نظام مبارك..خطوة للوراء

راية الاشتراكية

أول مارس  2005

“مشاركة القطاع المدني أجدى الضمانات”، “ثقوب في ثوب الديمقراطية”، “المأزق”، “انتصار أمريكا حكم مبكر”، “ضرورة الإسراع في تعديل لائحة الانتخابات الطلابية”، “الوضع الدستوري لرئيس الجمهورية:الاختلالات البنائية ورؤى الإصلاح”، “شرعية الشرعية”. هذه هي بعض عناوين المقالات التي علقت على قرار مبارك المفاجيء بتعديل الدستور للسماح بالانتخاب بين مرشحين لرئاسة الجمهورية والمنشورة في عدد واحد من الأهرام هو عدد 7 مارس الحالي. هذا الوضع الفريد هو نموذج لـ ودليل على الأزمة المحتدمة التي يمر بها نظام مبارك ويزداد عمقها يوما بعد يوم. الخطوة التي اتخذها مبارك فتحت بابا، كان مغلقا على مدى ما يزيد من 24 عاما من حكمه، لجدل سياسي ذي طابع نقدي غير مسبوق، لم تنج منه حتى جريدة النظام الأولى،  معرضة نظامه لاختبار عسير.

النظام الذي فوجيء بالقرار كما فوجئت به المعارضة ركز ترسانته الإعلامية في اتجاهين. الأول هو أن القرار ليس مفاجئا وليس مستغربا. فهو نتاج للتطور الديمقراطي الطبيعي للتجربة المباركية في الحكم وقد حان وقته. بل إنه نتاج دراسة متأنية وإعداد متواصل على مدى الأربع سنوات الماضية. الاتجاه الثاني، هو أن القرار لم يجيء استجابة لأي ضغوط خارجية بالذات من الولايات المتحدة. والحقيقة أن معرفة أسباب ودوافع القرار هامة للغاية في تقييم ما سيترتب عليه وفي فهم دلالة هذا الجدل السياسي الذي امتد حتى لانتقاد مبارك نفسه على صفحات الأهرام (أنظر مقال عبد المنعم سعيد في العدد نفسه والذي يشير إلى أنه لا يجوز إتمام عملية التعديل الدستوري طالما هناك شكوك أو تحفظات على شرعية الرئيس الذي تتم العملية في عهده).

الحقيقة أن القرار لم يكن لا مدروسا ولا مخططا له ولا حتى مرغوبا فيه في هذه المرحلة. فقبل أسابيع قليلة كان مبارك نفسه يدين على صفحات الأهرام من ينادون بتعديل الدستور بالعمالة وتكررت نفس الفكرة عبر حوار إعلاني نشر بشكل واسع في أغلب الصحف مع الركن الثاني للنظام ووزير داخليته حبيب العادلي الذي أضاف صفات الجهل وعدم الاتزان النفسي لهؤلاء. هذا بينما لم يشذ أبناء لجنة السياسات ليقدم محمد كمال مسئول الإعلام بالحزب الوطني و أستاذ العلوم السياسية بنظرية متكاملة تؤكد أن التعديل الدستوري في هذه المرحلة جريمة. ليس هذا فقط بل استطاع صفوت الشريف في ثوبه الجديد إقناع أحزاب المعارضة الرسمية بتأجيل قضية التعديل الدستوري لما بعد الاستفتاء على فترة خامسة لمبارك بدأ الإعداد بالفعل لها بجولات في المحافظات. ما الذي حدث إذن وغير تكتيكات النظام؟

العامل الخارجي لعب دورا كبيرا فيما حدث. فالتنازلات المتواصلة التي قدمها مبارك على مدى الشهور الماضية فيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية لم تكف لإيقاف الضغوط الأمريكية المتواصلة من أجل الإصلاح. فرغم الخطوات التطبيعية غير المسبوقة (توقيع الكويز وتصدير الغاز لإسرائيل وإعادة السفير المصري لتل أبيب) ورغم تفعيل دور سمسار السلام في القضية الفلسطينية استمرت الضغوط الأمريكية بل تفاقمت. وهكذا تصاعدت حدة الانتقادات الأمريكية التي كانت قد خفتت في المرحلة الأخيرة من الفترة الأولى لبوش ووصلت إلى حد التراشق بالألفاظ في المؤتمر الصحفي بين كوندوليزا رايس ووزير الخارجية المصري مؤخرا. كما انهمرت المقالات والتقارير الصحفية الناقدة لمبارك ونظام حكمه في وسائل الإعلام الأمريكية مهددة زيارته المخطط لها أبريل المقبل للولايات المتحدة. وألغت مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى مؤتمرها الذي كان سينعقد في القاهرة في مطلع مارس الحالي احتجاجا على اعتقال أيمن نور. ومن ناحية أخرى، كثفت الولايات المتحدة ضغطها على سوريا بفعل تصاعد الوضع في لبنان بعد اغتيال الحريري لتضيف عاملا ضاغطا جديدا. وبرغم أهمية العامل الخارجي إلا أن محرك هذا الضغط ينبع من الوضع الداخلي الذي تراه الطبقة الحاكمة المصرية أيضا وإن اختلفت بالطبع في طريقة التعامل معه.

فبعد ما يقرب من عقدين ونصف من سياسات مبارك ونظامه المتواصلة في قمعها للفقراء وجميع القوى السياسية على اختلاف ألوانها مولدة جميع ألوان الفساد ومصعدة من الاستغلال والفقر والبطالة بشكل غير مسبوق يصبح مصير النظام معلقا بقشة. النظام في مصر بدا مدركا لأزمته تلك وهو ما انعكس مؤخرا في محاولة قطاعات منه تغيير وجه النظام ومحاولة إقناع الجماهير بهذا التغيير لكن هذه المحاولات اصطدمت بالطابع الاجتماعي المعادي للجماهير في سياساته الاقتصادية وبعلاقات هذا القطاع بالنظام القديم التي لا يمكن الفكاك منها في ظل أن زعامته هي لابن مبارك نفسه. ويوما بعد يوم بدأت المحظورات تنتهك وبدأت نبرة النقد والتذمر تمتد من رموز النظام لمبارك نفسه ولم يعد النظام قادرا على إيقاف ذلك كما فعل في مناسبات أقل شأنا بكثير كما حدث مثلا بالنسبة لحملة جريدة الشعب ضد يوسف والي. ليس هذا فقط، بل بدأت حركة تشمل قوى سياسية خارج المعارضة السياسية الرسمية  في بلورة مركز محتمل لاستقطاب الغضب الشعبي ضد مبارك ونظامه. حركة ما تزال محدودة لكن نجاحاتها النسبية في ظل حجمها تؤشر بقوة لإمكانيات تطورها المستقبلية. إذن، الضغط الأمريكي القلق من انفجار عام فعّل عملية التحرك.

لكن هل استسلم النظام للتغيير؟ الإجابة هي لا. فالنظام الشائخ مازال متشبثا بسلطته. فتغيير المادة 76 من الدستور والذي تمت صياغته في 1971 والذي تم تعديله لاحقا في نفس الاتجاه من أجل تقوية يد أنور السادات الذي كان يمسك زمام الأمور بيد مهتزة بعد موت عبد الناصر ترسم طريقة انتخاب رئيس الجمهورية عبر اختيار مجلس الشعب لمرشح وحيد يتم الاستفتاء عليه لم يمس باقي مواد الدستور. فوفقا للدستور، رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية وهو يعين الوزارة ويقيلها ويعين المحافظين وعدد هائل من قيادات المؤسسات المختلفة. رئيس الجمهورية له الحق أيضا في إعاقة باقي مؤسسات الدولة عن دورها الدستوري لمواجهة أي خطر يتحدد بمعايير فضفاضة مثل تهديد الوحدة الوطنية وسلامة الوطن!! كما أنه يعطي الحق للرئيس للترشيح لعدد لا نهائي من المرات. وبمجرد بدء إجراءات التعديل التي قد تأخذ أكثر من شهرين، بدأت تفسيرات للتعديل تصل إلى الحد من إمكانية ترشح منافسين لمبارك في الانتخابات القادمة.

الطبقة الحاكمة تراهن بالوضع في الاعتبار وهن المعارضة بفعل انتهازيتها السياسية وعزلتها الكاملة عن الشارع،  والفراغ السياسي الهائل الذي ولدته بفعل سياستها القمعية على إمكانية تكرار سيناريو مشابه لتونس و الجزائر واليمن. حيث قادت الطبقات الحاكمة في هذه البلدان العربية تحولا يتم فيه انتخاب رؤسائها في انتخابات بطريقة ضمنت استمرار نفس الأجنحة من الطبقات الحاكمة. المشكلة هنا هي أن الطبقة الحاكمة تتراجع على خلفية أزمة طاحنة وأنها استنفذت فرصها مرة بعد المرة أمام الجماهير وهو الأمر الذي يجعلها هي نفسها عرضة لصراعات عميقة حول التكتيكات الواجب إتباعها.  ليس هذا فقط، بل أن الباب الذي انفتح على مثل هذا الجدل الذي أشرنا إليه على صفحات الأهرام لن يلبث وأن يمتد للجماهير المستغلة والمستبعدة عن المسرح السياسي طوال عقود حكم مبارك وساعتها سيكون من الأكيد أن نهاية مبارك ونظامه قد حلت.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s