كل هذا اليقين

وائل جمال

الشروق

16 فبراير 2010

يبدو أن لدى حكومتنا يقينا لا يتوافر للعالم. فقد كان هز الثقة المطلقة فى علمية ويقينية تقديرات الأكاديميين والمحللين الاقتصاديين، ناهيك عن المسئولين عن السياسات الاقتصادية، أحد النتائج الأساسية للأزمة المالية العالمية. وبعد أكتوبر 2008، صار الجميع يتعامل بحذر مع التوقعات الاقتصادية، بعد أن وضح تماما أن علمي الاقتصاد والتمويل منيا بضربة فى صميم قدرتهما على التنبؤ.

لكن ها هو وزير التنمية الاقتصادية، مرة أخرى، باعتداد المتأكد (لا يضاهيه فيه سوى إجابة وزير المالية يوسف بطرس غالى على سؤال تليفزيونى فى رمضان الماضى عن اثر الأزمة على اقتصادنا بسؤال: أى أزمة؟) يؤكد أن معدل النمو الذى حققه الاقتصاد فى الربع الأخير من 2009،وهو 5.1%، يعنى أننا «طوينا صفحة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وأننا الآن علينا أن نتحدث عن كيفية تحقيق معدلات نمو أعلى مما كانت عليه قبل الأزمة».

ورغم هذه الثقة البالغة فى المستقبل، فإن الحكومة ليست متأكدة من الماضى. صحيح ان معدل النمو الذى أعلن عنه الوزير عثمان محمد عثمان، زاد على المؤشرات المبدئية، التى لم تتجاوز 4.5%، وهى زيادة كبيرة غير مألوفة لكنها مقبولة طالما الرقم الأول مبدئي.

لكن الوزارة، فى سابقة لا مثيل لها فى كل رأسماليات العالم، راجعت وبدون تقديم أى تفسير معدل النمو فى الربع الثالث من 2009 (الأول من العام المالي الحالي)، والذى أعلن بشكل نهائى قبل شهور عند 4.9%، لتقلله إلى 4.6% فقط.
وحرص البيان الذى تم توزيعه على الصحفيين على عدم إبراز هذا التطور الغريب، مكتفيا بوضع الرقم على الرسم البيانى المرفق، وبرقم النمو فى الــ 6 اشهر، القائم على الرقم الجديد، والمقدر بـ 4.8%.

هذا التخبط فى ارقام الماضى لا يمنع الحكومة من الانفراد العالمى فى الثقة بانطواء صفحة الأزمة فى مصر. وهى ثقة لا تستقيم مع استمرار خطط التحفيز الاقتصادي الحكومية، وآخرها 10 مليارات جنيه اقرها مجلس الشعب لضخها فى العام المالى الذى ينتهى منتصف 2011.

التقرير يشير ايضا إلى تراجع حدة الازمة العالمية. وبرغم أن أصحابها أنفسهم مازالوا «ينفخون فى الزبادى»، مؤكدين فى كل حين ان التعافى الذى تكشفه المؤشرات سيكون تدريجيا وبطيئا، تبدو حكومتنا أكثر تفاؤلا بمستقبل اقتصاد أمريكا وأوروبا أكثر من الأمريكيين والأوروبيين.

وتجدر هنا الإشارة إلى أرقام أداء اقتصاد اليورو السيئة، التى كشفت عن انكماش غير متوقع فى الربع الأخير من 2009، وهى أرقام أعلنت فى نفس توقيت إعلان أرقام نمو مصر.

وحتى إن فاقت معرفة وزير التنمية الاقتصادية بمستقبل الأزمة العالمية معرفة القائمين على إدارتها، وحتى إن كان الكساد العالمى ينقشع، فان أرقام نمو مصر ذاتها تكشف عن أزمات النمو الذاتية الأعمق الخاصة بنا.

هنا تأتى النبرة المباهية فى غير محل التباهى، التى استخدمها عثمان، وملخص مؤشرات الأداء الصادر عن وزارته، فى تفسير النمو الذى فاق المؤشرات الأولية، «باحتفاظ الاستهلاك المحلى بشقيه الخاص والحكومى بفاعليته كمحرك أساسى للنمو». ونما استهلاك المصريين، شعبا وحكومة وقطاعا خاصا، ليصل إلى 90% من الناتج المحلى الاجمالي، ليأخذ مكان الصادرات، أو طلب العالم على سلعنا، كمحرك للنمو.

ومن الثابت اقتصاديا أن المجتمعات غير قادرة على تحقيق تنمية حقيقية ونمو مستدام دون ادخار يوجه للاستثمار. وحتى من يدافعون عما يسمى بالنمو الذى يقوده الاستهلاك، يقولون إن الاستهلاك هنا هو مجرد قاطرة تدفع المنتجين لزيادة الإنتاج عبر الاستثمار والتوظيف.

أما استهلاكنا المتزايد فهو يجيء، على العكس من الميل الرشيد لدى البشر فى الأزمات لحفظ ما يمكن حفظه لمواجهة المستقبل. فسبب نمو الاقتصاد أصبح أن المصريين، بسبب تحفيز طلبهم، صاروا يستهلكون أكثر مما ينتجون، مع تراجع طلب العالم على ما صنع وزرع عندنا. وهكذا صار علينا تغطية ذلك بالاستيراد من الخارج، مما انعكس على الحساب الجارى للسلع والخدمات، بعودته للعجز بعد أن كان يحقق فائضا مع موجة نمو ما قبل الأزمة.

غنى عن القول هنا أن استمرار هذا النوع من النمو قصير المدى ولا مستقبل له. كما انه يضغط على احتياطي العملات الأجنبية ومن ثم على سعر الجنيه. وما أدراك ما سيعانيه المصريون، خاصة الفقراء منهم، لو تراجع سعر الجنيه مرة أخرى كما حدث فى مطلع الألفية عندما كان للاستهلاك الكلمة العليا.

ومع تدنى معدل الادخار ومعدل الاستثمار، كما هو الحال فى مصر، ينقلب الاستهلاك إلى نقمة وعبء على المجتمع فى المدى الطويل بدلا من أن يكون محفزا للنمو والتوظيف.

وها هى أرقام عثمان نفسها تكشف إن تعافى مصر، مثله مثل العالم تعاف منقوص. فارتفاع النمو إلى ما فوق الـ 5% يقترن «باستمرار انحسار فرص العمل الجديدة خلال الربع الثانى من عام المتابعة»، كما يقول تقرير الوزارة. فقد تواصل التراجع فى فرص العمل المولدة بنسبة بين 21% و22% فى الـ 3 شهور.

كما بلغت نسبة الانخفاض فى التشغيل فى النصف الثانى من 2009 وفى الربع الأخير منها، 14%. صفحة الأزمة التى طويت لم تشمل إذن أولئك المصريين، الذين لم تصلهم أيضا ثمار نمو الرخاء وانكووا بنار غيابه.

يقول الاقتصادي الأمريكي، الحائز على جائزة نوبل، بول كروجمان فى مقال له بالنيويورك تايمز فى مطلع يناير الماضي: «إليكم ما سيجيء فى الأخبار الاقتصادية فى الفترة القادمة: سيكشف تقرير التوظيف القادم ان الاقتصاد يضيف المزيد من الوظائف لأول مرة منذ عامين، وان بيانات الناتج المحلى ستبين نموا راسخا.. والكثير من الأخبار الجيدة».

ويشير كروجمان إلى أولئك الذين يراقبون شاشات الرادار بلا كلل بحثا عن نقاط مضيئة يتكشف فى نهاية الأمر أنها «أوهام إحصائية تتسبب فيها غالبا قفزات متعلقة باستهلاك المخزون»، لا بعودة الانتعاش للاستثمار والإنتاج. وبدون الاستثمار والإنتاج يصبح الاستهلاك عبئا، ويتحول اليقين بالنمو فى المستقبل، على طريقة عثمان، إلى وهم سندفع ثمنه جميعا.

 

 

 

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s