ملف (كيف تسقط الأنظــمة الديكتاتورية؟) سقوط سوهارتو ملك الحرامية

 وائل جمال ـ رباب المهدي ـ دينا جميل ـ محمد واكد

الاشتراكي

21 مايو 2006

في السادس من مارس 1998 اعتقلت السلطات الإندونيسية رئيس تحرير إحدى المجلات الأسبوعية لمجرد أنه نشر رسما كاريكاتيريا يصور الرئيس سوهارتو كورقة “الشايب” في الكوتشينة بتعليق يشير لرغبته في الحكم للأبد. وفي 21 مايو، أي بعد أسابيع قليلة، أسقطت الحركة الجماهيرية الديكتاتور وحاشيته محولة إياه للمحاكمة. هذا السقوط، الذي كان يبدو قبل وقوعه غير محتمل، وكان يبدو بعد وقوعه مفاجئا، هو سمة أساسية للطريقة التي تسقط بها نظم الحكم الديكتاتورية، لكنه، كما كان الحال في إندونيسيا، لا يأتي بدون إشارات.

 

أزمات

 عندما يقترب أجل النظام الطبقي الحاكم يستمر النظام في نفس الأساليب التي استخدمها على مدى سنوات حكمه. لكن هذه الأساليب تصبح عديمة الفعالية، بل وإذا وضعت في سياق الأزمة الاقتصادية السياسية التي عادة ما تصاحب هذه الفترة، فإنها تعكس ضعف النظام وتهافته لا قوته واستقراره.

وفي إندونيسيا، حكم سوهارتو على مدى اثنين وثلاثين عاما بالحديد والنار. لكن السبعة عشر عاما الأخيرة شهدت تحولات خلقت خصوصية الانتفاضة الإندونيسية ومهدت لها. فبعد سنوات من إتباع نظام سوهارتو – المدعوم أمريكيا – سياسة العزلة الاقتصادية المصحوبة كالمعتاد بسيطرة بيروقراطية الدولة على مقاليد الأمور في السياسة والاقتصاد، شهدت الثمانينيات تحولا جذريا. فقد فتح سوهارتو الباب للاستثمارات الأجنبية ورأس المال الخاص. وتزامنت هذه التوجهات مع صعود اقتصادي متواصل جعل إندونيسيا واحدة من الدول القائدة لمعجزة النمور الآسيوية.

لكن الأزمة الآسيوية جاءت لتكشف عورات هذا النمو الاقتصادي، الذي اعتمد على معدلات هائلة من الاقتراض لمواكبة المنافسة المحتدمة في آسيا، لينكشف عبء دين خارجي تراكم ليصل إلى 130 مليار دولار. فقدت العملة الإندونيسية ثمانين في المائة من قيمتها في أقل من تسعة أشهر، كما فقد عشرون مليون شخص وظائفهم. وتدخل البنك الدولي سريعا ليفرض حزمة سياسات مصحوبة بقرض 43 قيمته بليون دولار. وكانت النقطة الفاصلة في الأزمة هي طلب الصندوق رفع الدعم عن السلع الأساسية والذي تم فعلا بنهاية أبريل 1998 مطلقا العنان لأسعار البنزين والسلع الغذائية الأساسية.

هذا النمو الذي انتهى بانهيار فاقم أزمة النظام السياسية. فقد أصبحت جميع الطبقات الاجتماعية في مايو 1998 غير راغبة في استمرار سوهارتو في الحكم.

خلق النمو طبقة عاملة ضخمة (وصلت لثمانين مليون) عانت طويلا من ظلم الديكتاتورية وغياب النقابات وانخفاض الأجور. وعندما جاءت الأزمة الاقتصادية، لم يكن أمام الطبقة العاملة أي شي لتفقده. من ناحية أخرى خلق النمو الاقتصادي طبقة وسطى قوية، كانت بالطبع مرتبطة بمصالح النظام القائم. لكن تفاقم الفساد، جعلها ناقمة بشدة على طريقة سوهارتو في الحكم والاحتكارات الاقتصادية والسياسية الخاصة بأقربائه وحاشيته. هذا الغضب شمل أيضا بمظلته الطلاب. بل إن وزارة سوهارتو نفسها انقلبت عليه في الأيام الأخيرة للانتفاضة بعد أن وجدت أن استمراره يهدد استقرار نظام انتزاع فائض القيمة من العمال واستغلالهم.

عشرة أيام هزت إندونيسيا

فجرت الأزمة الاقتصادية غضب الإندونيسيين المتراكم على مدى 32 عاما. وخرج هؤلاء، وأغلبهم لم يضعوا أنفسهم أبدا في موقع المعارضة لنظام سوهارتو، ليحتجوا على ارتفاعات الأسعار ثم ليطالبوا برحيل سوهارتو ورجاله بعد أن أعطاهم التمرد الذي شهدته الشوارع بشكل عفوي الثقة لعمل ذلك. وبدأ من كانوا يعملون تحت الأرض في الظهور وظهرت مجالات لتأسيس نقابات قاعدية ولجان عمل شعبية.

في مطلع 1998، امتدت المظاهرات وشغب الشوارع إلى جميع الجزر الإندونيسية وكان الشكل الأساسي للاحتجاج في يناير هو الإضرابات ثم سيطر الشغب على الحركة في فبراير وبدءا من مارس أصبح الطلاب في القيادة. ثم تداخلت كل هذه الأشكال في مايو. وكان يوم 12 مايو نقطة الانطلاق بعد أن قتل الجنرال ويرانتو قائد القوات المسلحة ستة طلبة أثناء مشاركتهم في المظاهرات. لتتخذ الأزمة مسارا متصاعدا حتى محاصرة المحتجون البرلمان لينتهي الأمر بسقوط سوهارتو في الحادي والعشرين من مايو، وإن لم تسقط الطبقة الحاكمة.

ثورة أم لا؟

  يدفع هذا البعض للقول بأن ما حدث في إندونيسيا لم يكن ثورة اجتماعية بل لم يكن ثورة على الإطلاق. لكن هذا التحليل ليس دقيقا. فما حدث في إندونيسيا هو ثورة سياسية غيرت الطريقة التي تدير بها الطبقة الحاكمة التوازن السياسي وأعطت الطبقة العاملة والمضطهدين مساحة حركة سياسية ونقابية وتنظيمية لم تكن متاحة من قبل. والأهم من ذلك هو أن هذا التغيير كان النتيجة المباشرة لحركة الجماهير الكادحة من أسفل وتتويجا لنضالاتهم التي أجبرت الطبقة الحاكمة على بلع مرارة الوضع الجديد.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s