ملف (كيف تسقط الأنظــمة الديكتاتورية؟) هل كانت الثورة الإيرانية إسلامية؟

 وائل جمال ـ رباب المهدي ـ دينا جميل ـ محمد واكد

الاشتراكي

21 مايو 2006

في فبراير 1979 كان إعلان تأسيس حكومة إسلامية في إيران يرأسها الخميني، ومنذ هذا الوقت وحتى الآن والكل ينظر إلى ما حدث في إيران كنموذج للثورة الإسلامية. ولكن أحدا لا يتساءل هل كان ما حدث في إيران حقا ثورة إسلامية؟ النظرة المتفحصة على ما حدث في إيران تثبت لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن الثورة لم يكن قدرا أن تؤدي إلى حكومة إسلامية. فما الذي حدث بالضبط في إيران؟

 

إيران عشية الثورة

منذ منتصف السبعينات بدأت إيران تعاني من أزمة اقتصادية عنيفة. لجأ الشاه في مواجهة هذه الأزمة إلى فرض إجراءات تقفشية على الجماهير الفقيرة لتحميلها ثمن أزمة لم تصنعها. كان من نتيجة هذا أن ارتفعت معدلات البطالة وانخفضت الأجور الحقيقة للعمال الصناعيين. وفي مواجهة هذه الأزمة والأوضاع الاقتصادية المتردية وفي مواجهة ديكتاتورية الشاه شهد النصف الثاني من 1978 اندلاع موجة واسعة من الإضرابات العمالية في جميع أنحاء إيران. وفي مواجهة هذا التصاعد لجأ الشاه إلى تشديد آلة القمع؛ فأعلنت الأحكام العرفية وقتلت الشرطة آلاف المتظاهرين في “يوم الجمعة السوداء” في 8 سبتمبر 1978.

ولكن، وعلى عكس توقعات الديكتاتور، لم يسفر هذا القمع عن إخماد الحركة العمالية، بل زاد من انتشار الإضرابات لتنضم معظم القطاعات العمالية إلى حركة الإضرابات. قوة حركة الإضرابات كانت سببا في إصابة الاقتصاد الإيراني بالشلل التام مع نهاية 1978. وعلى الرغم من لجوء الشاه إلى بعض الإجراءات الإصلاحية مثل زيادة الأجور والقبض على بعض المسؤولين الفاسدين، إلا أن هذا لم يخدع العمال والجماهير ولم يوقف حركة الإضرابات. امتدت الحركة إلى الجيش والشرطة حيث ظهرت حركات للعصيان، وهكذا لم يعد أمام الشاه سوى الرحيل تاركا السلطة.

كانت الثورة الإيرانية صنيعة العمال، وفقراء المدن، وبعض أقسام الطبقة الوسطى، وصغار التجار، الذين عانوا من سياسات الشاه الاقتصادية، ومن نظامه الديكتاتوري.

المعارضة الإيرانية

ولكن حتى نفهم كيف أدت الثورة الإيرانية إلى وصول السلطة لأيدي الإسلاميين علينا أولا أن نلقي بعض الضوء على طبيعة القوى السياسية المعارضة في إيران قبل الثورة.  كانت القوتان المعارضتان الأساسيتان في إيران هما: اليسار والملالي.

تمثل اليسار بالأساس في حزب تودة الشيوعي ومنظمتي “فدائيي خلق” و”مجاهدي خلق”. تبنى حزب تودة استراتيجية مبنية على نظرية المراحل والتي كانت تعني عمليا أن الثورة الممكنة في إيران هي ثورة “وطنية ديموقراطية” تقوم البرجوازية خلالها بقيادة صراع يستهدف القضاء على السيطرة الاستعمارية وإرساء الديموقراطية وتحقيق التنمية. وبالتالي فالتحول نحو الاشتراكية لا يمكن أن يحدث إلا بعد إتمام هذه المرحلة حيث سيكون على الطبقة العاملة أن تلعب دورا ثوريا لإتمام هذا التحول. منظمة فدائيي خلق من ناحية ثانية كانت ترى أن إيران انتقلت من النظام الإقطاعي إلى النظام البرجوازي العميل للاستعمار وأن النضال الوحيد الممكن يتمثل في شن صراع مسلح وحرب عصابات ريفية بهدف تحرير إيران من العملاء المحليين للإمبريالية. أما ثالث المنظمات اليسارية فقد كانت منظمة “مجاهدي خلق”. تبنت هذه المنظمة هي الأخرى موقف معادي للاستعمار ولكن داعي لقيادة القادة الدينيين لحركة المعارضة ولإبراز البعد الثوري للإسلام الشيعي.

أما القوة المعارضة الأساسية الأخرى فقد كانت الملالي (الاسم الفارسي لرجال الدين) الذين كانوا منظمين من خلال الجوامع وعلى صلة وثيقة بالبازار (المؤسسة التقليدية التي ينتمي إليها الحرفيون والتجار والممولون الصغار والمتوسطون في إيران) وكان آية الله الخميني زعيما لهؤلاء الملالي.

الخميني يصل للسلطة

في الحقيقة لم يكن وصول الملالي للسلطة حتميا. فعندما عاد الخميني إلى إيران في أول فبراير 1979 كان الصراع لا يزال مشتعلا. لم يكن بوسع الخميني خلال الشهور التالية على الثورة أن يفرض سيطرته على مقاليد الأمور. فكل الأحداث والإضرابات وتمردات الجيش التي أدت إلى الثورة حدثت بعيداً عنه وعن تأثيره. أما السلطة الفعلية داخل المدن فقد كانت في أيدي العديد من اللجان المحلية التي شكلتها الجماهير بمبادرتها. وكانت الجامعات تحت سيطرة اليسار ومجاهدي خلق. أما داخل المصانع فقد أسست جماهير العمال “المجالس المصنعية”، وأسمها الفارسي “شورى”, وهي المجالس التي تحدت الإدارة وبدأت في انتزاع السيطرة على تنظيم الإنتاج لصالح سيطرة العمال. أما في المناطق التي سكنتها الأقليات العرقية فقد ظهرت هناك حركات سياسية تناضل للحصول على حق تقرير المصير.

أما السلطة نفسها فقد كانت تتنازعها قوتان: الحكومة المؤقتة بقيادة “مهدي بزرجان” وهو إسلامي معتدل، ومجلس ثوري شكله الخميني وعمل كمركز بديل للسلطة حيث التفت حوله مجموعة من الملالي والمثقفين الإسلاميين المرتبطين بالبازار.

تعاون أنصار الخميني مع حكومة بزرجان في محاولات سحق المجالس المصنعية والحركات القومية الانفصالية. بصياغة أخرى، وبعد أن أدى المد الثوري إلى الإطاحة بالشاه بدأ الخميني في محاولة لوأد هذا المد وقمعه هو وكل نزعات التمرد والتحرر في المجتمع، وبالطبع نالت الطبقة العاملة واليسار النصيب الأوفر من هذا القمع.

لكن وحتى هذه اللحظة لم يكن الخميني قادرا على إحكام سيطرته على الحكم بعد. فمن ناحية كان المد الثوري أقوى من أن يتم قمعه بسهولة. ومن ناحية أخرى فالمجموعة المحيطة ببزرجان من إسلاميين معتدليين وليبراليين قد قويت شوكتها, وهكذا فقد كان على الخميني أن يجد الوسيلة الملائمة لتغيير هذا الوضع حتى يستطيع أن يحكم سيطرته.

وبالتالي ففي نوفمبر 1979 قام حزب الجمهورية الإسلامية التابع للخميني بدفع الطلاب المواليين له لاحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن داخلها ليدخلوا بذلك في مواجهة مع الإمبريالية الأقوى في العالم، وليكون هذا بداية لنمو موقف جذري معادي للإمبريالية داخل الحزب. حقق هذا التحول شعبية ضخمة لحزب الجمهورية الإسلامية الذي بدأ في اتباع سياسات استبدال المسؤليين غير الإسلاميين بغيرهم والتي نجحت في أن تخلق قاعدة اجتماعية واسعة للحزب. فقد أتاحت هذه السياسة لشريحة جديدة من أصول طبقية برجوازية صغيرة أن تحتل مواقع السيطرة والمناصب المرموقة في شتى القطاعات وارتبط هذا الصعود بولائهم للخميني وبالطبعة الخمينية للإسلام.

ومع حلول صيف 1981 كانت الأمور قد استتبت تماماً لصالح الخميني. فقد تم القضاء على كافة حركات التحرر والتغيير، كذلك انهارت المجالس المصنعية بسبب القمع والإحباط.

Advertisements

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s