عمال مصر وبرنامج الخصخصة الجديد

راية الاشتراكية

15 نوفمبر  2005

 

بمجرد انتهاء الانتخابات البرلمانية، وخلال الأيام المقبلة من شهر ديسمبر، ستبدأ عملية خصخصة واحدة من أكبر الشركات المصرية، الشركة المصرية للاتصالات. وببيع عشرين في المائة من الشركة التي تحتكر خدمات التليفون الثابت في مصر من خلال البورصة، تكون أكبر عملية بيع في تاريخ الاقتصاد المصري قد بدأت. المصرية للاتصالات نموذج لكل الخطوط الحمراء التي كانت الطبقة الحاكمة قد وضعتها سابقا لعملية الخصخصة. فالشركة تنتمي لما اصطلح على تسميته بالشركات الاستراتيجية، فهي تتحكم تماما بشبكة الاتصالات المصرية وهي شركة رابحة وجزء من قطاع الخدمات الذي ترددت الدولة طويلا في بيعه لما لهذا البيع من تأثيرات اجتماعية بالغة. وهو ما يشهد عليه محاولة بيع الشركة نفسها قبل أربع سنوات ثم التراجع سريعا عن الفكرة. لكن مجيء حكومة نظيف للسلطة منذ ستة عشر شهرا كان نتيجة لتوازن جديد في الطبقة الحاكمة يميل لصالح صقور اليمين من الليبراليين الجدد وهو ما عكس نفسه قبل كل شيء في تطور عملية الخصخصة.

ملامح البرنامج الجديد

بعد أن توقف برنامج الخصخصة تقريبا على مدى الخمس سنوات الماضية تصاعدت عمليات البيع منذ مجيء محيي الدين. محيي الدين استلم 175 شركة موزعة على تسع شركات قابضة قدرت الحكومة القيمة السوقية لها بثلاثين مليار جنيه. وفي خلال عام، قام محيي الدين بثماني وعشرين عملية بيع بقيمة 5.7 مليار جنيه. ثم في الربع الأول من العام المالي الحالي تصاعدت العمليات بشدة ففي ثلاثة أشهر من يوليو 2005 وحتى نهاية سبتمبر 2005 قام محيي الدين بإتمام 25 عملية بيع منها خمس عمليات بيع حصص في شركات مشتركة، وبيع أسهم في شركتين تابعتين لقطاع الأعمال العام، و18 عملية بيع أصول. وبلغت قيمة ما تم بيعه حوالي 5.09 مليار جنيه. ويمكن تقدير دلالة هذه الأرقام إذا عرفنا أن حصيلة الخصخصة في الأربع سنوات التي سبقت مجيء محيي الدين للحكومة لم تتجاوز 1.6 مليار جنيه. إلى جانب ذلك تم تفعيل عملية إعادة هيكلة العديد من الشركات، وهي الخطوة التي عادة ما تشكل تدشينا لعملية البيع.

“لدينا الأهرام وآثار أسوان ولا نحتاج المزيد من الصروح التاريخية”. هكذا علق محمود محيي الدين وزير الاستثمار والمسئول الأول عن عملية الخصخصة على الاعتراضات على بيع الشركات المصرية الكبرى كشركة الحديد والصلب المصرية. ورغم أن محيي الدين قد أعلن في أيامه الأولى في الوزارة أنه لن يكون معنيا بتصفية ملكية الدولة وأنه لا يفضل كلمة الخصخصة لأنها قد تعني ذلك ويميل أكثر لكلمة إدارة أصول الدولة إلا أن موقفه اتخذ منحى آخر بعد شهور قليلة ولم يعد يخفي نيته التصفية الكاملة لكل أصول الدولة .. إذا وجد الشاري. وهكذا أصبحت أجندة البيع أوضح ما يكون. شركات التأمين المصرية كلها سيتم بيعها ابتداءا من مطلع 2006. بدلا من بيع بنك الإسكندرية أصغر البنوك العامة الأربعة الكبرى، تم دمج بنكي مصر والقاهرة اعدادا لبيعهما ولا يبدو احتمال التخلص من البنك الأهلي بعيدا هو الآخر. وستمتد عمليات البيع إلى قطاعات الخدمات كلها بما فيها السكك الحديدية و مترو الأنفاق وغيرها. هذا النطاق في البيع غير مسبوق في تاريخ عملية الخصخصة في مصر والتي بدأت في التسعينيات. الحكومة ببساطة لم تعد تتحدث عن بيع الشركات الخاسرة أو تفعيل القطاع الخاص في الأنشطة غير الاستراتيجية، هي تتحدث ببساطة عن أنه لا داعي لوجود الدولة في الاقتصاد إذا كان ذلك ممكنا. المشكلة كانت مؤقتا في الأجواء السياسية التي بدأت تدخل فيها مصر تحت ضغط الغضب الشعبي واضطرت مبارك لتعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية ثم الانتخابات البرلمانية التي تجري حاليا. فقد صدر قرار بتأجيل عمليات البيع الكبرى لحين انتهاء الانتخابات خوفا من زيادة الطين بلة في وقت الانتخابات.

الطبقة العاملة في خط النار

تشير الأرقام إلى أن سياسات الخصخصة والمعاش المبكر قد أدت إلى تشريد ما يقرب من نصف مليون عامل بحلول عام ألفين ومع تراجع عمليات البيع والخصخصة أضيف حوالي مائة ألف عامل آخرين في الفترة من 2000 إلى 2004. وبعد بيع 193 شركة وصل عدد العمال في شركات قطاع الأعمال العام إلى حوالي 413 ألف عامل بتكلفة أجور سنوية تصل إلى 5.3 مليار جنيه. والحقيقة أن الصلة بين عمليات البيع للقطاع الخاص وسياسات التخلص من العمال وتشديد ظروف العمل صلة لم تنقطع.

في إحدى الدراسات المنشورة على موقع وزارة الاستثمار المصرية والتي تحاول إثبات كيف أن عملية الخصخصة أنتجت تطويرا في الأداء الاقتصادي للشركات التي تم بيعها، كانت المعايير الرئيسية للتقييم هي عدد العمالة ومعدل إنتاجية العامل. وفي كل الشركات التي قدمتها الدراسة على أنها أبلت بلاءا حسنا كان الوضع هو أنها تخلصت من نسب تصل إلى ثلث عمالتها في الوقت الذي تضاعفت فيه إنتاجيتها. هذا الوضع يعني ببساطة بكلمات أخرى: مضاعفة معدلات استغلال العمال الذي صاروا يعملون أكثر بكثير مقابل أجور تزيد في بعض الحالات قليلا لكن بما لا يقاس بزيادة العمل في الوقت الذي يتلقى جيش العاطلين فيه حشودا تضغط أكثر فأكثر على شروط عمل الباقين.

هذا الوضع وليس الدفاع عن الشركات الاستراتيجية أو الاقتصاد الوطني أو دور القطاع العام في التنمية هو الذي يجعل العمال المصريين الآن ضد الخصخصة. وإدراكا لهذا تحاول وزارة الاستثمار استبدال نظام المعاش المبكر السابق والذي صار مفضوحا بشكل كامل لدى العمال بنظام جديد يكون أكثر جاذبية لكنها حتى الآن لم تقدم سوى فكرة أنها لن تعطي أموالا سائلة للعمال وإنما ستحول نفسها إلى وصي على أموال المعاش المبكر التي ستوضع في حساب مصرفي لا يحق للعمال السحب منه وهكذا تحمي الوزارة العمال من أنفسهم وسلوكهم الاستهلاكي بدلا من إعادة استثمار أموالهم!! ومن الواضح إلى أي حد سيكون نظام كهذا جذابا للعمال.

الشيء الآخر هو أن البرنامج الجديد للخصخصة بالذات في جزئه الخاص بالخدمات سيكون له تأثيرات خطيرة على مستويات الأسعار كما رأينا بالنسبة للمياه والكهرباء والمواصلات وهو ما يعني هجمة واسعة النطاق على مستويات معيشة الفقراء عموما والعمال من ضمنهم.

ملامح المقاومة من خلال ثلاثة إضرابات عمالية

في التسعينيات، وفي شبرا خلقت عمليات البيع الأولى موجة من المقاومة للخصخصة بعد أن رأى العمال بأعينهم ما حدث لزملائهم. ومع موجة بيع واسعة كالتي بدأت، ظهرت في الأفق بوادر للمقاومة العمالية للبيع. مازالت هذه المقاومة حتى هذه اللحظة فردية تتم على مستوى مصنع مصنع وتتم عادة بقيادة الفروع النقابية في المصانع والتي من الصحيح أنها تتجاوز نقاباتها العامة في أغلب الحالات إلا أنها تتأثر بوضع التنظيم النقابي المدجن بشكل كامل في مصر عموما. لكن هجمة بالاتساع الذي تحدثنا عنه تفرز في الوقت نفسه امكانات لتنسيق مقاومة أوسع مما شهدته الساحة العمالية على مدى العقود الماضية.

في الستة عشر شهرا الماضية شهدت المقاومة ضد الخصخصة ثلاث محطات هامة. أولها كان إضراب إسكو والذي فشل بعد مقاومة بطولية في وقف بيع الشركة وتشريد عمالها. ثانيها إضراب عمال أسمنت طرة والذي أجبر وزارة الاستثمار على إرجاء إتمام صفقة بيع شركة السويس للأسمنت لشركة ايتاليسمينتي العالمية لحين تعديل شروط البيع وعدم السماح بفصل أي عامل لمدة ثلاث سنوات وحظر الفصل الجماعي إلى جانب مزايا مالية للعمال. وجدد العمال احتجاجهم عندما تلكأت الشركة الجديدة في تنفيذ الشروط المالية. آخر وأهم هذه المحطات هي إضراب وتظاهر خمسة آلاف من عمال الغزل في شبين والذي استطاعوا وقف بيع المصنع لمستثمر اندونيسي. هذه المحطات الثلاث تعطينا صورة لما يمكن أن يحدث عندما تتسع الهجمة للآلاف من عمال السكك الحديدية أو مجمع الألومونيوم أو الحديد والصلب. الرسالة واضحة. هناك إمكانية للفوز. هناك إمكانية لوقف هجمة الدولة بالذات إذا وضعنا العملية برمتها في سياقها الأوسع سياسيا بفقدان النظام المتواصل لبقايا شرعيته وبالغضب الإضافي الذي ستخلقه الخطوات الجديدة في عملية الخصخصة.

 

 

 

 

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s