ملف (كيف تسقط الأنظــمة الديكتاتورية؟) الانتفاضة الناقصة في بوليفيا

 وائل جمال ـ رباب المهدي ـ دينا جميل ـ محمد واكد

الاشتراكي

21 مايو 2006

كيف تسقط الأنظمة؟ وهل هذا الخيار مازال ممكنا في ظل المتغيرات العالمية التي تحاول أن تصهر جميع الأنظمة والشعوب في بوتقة الليبرالية الجديدة؟ إنتفاضة بوليفيا تقدم الإجابة الأكيدة بنعم.

 

بوليفيا 2005 

كان توقيع اتفاقية حق استخدام وتصدير الغاز الطبيعى للشركات متعددة الجنسيات، والذى يعتبر أكبر وأهم ثروات بوليفيا الطبيعية، هو القشة التى قسمت ظهر البوليفيين، وخاصة وأن هذه الاتفاقية قد جاءت بعد خصخصة المياه والكثير من الخدمات.

اندلعت المظاهرات الحاشدة بقيادة الحركة العمالية/الفلاحية المستقلة ونشطاء حزب الحركة الاشتراكية “ماس”. تصميم الحكومة على قراراتها من جانب، وقوة الحركة العمالية/ الفلاحية على الجانب الآخر، شجع قطاعات واسعة من الجماهير للانضمام إليها، فتحولت مظاهرات الآلاف إلى مظاهرات بمئات الآلاف، قامت بغلق الطرق المؤدية إلى لاباز “العاصمة الفعلية للبلاد” ومحاصرة البرلمان فى سانتا كروز “العاصمة الرسمية” مما أجبر رئيس الجمهورية على التنحي، ولم تكن تلك هى نهاية القصة.

رفضت الجماهير ترك الشارع لمدة إسبوعين هزت فيهما  نظام الحكم، حتى نجحت في تبكير موعد الانتخابات إلى ديسمبر 2005، ووقف اتفاقية بيع الغاز الطبيعى، وانتخاب جمعية وطنية لوضع دستور جديد للبلاد يتبنى مطالب الجماهير فى العدل والمساواة وإعادة توزيع الدخل.

تأميم االغاز

فى ديسمبر 2005 انتخبت الجماهير المرشح الاشتراكى إبو مورالس رئيسا للجمهورية لتطبيق برنامج انتخابى مبنى أساسا على إنهاء سياسات الليبرالية الجديدة من خصخصة أدوات الإنتاج والخدمات.

وكان أن أعلن مورالس في 1 مايو الماضي عن تأميم الغاز الطبيعي ومناجم القصدير – وهما المصدر الرئيسي للدخل القومي وأكثر الثروات الطبيعية أهمية في البلاد – في واحد من أهم الإنجازات فى تاريخ بوليفيا. وتحركت قوات الجيش لتحمي هذه المناجم والحقول من محاولات استيلاء الشركات والأسر المالكة.

جاء هذا المشهد ليتوج نظام جديد بالمعنى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وليعلن عن انهيار النظام القديم. فمن سياسات الخصخصة والليبرالية الجديدة إلى التأميم والملكية العامة، ومن ديموقراطية النخبة إلى ديموقراطية جماهيرية يتبنى فيها النظام مصالح الطبقات الشعبية وليس الطبقة الحاكمة الرأسمالية.

سر النجاح

وعت الحركة الجماهيرية في بوليفيا أن حل مشاكلها اليومية لن يتم بتغيير شكلي للحكومات، ولكن بتغيير جذري للنظام، يشمل بالطبع تغييرا لأشخاص، يأتي رئيس الجمهورية على رأسهم، ولكن الأهم هو تغيير الأفكار والسياسات. وقد كان.

كيف تم هذا ؟ للاجابة عن هذا السؤال ينبغى النظر إلى نوعية مطالب الحركة وتكوينها اللذان لعبا الدور الأساسي في إنجاح الانتفاضة.

تقوم الحركة الجماهيرية في بوليفيا بالأساس، على طبقة عريضة من العمال والفلاحين، وليس على النخب المُسيسة. هذا التكوين يفسر قوة الحركة واتساع رقعتها. حيث أن نشطاءها يدافعون عن مصالح ملموسة، وليس عن مواقف أيديولوجية. بصياغة أخرى هي مسألة حياة أو موت، ولذا كان التصميم والمثابرة على النضال له طابع مختلف.

لم تكتف الحركة العمالية/الفلاحية بسقوط الرئيس، بل شرع قياداتها فور تنحيته في عقد لقاءات جماهيرية موسعة في كل المناطق الفقيرة والعشوائية؛ تُذكِر الجماهير بمطالبها الأساسية، وتحثهم على أن يظلوا مستنفرين حتى يحصلوا على هذه المطالب، وتعد التكتيكات لتحقيق الهدف.

الحركة في بوليفيا لم تر أن المظاهرات غاية أملها واستوعبت أن نجاح أى حركة في الشارع يسبقه مجهود مضاعف في بناء جسور تواصل مع الجماهير في أماكن تواجدهم.

المطالب هي الحل

أما العامل الحاسم لنجاح الحركة في بوليفيا، فيظل هو نوعية المطالب التي تبنتها. فحركة إسقاط النظام في بوليفيا لم تكن مطالبها الأساسية هي إسقاط النظام السياسي، متمثلا في رئيس الجمهورية أو غيره، ولكن إسقاط النظام السياسي كان من ضمن الوسائل التي تحقق مطالبها الاقتصادية والاجتماعية.

المطالب كانت تمس بشكل مباشر حياة ملايين البوليفيين وأولادهم. فتأميم الغاز وتوزيع عائداته بشكل عادل على كل الشعب وليس استحواذ الفئة الصغيرة المالكة على هذه الثروة هو مطلب يمس حياة كل فرد. المطالبة بنظام تعليم وصحة يكفل جودة متساوية لجميع أفراد الشعب، ويمول من عائدات تأميم المناجم هو مطلب يمس الشرائح الأكبر من الجماهير. وعلى هذا النحو كانت مطالب الحركة إلى حد كبير ضامن لتوسيع الحركة.

لكن يبقى السؤال الصعب حول قدرة الجماهير البوليفية على الحفاظ على مكتبسابتها. هذا الأمر يطرح مسألة الديمقراطية الاجتماعية، أي مسألة طبيعة السلطة السياسية. فمهما كان شخص مورالس، ومهما كانت قوة حركة المظاهرات، طالما لم تتم تصفية مراكز السلطة السياسية والاقتصادية للطبقة الرأسمالية، تظل مكتسبات جماهير بوليفيا على المحك. لقد أنجزت جماهير بوليفيا خطوة جبارة. لكنها لم تكمل ثورتها بعد.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s