لعبة الانتخابات العراقية.. انقلاب السحر على الساحر الأمريكي

وائل جمال

أوراق اشتراكية

يناير ـ فبراير 2006

لا زالت المقاومة العراقية هي العنصر الحاسم في لعبة الصراع الدائرة. وضع الدستور واجراء الانتخابات التشريعية لم يأتيا بالاستقرار، أو حتى ببوادر منه. بينما تزداد المقاومة اشتعالاً، كما تزداد صلابتها وقدرتها على التحدي. على جانب آخر سنجد الإدارة الأمريكية وقد بدأت تشعر بالهزيمة في العراق، وباتت تتعامل مع الوضع بمنطق تقليل الخسائر. وائل جمال يكتب عن الوضع الراهن هناك مع إعلان نتائج الانتخابات.

لم تفلح الانتخابات التشريعية العراقية، التي أجريت منتصف شهر ديسمبر الماضي، فيما كانت الولايات المتحدة تأمل فيه. فبعد أن تصور الجميع أن الهدوء الذي ساد يوم الانتخاب والإقبال الذي شهدته مراكز الاقتراع علامة على نجاح الانتخابات في جذب العراقيين للترتيبات السياسية القائمة حالياً، جاءت نتيجة الانتخابات وواقع الأمور على الأرض بما لا تشتهي الإدارة الأمريكية ولا أذنابها في بغداد.

فبمجرد انتهاء الانتخابات تبددت أحلام الأمريكيين وعادت العمليات بطول وعرض العراق ليُقتل في المواجهات، بين الشرطة العراقية والمقاومة في يومين فقط هما الرابع والعشرون والخامس والعشرون من ديسمبر، ما يصل إلى خمسين شخصاً.

لكن الأهم هو تداعيات نتيجة الانتخابات نفسها. فالنتائج (التي يشوبها التزوير في بعض المناطق حتى بحكم اللجنة العليا للانتخابات) أعطت الأسبقية للشيعة. وسيسيطر هؤلاء على أغلب مقاعد البرلمان التي تبلغ 275 مقعداً بقيادة التحالف العراقي الموحد الذي سيحصل على ما بين 120 و130 مقعداً. أما التكتل الكردي فلن يتجاوز عدد مقاعده الخمسة وأربعين. لكن الأهم هو أن جبهة التوافق العراقية، وهي تحالف للأحزاب السنية جنباً إلى جنب مع تحالف آخر للأحزاب السنية العلمانية وهما أكبر ممثلي سنة العراق، لم يحصلا سوى على خمسين مقعداً فقط.

هذه النتيجة تولد وضعاً متفجراً. فالسنة، الذين حاولوا هذه المرة تفادي ماحدث أثناء مقاطعة التصويت على الدستور العراقي بالتعبئة للتصويت هذه المرة، لم ينالوا ما يجعلهم يقبلون الاستمرار في الترتيبات القائمة. وهكذا أتت أولى السهام الموجهة للانتخابات من جانبهم. حيث وصفوا النتائج بالملفقة. وخرجت تظاهرات حاشدة وصلت إلى نصف مليون شخص في شوارع بغداد والعراق للتنديد بهذه النتائج وللمطالبة باعادة الانتخابات مرة أخرى.

المشكلة بالنسبة للأمريكيين هي أنهم هم أيضاً لم يرغبوا في هذه النتيجة. فخلال الحملة الانتخابية كانت هناك علامات على رغبتهم في تقليل نفوذ التحالف العراقي الموحد بسبب علاقته بإيران، وبسبب رغبتهم في إدماج السنة في النظام السياسي التابع لهم، وهو ما قد يضعف المقاومة العراقية التي يسيطر عليها السنة. ومن ثم انسحبت القوات الأمريكية من بعض المناطق والمدن السنية، وهو ما سمح حتى لمقنعين ينتمون للمقاومة بتنظيم التصويت في حالات رصدتها وسائل الاعلام. أيضاً جاءت زيارة ديك تشيني المفاجئة للعراق في التاسع عشر من ديسمبر، والتي جاءت مفاجئة حتى للرئيس العراقي نفسه، كمحاولة لترتيب الأمور قبيل إعلان النتائج. لكن النتيجة لم تأت كما يريد الأمريكيون.

فمن ناحية، كان التصويت دائماً في غير صالح الوجوه السياسية والتحالفات السياسية القريبة منهم سواء من السنة أم من الشيعة. وهكذا حصلت قائمة إياد علاوي، التي حظت بدعاية كبيرة، على 12% فقط من الأصوات وما لايزيد على 30 مقعداً. ومن المعروف أن علاوي هو أول رئيس وزراء للعراق تحت الاحتلال وينظر اليه كوجه قريب للإدارة الأمريكية ومخابراتها. أيضاً سقطت قائمة المؤتمر الوطني العراقي بقيادة أحمد الجلبي سقوطاً ذريعاً ليستكمل رحلة تهاويه السياسي بعد أن كانت واشنطن تعتبره في بداية الغزو الحصان الأسود لها في العراق.

ومن ناحية أخرى، فإن البرلمان العراقي بصورته الحالية يكفل للشيعة عرقلة أي محاولات لتعديل الدستور العراقي الذي أقر مؤخراً والذي يرفضه السنة لما فيه من تقليل من سلطة الحكومة المركزية وبسبب البنود التي تتيح للمقاطعات العراقية الانفراد بالنفط الموجود في أراضيها دون الرجوع للحكومة المركزية. ومثل هذه التعديلات ربما كانت شرطاً أساسياً لإعادة إدماج السنة في العملية السياسية لاكسابها شرعيتها المفتقدة.

ويزيد الضغط الداخلي في الولايات المتحدة الأمر سوءاً بالنسبة لإدارة بوش. فقد اضطره هذا الضغط بفعل ما حدث في إعصار كاترينا، وبسبب المعارضة الديمقراطية في الكونجرس، إلى سحب فصيلين عسكريين كاملين من العراق. وهو الأمر الذي حاول الأمريكيون تصويره على أنه علامة على إيمانهم المتزايد باستقرار الأمور هناك.

لا شك أن مأزق الانتخابات العراقية هو جزء من المأزق الأمريكي الشامل في العراق. الأمريكيون سعوا، كقوة استعمارية كلاسيكية، إلى تفتيت جبهة فقراء وكادحي العراق من خلال اللعب بكارت التقسيم الطائفي. ومن ثم تمت تذكية القوى السياسية ذات الطابع الطائفي، سنية كانت أم شيعية أم كردية. ولكن هذا التقسيم، بالرغم من خطره على قوى المقاومة، ينفجر الآن في وجه الأمريكيين. الانتخابات أوضحت أن القوى “الطائفية” المعارضة للاحتلال هي الأقرب للشارع، وأوضحت أن دمج كل الطوائف في العملية السياسية الجارية أمر أصبح أقرب للمستحيل. المقاومة تكتسب نفوذاً على هذا الأساس. يبقى فقط أن تتوحد المقاومة وأن تصبح إطاراً لكل العراقيين الذين، بغض النظر عن طائفتهم، لن يستفيدوا من احتلال همجي هدفه هو نهب الشعب وإرساء العراق كنموذج وقاعدة للهجوم على بقية شعوب المنطقة.

 

 

 

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s