم عمال المواصلات العامة وموظفو الجامعات والإداريون الحكوميون للإضراب ليرتفع عدد المشاركين فيه إلى مائة وعشرين ألف شخص.

تهدف “تعليمات بولكشتاين” إلى فتح الباب للمنافسة الحرة في أسواق الخدمات الأوروبية. وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى فصل آلاف العمال. وتنص السياسات الجديدة التي أقرها البرلمان الأوربي على زيادة الحد الأقصى لساعات العمل الأسبوعية إلى أربعين ساعة منهية تماما فكرة الخمس وثلاثين ساعة التي كانت واحدة من أسس الدعاية للاتحاد الأوربي، والتي كان قد تم تجاوزها بالفعل بزيادتها لثماني وثلاثين ساعة ونصف.

هذه السياسات تسمح لأي شركة عاملة في أوروبا باختيار أي قوانين توظيف مطبقة في أي من دول الاتحاد الأوربي لتطبيقها على عمالها. وهو ما يعني أن الشركات ستطبق أسوأ القوانين بالنسبة للعمال. أهمية هذا الوضع تنبع من أن الإضراب قد يكون مقدمة لاحتجاجات أوروبية مماثلة. وبالفعل، فإن مظاهرة 13 فبراير في برلين تزامنت مع مظاهرة من 15 ألف شخص في مدينة ستراسبورج الفرنسية للاحتجاج على “تعليمات بولكشتاين”.

إلا أن الوضع في ألمانيا له خصوصيته. ففي السنوات الماضية وجه الرأسماليون الألمان هجمات متوالية على حقوق العمال ليتجاوز عدد العاطلين الخمسة ملايين شخص (11% من قوة العمل). وهو ما يزيد على عدد العاطلين في البلاد أثناء أزمة الثلاثينيات الاقتصادية. وقد أدت هذه الأزمة إلى تصاعد الغضب الجماهيري، وإلى خلق أزمة سياسية اتضحت معالمها في الانتخابات البرلمانية الماضية التي جاءت بتحالف ميركيل اليميني للحكم على أساس هش، بينما حصل اليسار الثوري (حزب لينكستراك) على أربعة وخمسين مقعدا في نفس الانتخابات.

ويحاول رجال الأعمال واتحاداتهم التوصل لاتفاق مع العمال أساسه التحايل والكذب. إلا أن النقابات ترفض الاتفاق مؤكدة على أن قبوله سيؤدي إلى تخلص الشركات من 250 ألف وظيفة.

ولا يتوقع أن تكون المعركة سهلة أو قصيرة. فالنقابات العمالية هي الأخرى في مأزق الدفاع عن وجودها. فبينما تزيد حالة السخط بين العمال، نجد أن هناك تراجعا في عضوية النقابات، بالذات في ظل استغلال الشركات للعمالة البولندية المهاجرة والرخيصة التي لا تنتمي للنقابات. وهو الأمر الذي جعل بعض المحللين يصفون معركة النقابات هذه المرة بأنها معركة وجود. وينعكس هذا على خطط النقابات للإضراب التي يبدو بوضوح أنها تدرجية ومصممة لكي يمتد الاحتجاج لشهور.

وبالرغم من تقليل الصحف الألمانية والأوروبية من أهمية الإضراب على اعتبار أنه حتى الآن لم يمتد لأي من القطاعات المؤثرة، إلا أن هناك العديد من العوامل التي تشير إلى إمكانيات اتساع الإضراب. فهناك أولا الطابع الأوروبي للأزمة، وهو ما يعني أن هناك احتجاجات مماثلة قد تندلع، بالذات في فرنسا وإيطاليا. نشير هنا إلى أن الإضراب الألماني قد فرض على البرلمان الأوروبي تجميد سياسة اختيار الشركات في أي بلد أوروبي لقانون التوظيف الذي تراه.

ثانيا هناك مؤشرات إلى أن الإضراب الألماني سوف يمتد لعمال القطاع الخاص. إذ يستعد اتحاد “آي جي” لعمال الصلب لتنظيم إضراب آخر،  بينما تسود حالة من التوتر بين عمال القطاع الخاص في ظل استمرار الهجمات على ظروف عملهم برغم تحقيق عدد من الشركات الألمانية الكبرى، على رأسها فولكس فاجن ودويتش تليكوم، أرباحا كبيرة.

وأخيرا فإن الإضراب يشكل تحديا حقيقيا لتحالف ميركيل الذي يحاول تجاوز أزمة الأرباح التي تواجه الاقتصاد الألماني الذي كان مضرب المثل في النمو في الثمانينيات.

Advertisements

One comment

  1. في مارس هذا العام أضرب عمال القطاع العام في ألمانيا عن العمل بسبب الأجور وليس ايدان عد ساعات العمل كما كان الوضع في ٢٠٠٦. وطلب إتحاد العمال زيادة قدرها ٦٫٥ ٪ فى ال-٢ ميليون موظف بالحكومة الفيدرالية والمحلية وذلك ليتناسب مع التضخم.. وتنظم “فيردي” أيضاً هذا الإضراب. وكالعادة أخذ الإعلام يقلل من شأن الإضراب وأنه لن يكون له تأثير يذكر على الإقتصاد، ولكن نظرة واحدة كانت تكفي على مطار فرانكفورت الدولي لنعرف مدي قوة تأثير الإضراب. فإضطرت لوفتهانزا على سبيل المثال إلي إلغاء حوالي ٤٥٠ رحلة وهو ما كبدها مبالغ طائلة. تأثر المطار نفسه كما لم يحدث من قبل. ناهيك عن القيمة المرتبطة بكل ذلك من السمعة والإسم وغيرها وهو ما يدخل ضمن الخسارة الكبيرة…كل إضراب مشروع حتي لو يحقق الفائدة المرجوة منه، فإنه بالطبع يؤثر على الجهة التي يقوم ضدها الإضراب، حتي وإن لم تعترف هي بذلك وحتي وإن لم تلحظ هي ذلك في الوقت المناسب……. لابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s