مداخلة مع حسن رشدان: الأولوية للتواجد في القواعد العمالية.. والمشاركة في البرلمان تأتي لا حقًا

الشرارة

يونيه 1996

كلمة واجبة

هذا المقال كتبته تحت اسم وليد شاكر عام ١٩٩٦ في العدد الثاني من مجلة الشرارة لسان حال تنظيم تحرير العمل. وقد تغير الكثير منذ ذلك الحين في الواقع وفيما أراه.

وائل جمال

يحاول وليد شاكر في هذا المقال أن يؤدي مهمتين في نفس الوقت. فهو أولاً يقوم بالرد على مقال حسن رشدان عن مهام الثوريين في انتخابات 1995 (الشرارة – العدد الثاني)، وثانيًا يحاول أن يطور تحليلاً سياسيًا وموقفًا عمليًا على الثوريين إتباعه بصدد انتخابات القادمة. وترى هيئة التحرير أن وليد شاكر، بسبب دمجه المهمتين في مقال واحد، لم يستطيع أن يوفي المهمة الأولى حقها. فمن ناحية أولى هو لم يرد على حجج رئيسية طرحها رشدان في مقاله عن طبيعة وعي العمال وعلاقتهم بالبرلمانية؛ ومن ناحية ثانية افترض تعارضًا بين المشاركة في الانتخابات وبين أولوية التواجد في القواعد العمالية والفلاحية في حين أن رشدان دافع عن المشاركة بالضبط لأنها من وسائل التواجد. ولذا فإن هيئة التحرير وهي تنشر هذا المقال ترى أنه على شاكر ورشدان، ومعهما كل الرفاق، أن يستفيدوا من الحوار الذي جرى من أجل تطوير موقف عملي من مسألة كيفية التواجد الحي والفعال في القواعد العمالية، لا من خلال الانتخابات البرلمانية أو المحلية فقط، وإنما أيضًا من خلال الانتخابات العمالية القادمة التي قد تكون فرصة مناسبة للإنغراس في أوساط الطبقة العاملة.

يثير مقال الزميل حسن رشدان “الثوريون وانتخابات 1995” قضية بالغة الأهمية بالنسبة لليسار الثوري المصري الذي يتطلع لبناء حزبه العمالي الثوري وهي قضية المشاركة في مؤسسات الديمقراطية البرجوازية وعلى رأسها البرلمان، ويرى كاتب المقال أن على الثوريين أن يستغلوا الحملات الانتخابية للبرلمان الممعن في رجعيته، ولكل المؤسسات التمثيلية في مصر (كالمجالس المحلية مثلاً)، في رفع الوعي السياسي لأقسام من الطبقة العاملة المصرية، وفي محاولة تسييد برنامج مطلبي يدعو إلى إصلاح أحوال العمال المتردية. ويرى المقال أنه مهما كانت صعوبة المهمة فإن البدء فيها واجب ليس له بديل طالما أن الزميل يصل بنا في النهاية إلى أن المشاركة هي الموقف الصحيح ويضع لها الشرط.

والواقع أنه وإن كانت الأرضية يستند إليها تحليل الزميل هي أرضية سليمة تمامًا، فبالفعل هناك ضرورة للاشتراك في الانتخابات البرلمانية والنضال من على مقعد البرلمان. ففي ظل عجز الثوريين عن حل هذه المؤسسات واستبدالها يجب العمل من داخلها….. الخ. إلا أن الطرح التفصيلي الآني الذي يؤيده الزميل كإطار لحركة الثوريين في الانتخابات يكتنفه الكثير من المشاكل التي لا تجعل منه الطريق الصحيح حقيقة.

والمشكلة هنا تكمن في أولويات الثوريين وفي موقع الانتخابات والمؤسسات الديمقراطية البرجوازية من خطهم السياسي ومشروعهم الطبقي، فكرة المشاركة تصبح هنا في خدمة القضية الأساسية إلا وهي مقاومة جهاز الدولة وتوعية الجماهير العمالية والفلاحية غيرة القادرة على الفعل بمحدودية هذه المؤسسات ودورها الحقيقي في خدمة الأعداء الطبقيين لهم، وفي هذا الإطار فإن فقر التجربة الديمقراطية في مصر لا يصبح عاملاً إيجابيًا بالنسبة لدور المشاركة في خدمة القضية الأساسية التي تحدثنا عنها. فتدهور الوضع الديمقراطي ليس فقط يحمي العمال من تأثير الوهم البرلماني وإنما أيضًا يجد من تأثير الثوريين وقدرتهم على النفاذ والحركة في أوساطهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ذلك يضع قيودًا أكبر على قدرة الثوريين الممثلين في هذه المؤسسات على لعب الدور الفاضح لها لأنهم يصبحون في النهاية بال صلاحيات ويخوضون معركة وهمية بعيدًا عن الأماكن الحقيقية لتواجدهم.

ومما يؤكد وجهة النظر هذه قضية المحليات التي أشار إليها الزميل والتي تحمل قدر كبير من الخصوصية التي قد تجعلها صورة ميكروسكوبية مكبرة لما يحكم مهام الثوريين في هذه المرحلة الشديدة الأهمية في تاريخ تطور حزبهم ألا وهي مرحلة البناء.

وقضية المحليات ليست افتراضية وإنما هي سؤال سوف يفرض علينا نفسه في وقت قريب بعد قرار المحكمة الدستورية العليا بحل المجالس المحلية المنتخبة وفقًا لنظام القائمة وإجراء انتخابات جديدة، وما تبع ذلك من أعداد الحكومة لقانون جديد للمحليات يعرض حاليًا على مجلس الشورى في إطار الاستعداد لإجراء جديدة في ظرف شهور.

والحقيقة أن تقييم تجربة المحليات في مصر يصبح ضرورة من أجل فهم تطوراتها الأخيرة ودلالتها وأيضًا خصوصيتها من أجل صياغة الموقف الصحيح منها والذي  في النهاية لا ينفصل كثير عن الموقف من البرلمان في الظرف الراهن للأوضاع السياسية والاجتماعية والتحولات الرأسمالية وفي الناحية المقابلة أوضاع الطبقة العاملة المصرية وصلة الثوريين بها.

فالمجالس المحلية التي أنشئت في مصر لأول مرة في عام 1913 في إطار مجالس المديريات التي قسمت مصر إلى 16 مديرية بالوجهين القبلي والبحري منذ إنشائها وحتى الآن لا تعدو أن تكون أداة تنفيذية في يد الدولة مع تطور أهدافها وموقفها من تحقيق الفائض في الريف. ففي ظل الأوضاع الاجتماعية في الريف المصري في العشرينات حال صدور القانون 11 لسنة 1923 كانت المجالس المحلية بلا شخصية معنوية وظلت اختصاصاتها استشارية بالنسبة لحماية الأمن وتقرير الرسوم والضرائب وظلت كافة الاختصاصات في يد مجلس المديرية أو البلدية وليس على الوحدة المحلية في ذاتها.

ومع التحولات التي جاء بها نظام 23 يوليو في 1960 صدر أول قانون مجمع هو القانون 124 لسنة 1960 والذي واكب أول خطة خمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر وبموجبه شكلت المجالس المحلية في المحافظات والمدن والقرى بعناصر منتخبة انتخابًا غير مباشر وأعضاء مختارين وأعضاء بحكم وظائفهم كان يضمهم مجلس واحد على كل مستوى. وبسبب انتهاء الدور الذي كانت تلعبه هذه المجالس في إعادة توزيع الفائض الزراعي لتوسيع السوق في الريف في نهاية الستينات كانت هناك ضرورة للقانون 57 لسنة 1971 الذي تضمن إنشاء مجالس شعبية على مستوى المحافظات فقط من عناصر يصدر بتشكيلها قرار جمهوري ثم تم تعديله بالقانون 52 لعام 1975 الذي تضمن قيام مجالس محلية منتخبة على كافة المستويات المحلية بالانتخاب الحر المباشر إلى جانب اللجان التنفيذية واستحدث مستوى الأحياء والمراكز وأعطاها الشخصية المعنوية دعمًا للنظام وزيادة فعاليته.

ومع التحويلات الاقتصادية والاجتماعية في العالم والاتجاه نحو التعددية السياسية في نهاية عصر السادات تأثرت المحليات بالتوجيهات الدعائية للنظام فكان القانون 43 لسنة 1979، وأعتبر هذا القانون تطورًا هامًا في مجال النظام المحلي إذ تدعمت بموجبه اختصاصات المجالس الشعبية المحلية والمحافظين وتحددت العلاقة بين المحليات والوزراء بصورة واضحة تمنع اللبس بما يشكل إعطاء صلاحيات كبيرة للمحليات وخول للمجالس المحلية الحق في تقديم طلبات إحاطة إلى المحافظين ورؤساء الأجهزة التنفيذية بالمحافظة فيما يتعلق بالأمور العامة العاجلة ذات الأهمية وأضيف إلى الموارد الذاتية للمحافظات ثمن الأراضي المستصلحة والقابلة للاستزراع وبيع المباني والأراضي الفضاء المعدة للبناء وأضيف أيضًا إلى موارد حساب الخدمات والتنمية المحلية في المحافظات 50 % من الزيادات التي تتحقق في الموارد المحلية للمحافظات على الربط المقدر في الموازنات.

إلا أن الحكم لم يحتمل التحول إلى نظام الحكم المحلي فسارع بالتأكيد على استمرار نظام الإدارة المحلية من خلال القانون 50 لسنة 1981 والقانون 145 لسنة 1988 الذين عدلا القانون القديم وسحبت الاختصاصات التي ظلت شكلية بالطبع لتصبح المجالس المحلية أداة تنفيذية تابعة في يد الحكومة المركزية التي تتحكم في تمويلها وفي أعضائها بالطبع عن طريق تزوير الانتخابات وأصبحت مهمتها سهلة في ظل الإطار القانوني الجديد.

ويوضح مبارك الدور الذي وضعته الحكومة للمحليات في خطابه إلى رؤساء وأعضاء المجالس المحلية الشعبية في 19/11/1988 حيث أكد أن الدور الواجب على المحليات يتمثل في ضرورة وضع خطة محلية للمشاركة الشعبية بالجهود والإمكانيات الذاتية للمعاونة في المشروعات المحلية تسير جنبًا إلى جنب مع خطة الدولة لأن الحكومة لا تستطيع وحدها التصدي لكل المشاكل التي يواجهها مجتمعنا، كما أن هذه الجهود تستطيع أن تسهم بفاعلية في رفع مستوى الكثير من الخدمات مثل نظافة المساكن والطرق والأماكن العامة وتوعية المواطنين فيما يتصل بالصحة وأيضًا المساهمة في زيادة الرقعة الزراعية ومتابعة تنفيذ خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والالتزام بمشروعاتها والمشاركة في تنفيذها في توقيتاتها والعمل على إزالة ما يعترض تنفيذ هذه المشروعات والعمل على زيادة الإنتاج وجعله القضية الأولى التي تنال الاهتمام والجهد إلى جانب التصدي للمشكلة السكانية. ويتضح من هذا علاقة المحليات بالتوجه العام للرأسمالية الحاكمة التي تحاول أن تزيد تنافسيتها بالنمو وفي هذا الإطار يتوقف دور المحليات عند التنفيذ. ولا يمنع حماس الحكم في الحقيقية لتغيير القانون الحالي وأعدادها السريع لقانون جديد إلا من فشل الإطار الحالي للمحليات على القيام بهذه المهمة وفي هذا الإطار يجيء القانون الجديد بعدد من التعديلات التي تضمن مزيد من الأحكام للسيطرة المركزية على التوجيه من أجل تحجيم الفساد من الأحكام للسيطرة المركزية على التوجيه من أجل تحجيم الفساد في المحليات والذي يؤثر بشدة على كفاءتها في القيام بمهمتها.

في هذا الإطار نستطيع أن ننظر إلى التطورات التي حدثت في دول الرفاه في شمال أوربا والتي تميزت بنظم في غاية القوة واللا مركزية والتي تشهد تحولات منذ منتصف الثمانيات نحو إعادة أحكام السيطرة المركزية مرة أخرى لتقوم الدولة بنفسها بالتصرف في الموارد أي القرارات التي تحكم التوزيع.

يقودنا ما سبق إلى أن المحليات ليست حتى أداة تشريعية كالبرلمانية وانه إلى جانب ذلك ففي حالة النجاح في تحقيق أغلبية في المجالس المحلية فإن الثوريين سوف يقعون في مأزق هائل هو أنهم سيصبحون ملزمين بتقديم سياسات مغايرة للحكم وهو ما سوف لن يستطيعون القيام به بسبب حدود دور هذه المؤسسة وبالتالي فإن أقصى ما يطمحون إليه إذا سمح لهم هو القيام بالخدمات لأهالي المنطقة وهكذا ينحرفون عن أهدافهم الرئيسية.

أن العنصر الحاكم في ملائمة المحليات للقيام بالدور المرجو في دفع دعاية الحزب الثوري وتأثيره هو مدى انتشاره في قواعده العمالية وتأثيره عليها ومدى تواجد دعايته الثورية في أوساط الفلاحين، وهذا ما ترشدنا إليه تجربة بريطانيا التي أعلنت فشل سياسة الجناح اليساري لحزب العمال البريطاني في تحقيق الاشتراكية عن طرق المحليات بسبب ضعف قواعده العمالية والتفافه عن هذه المهمة إلى الاشتراك في هوجة الانتخابات التي تشغل كوادره قليلة العدد.

وهكذا فإن الأولوية الحقيقية كما ترشدنا قضية المحليات هي التواجد في القواعد العمالية والفلاحية اللحظة الراهنة التي تختلف عن اللحظة التي كتب فيها لينين مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية والتي كان يشير فيها إلى مرحلة لم يصل إليها الثوريون في مصر فإن هذه الأولوية تكتسب أهمية فائقة. وفي هذا الإطار لا يصبح تذيل مرشحين من خارج الإطار الحزب الثوري والمشاركة خلفه في الانتخابات ألا مضيعة للوقت والجهد في الاتجاه الخاطئ ولا يعني هذا بالطبع تجاهل الانتخابات وإنما تصبح المشاركة فيها على مستويين: الأول مستوى الدعاية الخاصة بالهجوم على لعبة الانتخابات وفضح محدودية تأثيرها؟ وثانيًا التواجد مع بعض المرشحين المختارين بعناية والمتركزين بالأساس في مناطق عمالية لمتابعة وانتقاء العناصر السياسية الصالحة للتجنيد. بما يخدم التواجد في مواقع العمل وتبقي المشاركة بمرشحين قضية مؤجلة لحين يقف حزبنا على قدميه في المصانع والمزارع.

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s