ملف (هل فعلا “سينا رجعت كاملة لينا”؟) لا مكان للفقراء في سيناء

 

وائل جمال، دينا جميل، محمد شفيق، أشرف أيوب، جيهان شعبان، مروة فاروق

الاشتراكي

17 أبريل 2006

برغم كل الدعاية التي صاحبت عودة سيناء لمصر انتظرت خطة تعمير سيناء طويلا قبل أن ترى النور. فبعد ثلاث عشرة سنة كاملة من التحرير – بالتحديد في 1995 – قدمت الحكومة ما أسمته المشروع القومي لتنمية سيناء (1994-2017) بعد أن أقره مجلس الشورى بتكلفة تدور حول خمسة وسبعين مليار جنيه.

المشروع وزّع الـ75 مليار جنيه على استثمارات في قطاعات الصحة والزراعة والسياحة والإسكان والكهرباء ومياه الشرب. وأكد أنه سوف يتم خلق نصف مليون فرصة عمل ترفع عدد سكان سيناء إلى ثلاثة ملايين شخص بحلول عام 2017.

لكن بعد مرور ما يزيد على عشرة سنوات على إقرار الخطة، فإن النتيجة واضحة تماما.

 ففي مجال الزراعة، وهي أهم أنشطة الجذب السكاني، توقف المشروع القومي عند المرحلة الأولى من الأراضي حول ترعة السلام. فقط تم استصلاح 32 ألف فدان في سهل الطينة يسكن حولها حوالي عشرة آلاف شخص. وذلك بعد أن تم إنفاق مليارات الجنيهات علي شق ترعة السلام لتوصيل المياه لهذا المشروع وعلى شق 7 ترع فرعية بمنطقة سهل الطينة.

وبالنظر إلى طريقة توزيع الأراضي في سهل الطينة يمكننا أن نكتشف لمن كانت تنمي الحكومة أراضي سيناء. فبدلا من توزيع الأرض على شباب الخريجين، سيطرت شركات الاستصلاح على الوضع ووجهت الأراضي لأغراض أخرى غير الاستصلاح.

 من ناحية أخرى يمكننا استخدام معيار الزيادة السكانية لاكتشاف حقيقة المشروع القومي المزعوم. فكما يؤكد تقرير التنمية البشرية في مصر لعام 2004 لم يزد معدل الزيادة السكانية في سيناء عن معدله في مصر. فقد كان يتراوح منذ عام 1994 حول 2.6% سنويا، وهو ما يعني أنه كان في بعض السنوات أقل من معدلات الزيادة في مصر. وهذا ما يؤكد أن لم توجد حركة هجرة، ولو حتى محدودة، إلى سيناء من باقي الوادي. فأين هي تلك التنمية الجاذبة لسكان الوادي والخالقة لفرص عمل بمئات عديدة من الآلاف؟

السياحة: تنمية لمن؟

السياحة، كما نعلم جميعا، كانت القطاع الاقتصادي الوحيد الناجح في سيناء. لكن حتى هذا القطاع لم يوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل بين 1997 و2003.

كانت السياحة القطاع الوحيد الذي لم ينتظر المشروع القومي حتى يتم تنشيطه. لكن المشروع ساهم في دفع الاستثمار في المجال السياحي. فبين 97 و2003، تم تأسيس 285 مشروع في جنوب سيناء وحدها باستثمارات 23 مليار جنيه وفقا لأرقام محافظ جنوب سيناء السابق مصطفى عفيفي.

وبالفعل فإن مدينة شرم الشيخ تستقبل ما يصل لـ2.5 مليون سائح سنويا أو ثلث عدد السياح القادمين لمصر (بأرقام 2004). وهو ما دفع المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، إلى تركيز دعمها ومنحها على هذا القطاع. فآخر منح البنك، وقيمتها حوالي 335 مليون دولار، كانت لتطوير مطار شرم الشيخ!

التركيز على السياحة هو سياسة معادية للتنمية، هذا إذا كان معنى الأخيرة هو تطوير مستويات معيشة سكان سيناء أو جذب الآلاف من الوادي. فالسياحة على الطريقة المباركية مصممة للأغنياء فقط. أما الفقراء فلا يوجد ما يجذبهم للعمل في شبه الجزيرة “المحررة”. هذا بالطبع ناهيك عن أن توزيع عوائد السياحة الضخمة غير عادل ويذهب معظمه لجيوب المستثمرين.

فمثلا تكتفي سياسة الإسكان في المحافظة ببناء مجمعات سكنية لأولئك الذين ينقلون لسيناء في وظائف حكومية. فأين إذن يسكن من يسعى للعمل في سيناء في القطاع غير الحكومي؟ أيضا، فإن الوظائف التي يتم خلقها في القطاع السياحي هي وظائف مؤقتة تتذبذب بين المواسم والسنوات.

أما قطاع البترول، وهو ثاني أهم القطاعات الاقتصادية في سيناء، فهو يعاني من قلة عدد عماله بالإضافة إلى معدلات الاستغلال المرتفعة للعمال ومستويات أجور بعضهم المتدنية.

السياحة والبدو: تنمية العزلة

لكن أخطر نتائج تركيز سياسة تنمية سيناء على السياحة هو ما فعله ذلك في أساليب حياة وإنتاج البدو من سكان سيناء المحليين.

هناك ما يصل إلى عشرين ألف من البدو يعيشون في سيناء. لكن نصيب هؤلاء من الاستثمارات المتدفقة على سيناء محدود للغاية. بل أن الدولة التي تخدم فقط مستثمري السياحة وجدت أن أساليب معيشة البدو تعيق التنمية، وبالتالي فقد عملت على ترحيلهم من بعض مواطن إقامتهم.

ووفقا لدراسة كتبتها الباحثة دينا علي في نهاية التسعينيات عن سيناء كدراسة حالة للتخطيط العمراني، فإن السياحة دمرت مجتمعات الصيد والزراعة المحلية. فقد منعت المنشآت السياحية والإجراءات الأمنية البدو من الوصول للشواطيء للصيد. تقول الدراسة أيضا إن الشركات العابرة للقوميات التي تتحكم في صناعة السياحة في سيناء تتعامل مع البدو بريبة شديدة مما جعل مشاركتهم هامشية. هذا بالإضافة إلى ما تتطلبه هذه الشركات من مهارات لا تتوفر في السكان المحليين. ونضيف إلى هذا مظاهر البذخ الهائل ووجود السياح الإسرائيليين بكثافة شديدة وهو الأمر الذي يقول المؤرخ يونان لبيب رزق في أحد مقالاته إنه يغذي عزلة البدو وغضبهم.

البديل

ذات مرة، طرح المفكر القومي المصري جمال حمدان السؤال حول انتماء سيناء: هلي هي آسيوية أم أفريقية؟ إجابة حمدان كانت أن “سيناء لا تزيد آسيوية ولا تقل أفريقية عن مصر. إنها ببساطة جزء لا يتجزأ من مصر، كما تذهب تذهب.”

هذا الحكم يصدق تماما على تنمية سيناء. فسيطرة النظام ومن يمثله من رجال المخابرات المقربين على موارد سيناء، واختيار أشكال الاستثمار التي يراها رجال الأعمال مربحة، والتعامل مع شرم الشيخ كجيتو للأغنياء وعلى رأسهم مبارك الذي يتخذ منها مقر إقامته الشتوي، كل هذا هو جزء من سياسة مصر عموما. وعلى ذلك فإن تعمير سيناء لصالح سكانها ولصالح فقراء مصر يفترض بالضرورة أن تكون وجهة مصر كلها مختلفة؛ وجهة بوصلتها العمال والكادحين.

 

 

 

 

Advertisements

One comment

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s