ملف (هل فعلا “سينا رجعت كاملة لينا”؟) الطريق إلى القدس

وائل جمال، دينا جميل، محمد شفيق، أشرف أيوب، جيهان شعبان، مروة فاروق

الاشتراكي

17 أبريل 2006

قد يبدو هذا غريبا، لكن الطريق إلى زيارة السادات للقدس في نوفمبر 77 كان طويلا، أطول ربما مما يظن الكثيرون!

عبد الناصر والإمبريالية

كان نظام عبد الناصر يعاني من تناقض. فبالرغم من أن رجال سلطة يوليو من الضباط الصغار أبناء الطبقة الوسطى كانوا يكرهون كبار ملاك الأراضي والملك والاستعمار والأحزاب الفاشلة في حل المسألة الوطنية، إلا أنهم كانوا أيضا يحملون خوفا عميقا من الجماهير.

هذه الطبيعة المتناقضة لنظام عبد الناصر هي المفسر لسياسته تجاه الإمبريالية. عبد الناصر كان مستعدا لاتخاذ مواقف جريئة في مواجهة الاستعمار ولمناطحة إسرائيل ولدعم الثورات التحررية، لكنه لم يكن مستعدا لتحرير الجماهير المصرية وتعبئتها لخوض الحرب ضد الإمبريالية حتى النهاية.

حتى نفهم لماذا كان محتما أن ينهزم عبد الناصر علينا أن نسأل سؤالا واحدا: لماذا انهزم هو بينما انتصر الفيتناميون والجزائريون؟ الإجابة هي أن هؤلاء خاضوا حروبهم كحركات تحرر وطني ذات جذور شعبية، ومن ثم اتخذت أساليبهم العسكرية شكل حروب العصابات وحروب التحرير الشعبية التي تعتمد على توجيه ضربات خاطفة موجعة لعدو قوي غير مرن في حركته. أما عبد الناصر فقد اختار خيار الحرب النظامية.

لكن الحروب النظامية لا تجدي في مواجهة الإمبريالية. فهي تفترض درجة من التساوي في القوة بين الجيشين المتحاربين. وهذا أمر غير وارد في المواجهة بين البلدان الصغيرة والدول الإمبريالية.

مشكلة عبد الناصر كانت أن خيار حرب التحرير الشعبية ليس فقط خيارا عسكريا، ولكنه أيضا خيار سياسي. فبناء جيش نظامي قرار تنفذه السلطة السياسية على أساس سيطرتها بالقهر على موارد المجتمع وسكانه. الجيوش النظامية أساسها هو سحق الإرادة الحرة للجنود (وهم في نهاية المطاف العمال والفلاحون في الزي العسكري) وتحويلهم إلى أدوات يحركها الجنرالات.

أما الجيوش الشعبية فهي تعتمد على إيمان الجنود بقضيتهم العادلة. ولذلك نجد أنه من المستحيل تقريبا أن تستطيع سلطة سياسية تقوم على قهر الفقراء الإقدام على مغامرة تسليح الجماهير لمقاومة الإمبريالية. أول ما يمنع السلطة من الإقدام على مغامرة كتلك هو خوفها من أن توجه الجماهير السلاح الذي أصبح بحوزتها ليس فقط ضد الإمبريالية، وإنما أيضا ضد السلطة السياسية التي تقهرها.

من هنا فإن نظام عبد الناصر وقع في تناقض لا حل له: إما أن يندفع في عملية تفكيك نظام القهر والاستغلال في المجتمع حتى يستطيع تعبئة الجماهير لخوض حربه ضد الإمبريالية والصهيونية حتى النهاية، أو أن يلعب لعبة التوازن الدولي ليتمكن من قهر الإمبريالية والصهيونية اعتمادا على دعم “الصديق السوفيتي!

السادات والحرب

كانت هزيمة 67 هي النتيجة المباشرة لاختيار عبد الناصر أن يعتمد على “الصديق السوفيتي” بدلا من الاعتماد على الجماهير.

بعد الهزيمة ظهر تياران في أوساط الطبقة الحاكمة المصرية. الأول طرح أن حل الأزمة ليس في الثورة على نظام عبد الناصر، وإنما في تصحيح مساره. أما الثاني، اليميني، فكان يرى أن الحل يكمن في العودة لسياسات التحالف مع الإمبريالية ودعم الرأسمالية الفردية التي كانت سائدة قبل 52.

وبعد وفاة عبد الناصر كان استقرار أنور السادات على كرسي السلطة، بعد انتصاره في معركته مع ما سمي بمراكز القوى، مؤشرا على انتصار التيار اليميني في الصراع على السلطة.

لكن انتصار السادات لم يكن يعني أن الطريق أصبح مفتوحا للتصالح مع الإمبريالية. فقد كانت هناك عقبتان أساسيتان تقفان أمام تحقيق هذا الهدف: رفض الجماهير وممانعة الإمبريالية.

نتذكر أنه بعد هزيمة 1967 عادت الحركة الجماهيرية إلى الصعود. فالعمال والطلاب خاضوا في السنوات من 68 وحتى 73 نضالات مبهرة مطالبين بالاشتراكية الحقيقية وبالديمقراطية وبخوض المواجهة مع الإمبريالية. وقد كانت هذه الحركة تمثل ضغطا كبيرا على النظام.

من ناحية أخرى، كانت هناك الولايات المتحدة. فقد كان السادات مقتنعا أن حرب 67 أعطت الولايات المتحدة الدليل على أن الخطر المصري كان مجرد وهم وعلى أن إسرائيل قادرة على سحق أي تهديد. ومن ثم استخلصت الإدارة الأمريكية أن إسرائيل هي الحليف الأوحد في المنطقة.

حرب أكتوبر مثّلت – من وجهة نظر الطبقة الحاكمة المصرية – الحل لهاتين العقبتين. ذلك أن الحرب سوف تسحب البساط من تحت الحركة الجماهيرية وترفع أسهم السلطة الساداتية. وهي أيضا ستهز قناعة الولايات المتحدة بالاعتماد على إسرائيل فقط لأنها ستعطي الدليل على أن المارد الإسرائيلي يمكن مناوشته!

من هنا فإن الدافع لدى السادات لدخول الحرب مع إسرائيل لم يكن تحرير الأرض أو تحطيم دولة إسرائيل. على العكس. قرار الحرب كان جزءا من استراتيجية هدفها تشجيع الولايات المتحدة، ومن ورائها إسرائيل، على التفاوض مع مصر والقبول بها كصديق لـ”العالم الحر”. فعندما قال أن السادات أن حرب أكتوبر هي حرب تحريك للقضية وليس حرب تحرير للأرض لم يكن يهزل.

وهذا بالضبط ما حدث على أرض الواقع. فبعد ثلاثة أسابيع من بدء العمليات العسكرية في 73، تم قبول الهدنة وبدأت المفاوضات مع الإسرائيليين، وهي المفاوضات التي انتهت بتوقيع اتفاقية الكيلو 101 ثم اتفاقيتي فض الاشتباك الأول والثاني.

من 73 إلى 77

بعد حرب 73 حاول نظام السادات استثمار نتائجها. وكانت الطريقة لتحقيق ذلك هي إثبات حسن النوايا للرأسمالية المصرية وللإمبريالية. من هنا جاءت قوانين الانفتاح الاقتصادي في 74، وهي القوانين التي دعا من خلالها السادات الرأسماليين العرب والأجانب للاستثمار في مصر.

بعد ذلك جاء فتح قناة السويس للملاحة في 75 كإجراء يعلن نهاية حالة الحرب ويفتح الطريق لعلاقات ودية مع “المجتمع الدولي”.

وفي يناير 1977 اتخذ السادات خطوة كبرى تجاه التخلص من سياسات عبد الناصر. وذلك عندما أعلن رئيس وزرائه عبد المنعم القيسوني يوم 17 يناير عن رفع أسعار حزمة من السلع الأساسية، وهو ما أدى إلى انفجار انتفاضة شعبية على مدى يومي 18 و19 يناير لم تخمد إلا عندما قرر النظام التراجع عن قراراته.

أزمة يناير 77، التي كانت أكبر ضربة تلقاها السادات، علّمت النظام دروسا أساسية. أولها هو عدم الاندفاع في سياسات تحرير الأسواق بسرعة قد تؤدي إلى انفجار النضال الجماهيري. وثانيها هو أن الطريق إلى حل مشاكل مصر الاقتصادية لابد أن يبدأ بالإسراع في خطوات واضحة في اتجاه تصفية الصراع العربي الإسرائيلي إرضاء للإمبريالية الأمريكية.

كان السادات قد أصابه الإحباط عندما اكتشف أن الحرب لم تؤد إلى تقريب سريع للمسافات بينه وبين الولايات المتحدة. فقد ظلت الإمبريالية تتلكأ في اتخاذ أي مبادرات تجاه النظام المصري، وظلت أيضا تعتبر إسرائيل هي الصديق الأوحد. من هنا فقد اقتنع أنه لابد من خطوة كبرى لكسر “الجمود”.

اقتنع السادات أيضا أن الاعتماد على الدعم العربي لإنعاش الاقتصاد المصري ليس إلا وهما. ومن هنا فقد رأى أن التطبيع مع الصهيونية والصداقة مع الإمبريالية هما الطريق لتدفق الاستثمارات والمعونات ولتثبيت حكمه ولصعود طبقة رأسمالية تدعم سلطته.

هذا هو ما دفع السادات إلى زيارة القدس في نوفمبر 77. فكانت الزيارة التي كشفت حقيقة مصالح الطبقة الحاكمة المصرية. من هنا بدأ الطريق إلى الاستسلام للإمبريالية والتواطؤ مع الصهيونية، وهو الطريق الذي انتهى – كما نرى اليوم – إلى احتلال العراق وتثبيت الاستعمار الاستيطاني في فلسطين.

 

 

 

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s