الشريك الجديد فى حگم مصر

وائل جمال

الشروق

22 يونيو 2010

عام 1986 نشرت سامية إمام رسالتها الشهيرة للماجستير فى كتاب، تحت اسم «من يملك مصر؟ دراسة تحليلية للأصول الاجتماعية لنخبة الانفتاح الاقتصادى فى المجتمع المصرى». استعرضت إمام فيها التحولات الكبيرة التى تسبب فيها الانفتاح الاقتصادى، والتى خلقت نخبة جديدة من أصحاب رءوس الاموال.

وقد كان مما وصلت اليه الدراسة، التى اثارت ضجة كبيرة وقتها، أنها عرّت الزواج بين المال والسياسة، وكشفت الآليات الجديدة التى يسرها الانفتاح لإيجاد طبقة جديدة من رجال الأعمال عبر تراكم أولى بدائى لرءوس الأموال عبر التوكيلات وربما عبر الفساد.

وبعد ما يقرب من ربع القرن من وقت صدور كتاب سامية إمام، تبدو المهمة أمامنا شبه مكتملة، بعد أن تبلورت طبقة من رجال الأعمال لم تعد تستند بالاساس على علاقات المصاهرة والارتباط بجهاز الدولة، وإن ظل ذلك موجودا وله دور.

فقد شهدت الست سنوات الماضية، التى مثلت انتصارا هائلا لأنصار تحرير الأسواق فى السلطة، نموا لدور اصحاب الشركات الكبرى فى المجتمع وفى السياسة، بما يظهر من تمثيل مكثف ومسيطر فى أغلب مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى، من الوزارة للبرلمان للأحزاب، وقنوات التليفزيون والراديو، وحتى نوادى كرة القدم.

كل هذا لم يعد يستند فقط على مجرد صلة قرابة، أو علاقة فساد عابرة أو حتى منظمة، مع عناصر من البيروقراطية، لكن صار له اساس مادى فى تطور الاقتصاد والمجتمع، ووضعية مؤسسية تتجاوز الأفراد لحد غير قليل مبنية على قوة جديدة اقتصادية سياسية: الشركات الكبرى.

ففى ربع القرن هذا تحولت الشركات الكبرى من عالة على الدولة، طفيلى غير منتج يعيش على التصدير والاستيراد، إلى القوة المنتجة الاولى فى البلاد وفى اقتصادها، مع اطلاق العنان لأرباحها ونموها على حساب أى شىء آخر.

ونمت مساهمة القطاع الخاص فى الناتج المحلى الاجمالى لمصر (بتكلفة عوامل الانتاج والاسعار الجارية) لتصل إلى ذروتها فى الفترة من يوليو حتى ديسمبر 2009 عند 64.1% منها زيادة بنحو 1.5% فى عام واحد، وهذه زيادة لو تعلمون عظيمة.

الخلاصة انه على الارض لم يعد القطاع العام مسيطرا على الاقتصاد، وبالتالى فقدت بيروقراطية الدولة ومسئولوها ثقلا غير قليل.
وعلى العكس مما كان الوضع عليه فى حقبة الانفتاح، من ان نخبة المال الجديد ريعية غير منتجة، تقوم على التجارة والتصدير والاستيراد… الخ،

كما كانت المعارضة المصرية للانفتاح واغلب أدبيات الاقتصاديين المصريين تقول وقتها، فإن عالم الشركات الجديد فى مصر عالم منتج بل ومنافس فى السوق العالمية. فقد صار لدينا شركات عابرة للقوميات بالمعنى الحرفى. وتتجاوز قيمتها السوقية مليارات الدولارات كالسويدى للكابلات، أوراسكوم للانشاء والصناعة، عز لحديد التسليح، ماريدايف للخدمات البحرية، وغيرها.

وفى القطاع المالى تظهر هذه الصورة بشكل أوضح. فلدى مصر 3 شركات مالية تدير محافظ استثمارات تتجاوز قيمتها 120 مليار جنيه، فى جميع القطاعات، فى مصر وخارجها، مما يجعل منها قوة ذات بأس كبير.

ولربما كانت هذه الشركات هى المستفيد الاول، كما كان الوضع فى كل دول العالم التى تبنت أجندة تحرير الاسواق بلا استثناء، من النمو الاقتصادى فى السنوات الاخيرة. فنظرة إلى معدلات نمو نشاط هذه الشركات وهوامش ارباحها ونمو ربحيتها، تفسر لنا كيف توجت هذه التحولات مسيرة أكثر من 35 عاما من تاريخ الرأسمالية المصرية.

هذه شركات لا تعمل فقط فى مصر، بل تشتغل فى دول عديدة بالمنطقة وخارجها. ولديها حصة من السوق العالمية وثقل فيه. فما بالك بالسوق المحلية. وهذا الحجم والتأثير للشركات الكبرى فى مصر صار مقترنا بأوضاع احتكارية فى حالات غير قليلة، وبضعف مؤسسى فى تنظيم الاسواق والمنافسة فى العموم، مما أعطاها وزنا غير مسبوق فى حياة المصريين.

ولا تقتصر أهمية الشركات، وأصحابها الذين صار بعضهم وزراء، على السياسة والصفقات الكبرى. فقد صار نفوذها ونفوذهم فيما نأكل ونشرب، فيما نلبس ونركب، وفيما نسمع وندندن ونشاهد فى السينما والقنوات الرياضية، غير محدود. فى الخارج تقلل جمعيات واتحادات المستهلكين من هذه السطوة وتحاول تحجيمها، ولا تستطيع.

وعندنا لا وجود لهذه الحركات، مما يتركنا جميعا تحت رحمتها ورحمة إعلاناتها واعلامها وانماط الاستهلاك التى تروجها. جرب فقط ان تعترض على جودة الساندوتش الذى تأكله حتى لو قبلت بثمنه المرتفع، وستعرف بما لا يدع مجالا للشك أى ميزان للقوى بين الشركات وعموم المواطنين المستهلكين.

فى يناير الماضى كتب الاكاديمى والمثقف الأمريكى الكبير ناعوم تشومسكى عن قرار للمحكمة الأمريكية العليا لا يسمح للحكومة بمنع الشركات الكبرى من تمويل الانتخابات، واصفا يوم اصداره بأنه يوم اسود فى تاريخ الديمقراطية الامريكية، ومعتبرا اياه امتدادا لاستيلاء هذه الشركات على النظام السياسى فى الولايات المتحدة. وفى مصر لا يوجد هذا القانون من الأصل ولا شىء ينظم دورها فى الحياة العامة.

قبل قرن من الآن وصف الرئيس الثامن والعشرون للولايات المتحدة توماس وودرو ويلسون، وكان أكاديميا وقتها، أمريكا «تمتلك فيها مجموعات صغيرة نسبيا من الرجال، من قيادات الشركات، سلطة وتحكما فى الثروة والتعاملات الاقتصادية، تجعل منها منافسا للحكومة نفسها».

ولا تبتعد المحروسة كثيرا عن هذا فى 2010 فيما يكشف عن وجهه فى وجود مباشر لهؤلاء فى الحكم كشريك صار يصعب التخلص منه، أو تجاهله، من قبل تحالف نخبة السلطة الذى يحكمنا منذ 1952. شريك يمتلك كل سبل القوة والبطش فى الرزق والعيش. شريك وجوده يخلق تحديا اضافيا للديمقراطية فى مصر.

Advertisements

One comment

  1. I can go on till forever to talk about the fraud and endless corruption I saw with my own eyes related to M. Mansour, Y. Mansour, El Maghraby and Co. …etc. as an example; and how this all negatively affected many of us in both direct and indirect ways, how it harmed the everyday lives of millions of Egyptians. We could speak about housing, automotive, transportation, maritime, finance, even supermarkets…really endless. Even in terms of CSR how they only helped out American companies at the end….it’s a vicious circle. This should stop at a point; we need a very solid mechanism & to fight corruption. And needed is of course a fair and transparent legal system; as well as an accountable & responsive government. Ya rab.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s