برلمان ما بعد الثورة والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – العلاقة مع المؤسسات الاقتصادية الدولية

وائل جمال

هذه ورقة تم تقديمها لمنتدى البدائل العربي للدراسات في مايو ٢٠١٢ وهي تقدم بعض البدائل لقرض الصندوق ولسياسات التقشف والمنهج الذي تمليه علينا المؤسسات المالية الدولية.

لم تختف المؤسسات المالية الدولية الكبرى أبدا من الصورة في مصر خلال السنوات الماضية، لكن وجودها خفت وأصبح في الخلفية بينما عكفت حكومة أحمد نظيف على تطبيق، هو الأعمق من نوعه للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي طالما روجت لها هذه المؤسسات أحيانا وحرصت على فرضها أحيانا أخرى.

وبينما خرج ثائرو يناير، من ضمن ما خرجوا بسببه، للاحتجاج على هذه السياسات وتبعاتها على مستويات المعيشة وفرص العمل والانحياز الاجتماعي الصارخ الذي ولدته، عادت هذه المؤسسات، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، إلى مقدمة الصورة، بعد أن قدمتها كل حكومات المجلس العسكري، الحاكم الانتقالي للبلاد،  كمنقذ لا غنى عنه لاقتصاد البلاد.

كان أول قرض تلقته مصر من صندوق النقد الدولي عام 1976، ثم كانت حقبة الاقتراض الأساسية بدءً من 1987، لتتسبب بتضخم الدين الخارجي المصري في أزمة هائلة لم يحلها سوى دخول نظام مبارك شريكا في التحالف الأمريكي ل”تحرير الكويت” من الغزو العراقي، حيث تم إسقاط 19.6 مليار دولار من إجمالي 48 مليار دولار ديون لنادي باريس في 1991 كمكافأة.

وبينما كان الارتباط بين السياسة بمعناها الواسع والسياسة الاقتصادية أساسيا في علاقة المؤسسات المانحة  بكم ونوعية الاقتراض المصري من الخارج عبر شروط هذا الاقتراض فيما يسمى ب”المشروطية”، فإنه فرض سطوته بالضرورة على العمود الثاني لعلاقة مصر بهذه المؤسسات ألا وهو المعونات والمنح، وعلى رأسها المعونة الأمريكية لمصر، التي ثار بشأنها جدل هائل مؤخرا في إطار أزمة التمويل الأجنبي لبعض منظمات المجتمع المدني.

2-  لماذا يجب على مصر إعادة صياغة علاقتها بالمؤسسات المالية الدولية؟

اشترك الجدل الهائل حول المعونة الأمريكية في الشهور الأخيرة،  مع الجدل المماثل حول قرض صندوق النقد الدولي لمصر، في أنهما جاءا من نفس المنطقة: ألا يجدر بمصر الثورة أن تعيد صياغة علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية في إطار المعطيات الجديدة التي جلبتها انتفاضة شعبها ولخدمة مصالح الأغلبية، التي شقت طريقها بالدم لعالم السياسة؟ وإذا كانت الإجابة على هذا السؤال بنعم فما هو الإطار البديل المتوافق مع الثورة؟ هنا “لماذا” تحدد “كيف”: أي أن الأسباب التي توجب التغيير هي التي تحدد الاتجاه الجديد.

المشروطية السياسية والاقتصادية (العلاقة بالولايات المتحدة):

تقول دراسة صادرة في مجلة التنمية الدولية عام 2006 إن هناك 3 حقائق مؤكدة في الأدبيات العلمية فيما يتعلق بتدفق القروض والمساعدات إلى الشرق الأوسط: تدفقات المساعدات والمنح الثنائية تتأثر بالمصلحة السياسية للمانحين، الأموال القادمة للشرق الأوسط، خاصة مصر وإسرائيل، تتحدد جزئيا بشكل سياسي، وأن الولايات المتحدة تمتلك تأثيرا وسلطة معتبرين في صندوق النقد والبنك الدوليين.[i]

وفيما يتعلق بالمعونات مثلا، تحتل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الثالثة عالميا من حيث حجم المعونات (منح وصافي قروض واسقاط ديون) التي تتلقاها قبل أفريقيا وغيرها، غير أن منطقة شمال أفريقيا (التي تضم مصر والجزائر وليبيا والمغرب وتونس) وحدها تحتل المرتبة الأولى عالميا في نصيب الفرد من المعونات، برغم تراجع قيمتها الحقيقية مؤخرا مقارنة بمستويات عام 1980.

وترتبط الاتجاهات في منح المعونات بشكل مباشر بتوجهات الولايات المتحدة، التي تسيطر بشكل مباشر على 38% من إجمالي هذه التدفقات وتؤثر بشكل غير مباشر على نسبة من التدفقات، التي تجيء من المؤسسات المالية الدولية. وتحتل مصر المرتبة الأولى بين دول شمال أفريقيا من حيث القيمة المطلقة في انعكاس مباشر بارتباط هذه المساعدات بالسياسة، نظرا لقيمة مصر كحليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وقيمتها الإقليمية.

ومما يثبت علاقة هذه المساعدات المباشرة بالتطورات السياسية، فإن أهم ذرى تطورها حدثتا في عامي 1991 و2005-2006، حينما ضخت الولايات المتحدة منفردة وعبر المؤسسات الدولية لمصر في الحالة الأولى مليارات الدولارات بسبب مشاركتها في حرب الخليج ضد الغزو العراقي للكويت، كان من بينها اسقاط ديون نادي باريس ومن الغرب عموما. أما الثانية فكانت لدعم حكومات العراق الجديدة تحت الاحتلال الأمريكي بعد اسقاط نظام صدام حسين.[ii]

وتثبت الشروط المعلنة للمعونة الأمريكية نفس المنطق. ففي ٢٧ يوليو ٢٠١١، اجتمعت اللجنة الفرعية للاعتمادات الخارجية بمجلس النواب لمناقشة مخصصات العام المالى ٢٠١٢. وبحسب دراسة لمركز أبحاث الكونجرس، ١٨ نوفمبر ٢٠١١ بعنوان مصر تتحول، فإن اللجنة اشترطت لاستلام كامل المعونة  «أن تستخدم المعونة العسكرية فى برامج تأمين الحدود والأنشطة فى سيناء مع توقع أن الجيش المصرى سيستمر فى الالتزام وتطبيق التزاماته الدولية، وبالتحديد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية». ويضيف الجزء ٧٠٤٢ من مشروع القرار اشتراط أن تشهد وزيرة الخارجية الأمريكية بأن مصر «لن يحكمها فصيل ارهابي  وأن مصر «ستستمر فى تدمير الانفاق على الحدود مع غزة» وان لا شيء من المعونة الاقتصادية يمكن ان يستخدم «فى تقليل أو إعادة جدولة أو الاعفاء من مديونية مصر لأمريكا».

 وفى اجتماع للجنة الموازية فى مجلس الشيوخ فى ٢٢ سبتمبر ٢٠١١ أضيف شرط بأن تشهد وزيرة الخارجية الأمريكية أن المساعدات “تدفع المصالح الأمريكية فى مصر وفى الاقليم”.[iii]

وينطبق ما يسري على المساعدات على القروض. وتقول دراسة صادرة عن جامعتي مانشستر ولندن البريطانيتين، منشورة في دورية التنمية العالمية عام 2006، إن تحليل القوة التصويتية للولايات المتحدة في البنك والصندوق الدوليين يثبت نفوذها على قرارات وتوجهات هاتين المؤسستين، “اللتين ساهمتا في تعميم سياسات التكيف الهيكلي في المنطقة برغم أن نسبتهما من إجمالي التدفقات الخارجية ليس كبيرا”، بحسب الدراسة.[iv]

ومنذ الثورة تتفاوض حكومات المجلس العسكري مع صندوق النقد الدولى حول قرض بقيمة ٣.٢ مليار دولار. وبينما يقول الطرفان إن القرض بلا شروط فإنهما يتداولان فى البرنامج الاقتصادى لمصر للسنوات القادمة ويتم تعديل بعض بنوده خلال النقاش كجزء من عملية الحصول على القرض. وهنا تجدر الإشارة إلى العلاقة العضوية بين السياسة الأمريكية والصندوق، ودفاع الأخير التاريخى عن نمط نمو يحكمه تحرير الأسواق وسيطرة القطاع الخاص وتحجيم الانفاق العام كشكل لا يمكن التنازل عنه للاقتصاد. يجدر أيضا القول إن الولايات المتحدة، وبعض المؤسسات الدولية الأخرى المرتبطة بنفس المصالح والمنهج، ربطت تعاونها مع مصر ما بعد الثورة باتفاق مصر مع الصندوق على البرنامج.  كما تكرر ورقة للصندوق حول الأوضاع الاقتصادية فى مصر وتونس، تم تقديمها لقمة مجموعة الثمانية فى دوفيل بفرنسا،  نفس الخطوط العامة المعهودة: النمو الاقتصادى أولا وقبل العدالة الاجتماعية، والاستقرار المالى، أى محاصرة عجز الموازنة كهدف للسياسة الاقتصادية وأن يكون هذا شرطا ومحددا للانفاق العام، الذى “ينبغى توجيهه للبنية الأساسية”. وقبل كل هذا يحدثنا الصندوق عن اقتصاد حر يقوده القطاع الخاص ومعليا شأن النمو الاقتصادي على التوزيع، في تكرار لنفس خطاب النظام السابق وحكومة نظيف[v].

الأثر المحدود على التنمية:

وتعني حقيقة أن الأموال التي دخلت مصر والمنطقة في صورتي المعونات والقروض، والتي تهيمن عليها الولايات المتحدة، كانت مشروطة سياسيا، ببساطة أنها لم تكن فعالة.

وبينما اختار صندوق النقد الدولي أربعا من دول المنطقة من بينها مصر (أيضا تونس والمغرب والأردن) كنجوم اقتصادية، فإن النمو الاقتصادي الذي تحقق في كل هذه الدول التي طبقت وصفته بدءا من التسعينيات لم يمتد بمظلته لأغلب السكان فارتفعت نسب البطالة وانخفضت الأجور، بل وظلت معدلات الإنتاجية منخفضة، بعد أن توجهت لقطاعات غير منتجة وامتص الفساد أغلب ثمار هذه الأموال.

ويصنف مؤشر المسئولية تجاه التنمية، الذي يصدره سنويا مركز التنمية الدولية الأمريكي بالتعامون مع مجلة فورين بوليسي، مساعدات وقروض الولايات المتحدة في مرتبة متدنية من حيث تحقيقها لأهداف التنمية التي تعلن عنها. فقد احتلت من حيث فعالية المساعدات التي تقدمها المركز ال17 من بين ال22 دولة الأغنى في العالم. وقد تحسن وضع الولايات المتحدة مؤخرا على المؤشر إذ كان قبل عشر سنوات يتأرجح بين المركزين العشرين والثاني والعشرين على المؤشر الذي تتصدره السويد. بينما تجيء اليابان في المركز الحادي والعشرين في عام 2011 على نفس التصنيف وهي إحدى أكبر الدول المانحة أيضا لمصر.[vi]

وتقتصر التقديرات لفوائد المعونة الاقتصادية لبلادنا على بعض التقارير المقدمة للكونجرس، إذ لا يوجد تقدير حكومى مصري معلن فى ذلك الأمر، وهو جزء من مشكلة نقص الشفافية والافصاح، اللتين تقيدان يد الرقابة الشعبية والبرلمانية. وتقول بعض هذه التقارير إن ٨٠٪ منها يعود مرة أخرى للولايات المتحدة وشركاتها وخبرائها، مما يعني أن الفائدة من المعونة الأمريكية التي تصل الآن في شقها الاقتصادي إلى 250 مليون دولار قد تكون محدودة جدا من الناحية الاقتصادية عموما والتنموية خصوصا.

2. تجارب عالمية في التعامل مع المؤسسات الدولية

  • ماليزيا ومساعدات صندوق النقد

مع نهاية 1997، هجمت الأزمة الاقتصادية على نمور آسيا، التى كانت نموذجا للعالم فى النمو الاقتصادى قبلها بأسابيع. تراجعت البورصات بشدة وتضخمت الديون الخارجية بسبب انهيار العملات المحلية، وانهارت شركات كبرى تحت وطأة عدم القدرة على السداد. وفى ماليزيا، فقد الرينجيت، العملة المحلية، نصف قيمتها. انكمش الاقتصاد عام 1998 لأول مرة منذ سنوات بنسبة 6.2% بعد ان انهار قطاع الإنشاءات متقلصا 23.5% وتراجعت الصناعة 9%. تفاقمت البطالة بشدة.
تقدم الصندوق عارضا مساعداته لكن فى الوقت نفسه مدافعا عن أولوية حرية السوق فى معالجة الأزمة على طريقة داوها بالتى كانت هى الداء. ويقول مهاتير محمد فى حوار صحفى فى فبراير 1999: «رغم أننا لم نطلب منه شيئا ظل الصندوق، يجيء ليخبرنا ما الذى ينبغى فعله. لايقاف المضاربين فى العملة، علينا أن نرفع أسعار الفائدة. يجب أن تقلص الاقراض. علينا أن نجبر الشركات على أن تعلن إفلاسها بتقصير مدة السماح للقروض السيئة».
رفضت ماليزيا هذه التوصيات حتى بعد أن فشلت فى تعبئة حركة مساعدات إقليمية بقيادة اليابان بقيمة 100 مليار دولار، وهو ماقيل إنه بسبب تدخل الولايات المتحدة.
وعلى العكس من تايلاند وكوريا الجنوبية، أسست مجلسا قوميا للتحرك الاقتصادى، ضم رئيس الوزراء ونائبه مع النقابات والمجتمع المدنى جنبا إلى جنب مع رجال البنوك والمستثمرين وممثلى الشركات.
أدار هذا المجلس سياسة ماليزيا الاقتصادية. كان المجلس يجتمع خمسة أيام فى الأسبوع ثلاثة ساعات فى اليوم لمدة عامين، بحضور الدكتور مهاتير نفسه. تحررت خطة المواجهة من قيود التراك الرأسمالى السريع الذى ظل الصندوق يدافع عنه: ثبتت ماليزيا سعر عملتها فى مواجهة الدولار.
فرضت قيودا على حركة رأس المال للخارج. تشكلت لجنة للمساعدة على إعادة هيكلة ديون الشركات لمساعدتها بدلا من تركها للافلاس. تم إعفاء البنوك من نسبة من الديون السيئة ساعدتها على ترتيب أوضاعها. اشترت البنوك الكبيرة البنوك الصغيرة. وفى عام 2000 عاد النمو الاقتصادى بكل عنفوانه بمعدل فوق 8%. صحيح ان رجوع الاستثمارات الأجنبية كان أبطأ من كوريا التى قبلت مساعدات الصندوق، لكنها فى الأخيرة تركزت فى صورة استحواذات على أصول اقتصادية موجودة بالفعل ولم تخلق نشاطا اقتصاديا جديدا.
تبنت هذه البلد الآسيوية نمطا فى التنمية وتعاملا مع الأزمة يستجيب لمصالح سكانها لتتجاوز الأزمة ويعود اقتصادها لقوته بعد أزمة أشد عمقا ووطأة من الوعكة الاقتصادية التى تسببت فيها إزاحة الديكتاتورية المصرية. وذلك بدون الصندوق ومساعداته، وبقرار الحكومة المنتخبة ووفقا لاعتباراتها وخياراتها، وبمعكوس دين تحرير السوق على حساب كل شيء.

  • كيف أسقطت الإكوادور ديون الاستبداد؟

وقعت الإكوادور، ضمن دول أخرى عديدة فى العالم الثالث، ضحية لفخ الاقتراض الخارجى فى السبعينيات بفائدة قليلة سرعان ما تضاعفت مرات. وهكذا تضخم الدين الخارجى من 1.174 مليار دولار عام 1970 إلى 14.250 مليارا عام 2006،  أى أكثر من اثنى عشر ضعفا بسبب الفائدة لدى البنوك الأمريكية، والتى ارتفعت من 6% عام 1979 إلى 21% سنة 1981. ومن بين كل الديون الخارجية الجديدة بين 1989 و2006، فإن 14% فقط استخدمت فى مشروعات جديدة وذهب كل الباقى فى سداد الديون القديمة.

وفى أعقاب الإضراب العام الذى أطاح بالرئيس لوسيو جوتيريز فى منتصف العقد الماضى، تشكلت لجنة لمراجعة الديون فى البلاد أعطت أساسا قانونيا وسياسيا لقيام الاكوادور فى نوفمبر 2008 بالامتناع عن سداد ديونها الكريهة (القرض الكريه هو قرض أعطى لنظام حكم لا يمثل شعبه لأغراض لا تنفع الأخير، بمعرفة كاملة من المقرض. ويذهب البعض إلى اعتبار الديون التى تتسبب فى افقار الشعب بسلبه قدرته على التنمية بسبب أن موارده تذهب لسداد التزامات الديون، ديونا كريهة. من هذا المنطلق انطرحت فكرة اسقاط هذه الديون فى كل مرة سقطت فيها الديكاتورية أو حكم الاستبداد: فى الحالة العراقية بعد سقوط صدام، وفى أعقاب تفكيك نظام القمع العنصرى فى جنوب أفريقيا). وتوصلت هذه اللجنة  لاحقا فى يونيو 2009 إلى اتفاق خفضت بمقتضاه أكثر من ثلثى ديونها الخارجية، بالاتفاق مع 90% من المقرضين الدوليين على سداد 35 سنتا فقط عن كل دولار من الديون مما رفع قدرة البلاد على التخلص من عبئها. بل إن قيمة أوراق الديون نفسها تراجعت بشدة بعد المشكلة مما جعل السداد أرخص.

 أدارت الإكوادور معركتها بشكل حصيف ومدروس أعطى الأمل لكل دول العالم الثالث التى تمتلك الإرادة السياسية فى أن تتخلص من عبء الديون الكريهة. وحاليا يضغط المجتمع المدنى والحركة الشعبية فى كل من آيرلندا واليونان بتنظيم لجان مراجعة شعبية للديون تضغط لتشكيل لجان رسمية. وهاهى تونس تنشيء لجنة لمراجعة ديون نظام بن على الكريهة كمقدمة لاسقاطها فتعطينا مجالا أوسع للضغط وللتنسيق والتعبئة من أجل اسقاط ديون مبارك ونظامه.

3- ماهي صلاحيات البرلمان؟

في الاعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري بعد استفتاء مارس 2011 تنص المادة 33 على أنه “يتولى مجلس الشعب فور انتخابه سلطة التشريع ، ويقرر السياسة العامة للدولة ، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، والموازنة العامة للدولة ، كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية”، بينما وضعت المادة 57 التي تتعامل مع صلاحيات مجلس الوزراء والوزراء المتولين للسلطة التنفيذية  قبل انتخاب البرلمان “عقد القروض ومنحها وفقا للمبادئ الدستورية” ضمن ماهو مقرر للسلطة التنفيذية.  ويعني ذلك أنه بمجرد انتخاب البرلمان فإنه يعود لدوره الحاسم في إقرار مثل هذه الاتفاقيات ورفضها كما أن له السلطة في قبول ورفض وتعديل الموازنة العامة وأولوياتها، وهو ما يسمح له بتدبير موارد أخرى عبر فرض ضرائب جديدة أو تقليص أو تحويل بنود من الإنفاق في الموازنة لتعويض ما يمكن أن يترتب عليه قرار بوقف الاقتراض أو رفض بعض القروض المشروطة سياسيا ولاتخدم التنمية مثلا. ويجدر هنا ذكر أن العرف الدستوري يعطي الأولوية والسلطة المطلقة للبرلمان في شأن القروض والمنح الخارجية. وتقول المادة 121 من دستور 1971 بالنص إنه “لا يجوز للسلطة التنفيذية عقد قروض أو الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من خزانة الدولة في فترة مقبلة إلا بموافقة مجلس الشعب”.

4- سياسات مقترحة

أولا: رفض القروض والمعونات المشروطة سياسيا والقاصرة تنمويا

–       يعني هذا أن يقوم مجلس الشعب برفض قرض صندوق النقد الدولي الذي تصر عليه حكومات المجلس العسكري وتوفير البدائل له، كما يعني أن يفرض رقابة لصيقة على السياسات المصرية فيما يتعلق بتلقي القروض والمعونات الأجنبية لضمان فائدتها الاقتصادية والتنموية ومطابقتها لأهداف وأولويات السياسة المصرية.

–       وفيما يتعلق بالمبررات التي تعلنها الحكومة لقبول الاقتراض الخارجي على البرلمان: أولا أن يتأكد من تقدير الحكومة بوجود فجوة تمويلية في موازنتها بحوالي 12 مليار دولار، ثانيا، مناقشة البدائل المختلفة لإعادة هيكلة الموازنة دون “استسهال الاقتراض” خاصة الخارجي منه مع تفاقم عجز الموازنة وإجمالي الدين العام المحلي لمستويات كبيرة، وبما يخدم العدالة الاجتماعية ويساهم في التعامل مع مشاكل الأجلين القصير والطويل.

وفي هذا الإطار هناك عدد من الإجراءات الأساسية المقترحة:

–       تأسيس لجنة عليا مفوضة من البرلمان وتتسع لممثلين من كافة الأطراف من نقابات ومؤسسات مجتمع مدني..الخ للرقابة الشعبية التمثيلية على المعونات والاقتراض الخارجي.

–       ضبط سياسات الاقتراض الحكومي عموما بما يحقق التوازن بين هدفي تحفيز الأسواق ودور الدولة التنموي وفي تحقيق العدالة الاجتماعية من جانب وبين تفادي استسهال الاقتراض وكأنه حل سحري، بينما هو في الحقيقة مسكن مؤقت ما يلبث أن يطل بثقله العنيف على الأجيال القادمة أو حتى في الأمد المتوسط مالم تتم معالجة أوجه الخلل في موارد الدولة. وهكذا يظل السؤال بالنسبة لكل اقتراض: الشروط التي اقترض بها من ناحية معدلات الفائدة وشروط السداد وهل هنااك بدائل وهل هناك شروط سياسية؟ بالإضافة إلى فيم سأنفق هذه الأموال؟ أي البنود هي الأولى وأي البنود تغطي نفسها في المستقبل؟ وأي استثمارات هي المفتاح لتحسين التنمية والوضع الاقتصادي برمته؟

–       إعادة هيكلة الأعباء على جانب الموارد في الموازنة العامة بما يعطي وضعا متناسبا لقوى المجتمع المختلفة. وعلى رأس هذه النقاط: إعادة هيكلة النظام الضريبي، الذي يتحمل أغلب عبئه العاملون بأجر مقابل نسبة أقل للشركات والقطاع الخاص، وهما المستفيد الأول من النشاط الاقتصادي عموما. ويندرج تحت هذا البند: 1. فرض ضريبة على الثروة 10% تطبق لمرة واحدة على كل من يمتلك ثروة تزيد على 50 مليون جنيه (وهذه الضريبة مقترحة من أحد أكبر رجال المال في مصر). ومن المتوقع أن تولد هذه الضريبة مليارات الجنيهات. 2. إلغاء الدعم الموجه للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة والمضرة للبيئة برفع سعر المليون وحدة حرارية إلى ما بين 6 و 8 دولارات بدلا من ال4 دولارات التي أعلنت الحكومة عن تطبيقها، وهو إجراء لن يؤثر على معدلات ربحية هذه الشركات (في قطاعات الأسمنت والحديد والأسمدة والسيراميك، وبعضها احتكاري وبعضها يمتلكه الأجانب بشكل شبه كامل). مع ضبط الأسواق لضمان عدم رفع الأسعار وتفعيل القوانين والعقوبات المواجهة للممارسات الاحتكارية في الإنتاج والتجارة. وينتظر أن يوفر هذا الإجراء وحده  10 مليارات جنيه سنويا. 3. وقف تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل وإعادة التفاوض مع إسبانيا لرفع أسعار التصدير لتقترب من الأسعار العالمية (سعر 12 دولار يوفر لنا من التصدير للأردن وإسرائيل ما يوازي حوالي 13 مليار جنيه)، كما أن رفع الأسعار يساهم في زيادة تدفقات العملة الأجنبية مما يدعم احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية.  4.فرض ضريبة تصاعدية على الدخل تصل بشريحتها العليا إلى 35% كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما قد يوفر ما يصل إلى 10 مليارات جنيه إضافية للموازنة سنويا. 5. تفعيل الضريبة العقارية على الأغنياء مما يخدم ترشيد الاسكان الترفي وأسعار العقارات وفي نفس الوقت يضخ مابين 3 إلى 4 مليارات جنيه سنويا للموازنة يدفع معظمها قاطني الاسكان المترف في المجمعات السكنية الفاخرة على أطراف القاهرة وملاك المنتجعات السياحية في الساحل الشمالي (الذي هو معفى من الضريبة حاليا).

ثانيا: مراجعة الديون واسقاط الديون الكريهة

–       تأسيس لجنة مستقلة رفيعة بدعم من رئيس الجمهورية ومن البرلمان، تمتلك كافة السلطات والصلاحيات والمعلومات لمراجعة كافة الديون الخارجية التي اقترضها النظام الخارج واوجه الإنفاق التي تمت فيها ومن المستفيد منها وعمليات الفساد التي صاحبتها إن وجدت تمهيدا لتحديد الديون الكريهة لمطالبة مانحيها بإسقاطها. ويوفر هذا الإجراء ليس فقط جزءا من العبء السنوي على الموازنة واحتياطي النقد الأجنبي والمقدر ب3 مليارات دولار ، وإنما أيضا يحرر مواطنينا من عبء جزء من أصل ديون لم يكن لهم قرار في اقتراضها ولا في الاستفادة منها بينما يتحملونها من جيوبهم. وهذا الإجراء لايعني بحال من الأحوال إعلان إفلاس مصر وينبني على القانون الدولي كما يتضح من تجربة الإكوادور، كما أن لمصر سابقة واضحة في هذا المجال في التسعينيات حينما تم اسقاط جزء من ديونها مكافأة لنظام مبارك على الزج بالجيش المصري في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في الكويت.

[1]


[i] Jane Harrigan, Chengang Wang and Hamed El-Said, The Economic and Political Determinants of IMF and World Bank Lending in the Middle East and North Africa, World Development, Vol 34,2006

[ii] Jane Harrigan, The Political Economy of Aid Flows

to North Africa, UNU World Institute for Development Economics Research, United Nations University, November 2011

 [iii] Jeremy M. Sharp, Egypt in Transition, Congressional Research Service, November 18, 2011

[iv] Jane Harrigan, Chengang Wang and Hamed El-Said (مرجع سابق)

[v] Economic Transformation in MENA:Delivering on the Promise of Shared ProsperityPrepared by Staff of the International Monetary Fund, G-8 Summit, Deauville, France, May 27, 2011,

 [1]<!–EndFragment–>

 

 

 

Advertisements

2 comments

  1. بارك الله فيكم
    و جزاكم الله الف خيرا
    على التدوينة المميزة
    و كل عام و انت بخير
    بمناسبة عيد الفطر المبارك

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s