المشاركة بين القطاعين العام والخاص.. (تروجان هورس) الخصخصة

وائل جمال

الشروق

4 مايو 2010

«تروجان هورس»، أو حصان طروادة، هو فيروس ربما وجدته يوما على جهاز الكمبيوتر الخاص بك. وفيروس «تروجان هورس» هو عبارة عن شفرة صغيرة يتم تحميلها لبرنامج رئيسى من البرامج ذات الشعبية العالية، ويقوم ببعض المهام الخفية، غالبا ما تتركز على إضعاف قوى الدفاع لدى الضحية أو تقويضها ليسهل اختراق جهازه وسرقة بياناته، بحسب تعريفه على الموسوعة الحرة ويكيبيديا.

وفى أدبيات الاقتصاد فإن ما يسمى المشاركة بين القطاعين العام والخاص هو أحد الأساليب المعتمدة للخصخصة. لكنه أسلوب خاص يتميز باستمرار وجود الدولة «بصورة ما» فى النشاط الاقتصادى، الذى عادة ما يتجاوز النطاق الإنتاجى العادى إلى المرافق والخدمات العامة ومشروعات البنية الأساسية، وهو بالتالى أكثر المراحل تقدما وعمقا فى الإيمان بالقدرة والدور الاقتصاديين للقطاع الخاص.

لكن الأهم من هذا هو، كما يشير التشبيه بفيروس حصان طروادة، الذى أقتبسه من إحدى الدراسات المهمة عن الآثار الاجتماعية لهذه السياسة، هو ما تستدعيه التسمية من وقع إيجابى بعيدا عن كلمة الخصخصة المكروهة بالنسبة لكثيرين.

وفى مصر ظهرت الكلمة فى خطاب الوزراء وقيادات الحزب الوطنى مرارا وتكرارا على مدى السنوات القليلة الماضية، خاصة بعد أن أصبحت أشكال الخصخصة المباشرة تواجه بمعارضة كبيرة تكاد توقف بيع القليل الباقى من محفظة الدولة، وبالذات بعد أن جربت الدولة أسلوبا جديدا يتميز بقدرته على كسب التأييد الشعبى، لما ينطوى عليه من توزيع للأصول على المواطنين، هو مشروع الصكوك الشعبية، فلم يصمد إلا قليلا أمام موجات الرفض من المعارضة وداخل الحزب الوطنى على حد سواء. ولم يبق هكذا أمام الحكومة وحزبها إلا المشاركة بين القطاعين العام والخاص.

ولم تقترن الخصخصة فى أى لحظة بالمشاركة بين القطاعين العام والخاص فى الإشارات المتكررة من الوزراء ولا فى النقاش التحضيرى المحدود لمشروع القانون، الذى أقر مؤخرا من حيث المبدأ وفى هدوء شديد من مجلس الشعب. وإنما ارتبطت الفكرة بالأساس بعدم قدرة الدولة على تمويل المشروعات التنموية المطلوبة والدور الاجتماعى المطلوب من القطاع الخاص فى التنمية وخدمة المجتمع..الخ.

وهذا التبرير كلاسيكى فيما يتعلق بهذا الأسلوب من الخصخصة. يضاف إليه تبرير آخر تبوأ مكانا متأخرا فى خطاب الحكومة عن مشروع القانون: هو أن كفاءة القطاع الخاص أعلى من الدولة فى إدارة النشاط الاقتصادى. وظهر هذا المنطق فى مقال نادر كتبه رئيس لجنة الخطة والموازنة أحمد عز الأسبوع الماضى فى المصرى اليوم، اعتبر فيه أن المنطلق الأول وراء القانون هو «تغير دور الدولة». ولا تدع خيالك يذهب بعيدا. فتغير دور الدولة هنا هو معكوس ما يحدث فى العالم حاليا، من عودة للدولة التى تؤمم البنوك والمؤسسات الصناعية الكبرى فى الولايات المتحدة وغيرها بعدما أسقطها القطاع الخاص مهددا بمخاطر نظامية تهدد الاقتصاد المالى والإنتاجى كله. لكن عز يعيد علينا ما سمعناه مرارا وصار أيقونة بعد انهيار الاتحاد السوفييتى أوائل التسعينيات من القرن الماضى: «دور الدولة يتحول من اللاعب إلى الحَكَم..

الحَكَم فى هذه الأحوال تكون لديه سلطة المنح والمنع.. التأكد من سلامة المنافسة.. الأهم من ذلك، تكون له سلطة إظهار الكروت الصفراء مع أى تقاعس.. والحمراء إذا تم الإخلال بقواعد اللعب»، يقول عز.

للأسف هناك فجوة زمنية أو ما يسمى بالإنجليزية Time Lag فى منطلقات رئيس لجنة الخطة. فقد كان هو السياسة المتبعة والموقف النهائى قبل 20 عاما. لكن وأن تقوله بعد الأزمة المالية العالمية، وبعد أن صار أمثال بول كروجمان المعادون لهذا التقدير، يحصلون على جائزة نوبل فى الاقتصاد، وبعد أن صارت الحكومات جميعا تعيد النظر فى سياسات إجماع واشنطن، فهو الغرابة بعينها. نعم دور الدولة تغير فى الـ3 سنوات الأخيرة. لكنه تغير فى الاتجاه العكسى.

ولربما كانت خصخصة الخدمات والمرافق ومنها المياه والكهرباء، وهو ما تعدنا مشروعات المشاركة بنسخة منه، سببا أساسيا فى تراجع شعبية الخصخصة أكاديميا وشعبيا. وتكفى هنا الإشارة إلى عملية دخول القطاع الخاص للسكك الحديدية فى بريطانيا. فقد أثبت القطاع الخاص البريطانى أنه غير قادر على توفير التمويل والاستثمارات الطويلة المدى، التى يقول رئيس لجنة الخطة فى مقاله إنها لا تؤتى ثمارها إلا على المدى الطويل. وبرغم رفع الأسعار على المستهلكين تراجعت الخدمة وزادت حوادث الطرق. ثم اضطرت حكومة بلير فى النهاية إلى ضخ مليارات من الجنيه الإسترلينى سنويا كاستثمارات. أما عن دخول القطاع الخاص فى مياه الشرب فحدث ولا حرج ولها مقام آخر قريب.

لكن وجود الدولة هنا من خلال ما يسمى بالشراكة مهم جدا. لأن الدولة، كما فعل بلير، هى المسئولة فى النهاية عن ضمان الخدمات الأساسية، وفى نفس الوقت ستكون مسئولة عن ضمان الأرباح للقطاع الخاص.

تتحول الدولة فى مثل هذه المشروعات مما يسمى بالملجأ الأخير للإقراض Lender of Last Resort على طريقة جنرال موتورز وفانى ماى إلى دعامة مستمرة لأرباح القطاع الخاص، الكسول والمتشكك، الذى ستنفتح أمامه دون معارك شبيهة بعمر أفندى، «طاقة قدر» فى أسواق تشمل كل السكان فى سلع قد لا يستطيع أحد الاستغناء عنها بلا مخاطر تقريبا.

فى الأسطورة دام حصار الإغريق لمدينة طروادة عشر سنوات، فابتدع الإغريق الحيلة حصانا خشبيا ضخما أجوف مليئا بالمحاربين الإغريق بقيادة أوديسيوس، أما بقية الجيش فظهر كأنه رحل بينما فى الواقع كان يختبئ وراء تيندوس، وقبل الطرواديون الحصان على أنه عرض سلام. وقام جاسوس إغريقى، اسمه سينون، بإقناع الطرواديين بأن الحصان هدية، فأمر الملك بإدخاله إلى المدينة فى احتفال كبير.

احتفل الطرواديون برفع الحصار وابتهجوا، وعندما خرج الإغريق من الحصان داخل المدينة فى الليل، كان السكان فى حالة سكر، ففتح المحاربون الإغريق بوابات المدينة للسماح لبقية الجيش بدخولها، فنهبت المدينة بلا رحمة، وقتل كل الرجال، وأخذ كل النساء والأطفال كعبيد. ويفعل فيروس «تروجان هورس» فعلا مماثلا فى أجهزة الكمبيوتر. فحذار.

 

 

 

One comment

  1. شكلنا داخلين على مرحلة غير مسبوقة في إدارة المياه في مصر. لكن ربما تكون هذه القشة التي ستقسم ظهر البعير. يا رب تكون هي.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s