ملف (كيف تسقط الأنظــمة الديكتاتورية؟) الثورة البرتقالية وألوان أخرى!

 وائل جمال ـ رباب المهدي ـ دينا جميل ـ محمد واكد

الاشتراكي

21 مايو 2006

في اواخر عام 2004، وبعد ان أُعلن عن فوز مرشح الحزب الحاكم في الانتخابات الرئاسية، انفجرت الساحة السياسية الأوكرانية. فبمجرد الإعلان عن فوزه، احتشدت الجماهير الغفيرة لتعلن رفضها للنتيجة المزورة. وتحت ضغوط شديدة من جهات عدة، من أهمها الجماهير الغاضبة، والقضاء الذي أعلن بطلان الانتخابات، والحكومات الأوروبية، وأمريكا، بل وروسيا نفسها، أُجبر الحزب الحاكم على إعادة الانتخابات مرة أخرى بعد شهر من الإعلان عن فوز مرشحه. ثم خلصت هذه الانتخابات في النهاية الى فوز مرشح المعارضة (فيكتور يوتشنكو) بنسبة 55% من الأصوات وحصول مرشح الحزب الحاكم على 45% في انتخابات نهائية اتفق المراقبون على نزاهتها.

 

الإعلام والثورة البرتقالية

 يتضح من هذه النتيجة أن فوز مرشح المعارضة أتى ضعيفا، حيث أنه لم يتفوق على مرشح الحزب الحاكم بفارق يعضد تصويره في الإعلام الغربي كبطل قومي. وبسبب تغطية الإعلام المهيمن وخروج مئات الآلاف من الجماهير في مظاهرات احتجاج عفوية ضد النظام الحاكم، اصبح التفسير القائل بان هذه الحركة الاحتجاجية تتبع أقوى مرشحي المعارضة الذي صور كقائد ثوري (خاصة بعد محاولة الاعتداء عليه) بمرتبة المسلمات في الأوساط الإعلامية. ولم يقف الكثيرون عند ضعف أدائه الانتخابي أو عند عفوية الحركة في أوكرانيا. كما جرى العرف في أوساط الإعلام الغربي على تسمية هذا الحراك الجماهيري العفوي بالثورة، وتلوينه باللون الذي اختاره كرمز انتخابي المرشح الذي نال رضى الحكومات الغربية، وهو اللون البرتقالي، مختزلين بذلك مطالب الجماهير وتطلعاتها في شخص ذلك الرجل وبرنامجه. ولذا عرفت هذه التحركات الجماهيرية مع الوقت بـ”الثورة البرتقالية.” لكن الأهم من ذلك أن الإعلام نجح في تعبئة قطاع هام من الحركة العفوية في وقت حرج للغاية للدفاع عن الحركة البرتقالية، فخرجت الجماهير ترفع شعارات التحالف البرتقالي وتؤيد برنامجه الذي فرضته على الساحة آلة إعلامية جبارة.

لماذا نجح يوتشنكو؟

تجاهلت وسائل الإعلام حقائق كثيرة في خضم تغطيتها لما حدث في أوكرانيا كاشفة بذلك انحيازها للمرشح البرتقالي ضد تطلعات الجماهير الحقيقية (تبنى يوتشنكو سياسة الخصخصة وتحرير التجارة ورفع الدعم عن المواطنين، كما لعب دورا محوريا في تهميش حركة الطلاب واليساريين التي كانت تطالب بالتغيير وذلك أثناء توليه رئاسة الوزراء في الفترة من 1999 إلى 2001).

ومن أهم ما تجاهلته وسائل الإعلام هو أن الساحة السياسية في أوكرانيا كانت عندئذ تفتقد آليات وأشكال التنظيم التي يتطلبها العمل السياسي المقبول. فبعد عقود طويلة من النظام الشمولي السوفيتي انهار الاتحاد السوفيتي ليترك محله جمهوريات مستقلة لا توجد بها حركات سياسية أو اجتماعية أو أشكال نقابية قوية يمكن أن تدفع حركة سياسية للتغيير.

وبسبب ذلك نجحت الأنظمة الأمنية وبعض المقربين من السلطة السابقة في التفرد بالسلطة السياسية بدون معارضة قوية منذ ظهور أوكرانيا كجمهورية مستقلة في عام 1991، وحتى ظهور بدايات تحركات سياسية مناهضة في عام 2000. وفي الوقت ذاته كانت الدول الغربية تمول وتدعم بقوة ما تسمى بمنظمات المجتمع المدني، وكذلك سياسيين محددين محسوبين على المعسكر الغربي، منهم بطل الثورة البرتقالية، بدعوى نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان وما الى ذلك.

نتج عن ذلك في النهاية استقطاب سياسي حاد بين جانبين، النظام الحاكم الفاسد من جانب، (الموالي لروسيا) ومنظمات المجتمع المدني وسياسيون محددون (موالون للولايات المتحدة وأوروبا) من جانب آخر. وفي ظل تغييب نسبي للحركات السياسية نجحت هذه المنظمات في استقطاب جزء من ناشطي الطبقة الوسطى التي صعدت في التسعينيات.

ومع وصول النظام الحاكم الى حالة إفلاس سياسي بما لم يعد يمكن معالجته، نجحت هذه الجهات المدعومة من الخارج في توظيف آلة إعلامية عالمية كبرى مكنتها من خطف حركة الاحتجاج العفوية وتوجيهها لدعم المصالح الغربية التي كانت تريد فقط تحويل أوكرانيا من كونها تابعة للنفوذ الروسي الى تابعة للنفوذ الغربي.

ما بعد “الثورة”

وبعد عدة أشهر من فوز يوتشنكو في الانتخابات بات واضحا له أنه لا يستطيع إدارة دفة الأمور بمفرده أو بالارتكان على تحالفاته الهشة، فإذا به يتحول للتحالف مع عناصر محورية في الحزب الحاكم سابقا، والذي كان قد ادعى أنه إنما جاء لتخليص الشعب منه. ومع تطور الأحداث، ومع قبول العناصر الأهم في الحزب الحاكم سابقا بالتحول من التبعية لروسيا إلى التبعية للغرب، أصبح من الممكن الدخول معه في تحالفات معقدة لإدارة الأمور كيفما ينبغي وطبقا لتعليمات غربية.

ومن هنا، نجح يوتشنكو في توحيد صفي الطبقة الحاكمة – الموالين للحزب الحاكم سابقا وأثرياء التسعينيات من جانب، والأثرياء الجدد ومنظمات المجتمع المدني الصاعدة بقوة من جانب آخر – وتحولت الطبقة الحاكمة بأكملها نحو أوروبا بعيدا عن روسيا كما كان مطلوبا من الثورة البرتقالية.

كانت نتيجة الثورة البرتقالية الأساسية إذن هي تحول ولاءات الطبقة الحاكمة من روسيا لأوروبا، وما عدا ذلك كان من الأمور الثانوية. وبرغم ذلك أضفى الإعلام المهيمن على هذا التحول الصفات النضالية عندما وظف حركة الجماهير الاحتجاجية العفوية لهذا الغرض. فالثورة البرتقالية لم تكن إلا تحول جيوسياسي في دوائر النفوذ من روسيا لأوروبا وأمريكا ومن هذا المنطلق كان على الإعلام المهيمن إخفاء الحقائق التي تكشف ذلك وتصوير الجماهير كمفعول به في انتظار الأبطال لتنفيذ مخططات إقليمية واضحة للجميع.

هل كانت الثورة البرتقالية قدرا؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا تنجح مثل هذه المسرحيات الهزلية التي يعلم تفاصيلها جيدا الأوكرانيون قبل غيرهم. ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال. لكن من المؤكد أن الخصوصية الأوكرانية والتدخلات الدولية لعبا دورا هاما في خنق الحراك السياسي.

فكان لضعف الأشكال السياسية والنقابية المتواجدة على الساحة، في الوقت الذي صعدت وتطورت فيه منظمات المجتمع المدني المدعومة أمريكيا بقوة وتحالفت مع الأثرياء الجدد الذين صعدوا بقوة متسارعة أيضا من وراء نهب القطاع العام، هذا مع وصول النظام الى نهايته واستعداد الطبقة الحاكمة للنزوح باتجاه الغرب، كان هذا ما سهل عملية توظيف حركة الاحتجاج العفوية في التحول من النفوذ الروسي الى النفوذ الأوربي-الأمريكي.

باختصار، كانت قوة نفوذ المواليين لأمريكا وضعف الأشكال الأخرى من جانب، وتفشي رغبة تكاد تكون شعبية وعارمة في النزوح بعيدا عن روسيا باتجاه أوروبا وأمريكا من جانب آخر، وراء قبول الكثيرين بأصول هذه اللعبة التي يعلمون حقيقتها جيدا. بل كان مجرد الإعلان عن دعم أمريكا لهذا التحرك وللمنظمات أو المرشحين الذين يمثلونه ما يضفي عليهم المصداقية ويظهرهم بمظهر من يملك مفاتيح الحلول في نظر الكثيرين الذين كانوا يرون في التحول بعيدا عن روسيا والتقرب من أمريكا ما يدر الفوائد الجسام على الشعب المنهك ويعجل بما يسمى الإصلاح الاقتصادي.

ولأن أوكرانيا لازالت في مرحلة تقابل مرحلة الانفتاح في مصر، كانت التربة السياسية مرحبة بالتدخل الأمريكي والتحول الليبرالي، بل لم يرى البعض بإمكانية وجود حلول أخرى. وكما كان متوقعا، لم يفد ذلك التحول الشعب الأوكراني حتى الآن. بل على العكس من ذلك دخلت أوكرانيا في مرحلة ليبرالية متوحشة سميت بالثورة الشعبية! وساهم الكثيرون بحسن نية وسوء تقدير وتأليه للحلم الأمريكي في هذا التحول الذي فتح الباب على مصراعيه للنهب والإفقار الذي لم يحل الأزمة السياسية التي ما تزال مستمرة الى الآن في شكل مسرحيات هزلية جديدة.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s