السكن الذي نحتاجه

وائل جمال

الشروق

28 سبتمبر 2010

يتصور من يستمع للمدافعين عن استثمارات الشركات العقارية الكبرى أن مسألة السكن فى مصر قد انتهت أو على الأقل فى طريقها للحل. يتحدث أنصار «رسالة العمران» عن تخضير الصحراء وعن أراضٍ مهجورة لم يكن لها سعر قبل أن تحولها الشركات إلى مدن عامرة. وينسى هؤلاء، أو يتناسون، حقيقة واضحة كالشمس فى مصر: المصريون محرومون من السكن.

تقول التقديرات الحكومية إن الطلب على الوحدات السكنية يزيد ب 300 ألف وحدة سكنية سنويا، ترتفع فى تقديرات مستقلة إلى 600 ألف وحدة سكنية على أساس أن عدد الزيجات يصل إلى هذا الرقم كل عام. وبرغم ارتفاع نصيب قطاع العقارات من الناتج المحلى الاجمالى إلى حدود ال5% إلا أنه مازال غير قادر على سد الفجوة الهائلة بين عرض الوحدات السكنية والطلب عليها، والتى تقدر الحكومة تراكماتها عبر السنوات السابقة ب2.3 مليون وحدة سكنية، تزيد سنويا. وتصل مجموعة أوكسفورد بيزنس بتقدير تراكمات العجز بين المساكن التى يحتاجها المصريون والوحدات المتاحة إلى ستة ملايين وحدة.

المشكلة أيضا أن معظم البناء، الذى قفز بمعدل نمو قطاع العقارات قفزات هائلة فى السنوات الماضية، ومعه أسعار الحديد والأسمنت، يذهب إلى الأغنياء ممثلين فى الشريحتين A و+B من المصريين اللتين تمثلان 12% فقط من سكان البلاد، بتعبير مسح قامت به شركة موبينيل لدخول المصريين. وما تبنيه شركات طلعت مصطفى وبالم هيلز وسوديك مجتمعة لا يتجاوز 65 ألف وحدة سنويا، كلها تقريبا لهاتين الشريحتين. بينما 90% من الطلب الجديد (300 ألف إلى 600 ألف وحدة سنويا) يجىء مما يسمى بالشريحتين C وD، والتى تمثل 65% من المصريين.

والعلاقة بين فجوة السكن تلك وبين الدخول والأجور علاقة جوهرية. فالشريحة الأعلى +A تحصل على دخل لا يقل عن 12.5 الف جنيه شهريا، وبالتالى يستطيع المنتمى لها أن يحصل على شقة ابتداء من 660 ألف جنيه، ويحتاج الشخص الذى يحصل على هذا الحد الأدنى لمرتب 4.4 سنة لسداد الثمن. ووفقا لأرقام بنك الاستثمار المصرى اتش سى فقد باعت الشركات الكبرى (من بينها فى هذه الحالة شركتان حكوميتان) وحدات سكنية بقيمة 5 مليارات جنيه لمشترين يملكون بيوتا بالفعل بين 2006 وحتى الربع الأول من 2010، وذلك من اجمالى قيمة مبيعات تصل إلى 45 مليار جنيه. أى أن هذه الشريحة لا تكتفى ببيت واحد سواء للاسترخاء والترفيه أو لاعتبار الاستثمار فى العقار.

أما الشريحة الأدنى (D) وهى تمثل 25% من المصريين، فهى تحصل على أجر شهرى 300 جنيه. ولكى تستطيع شراء شقة فسعرها لا يجب أن يزيد على 14 ألف جنيه، يرتفع إلى 29 ألفا بالنسبة للشريحة الأعلى منها مباشرة (دخلها الشهرى 600 جنيه شهريا وتحتاج لمرتب 3 سنوات و8 شهور لشرائها). ويقدر بنك اتش اس بى سى أن الحد الأدنى لسعر الشقة الذى تقدمه الشركات هو 50 ألف جنيه للوحدة. وبالتالى ففقراء مصر، بل أغلب سكانها، تماما خارج دائرة الحديث عن التعمير الذى تقوم به الشركات جميعا، حكومية وخاصة، وحتى خارج دائرة حركة الشركة الكبرى الوحيدة التى تستهدف قطاع الاسكان التعاونى، وهى شركة أوراسكوم. إذ إن الحد الأدنى لسعر الشقة لديها هو 60 ألف جنيه.

إذن كيف يسكن باقى المصريين؟ 56% من سكان المدن فى بلادنا لا يسكنون فى بيت يملكونه. 31% من هؤلاء يقطنون منازل بنظام الايجار القديم، 10% بالايجار الجديد، وباقى ال56% إما حصلوا على البيوت من أهاليهم أو لديهم ملك مشترك أو سكن تابع للعمل. ويكمن باقى الاجابة على السؤال فى العشوائيات. وتقول الأرقام الحكومية إن 53% من الأسر المصرية التى تشترى سكنا للتمليك تشتريه من أفراد أو مقاولين صغار، متجاوزين فى ذلك السوق التقليدية للعقارات والنظام المالى الرسمى. ويمد هؤلاء فى المناطق العشوائية، التى صارت تضم ملايين السكان، المرافق لأنفسهم. بينما تغيب الدولة تقريبا ولا تمارس دورها التعميرى التنموى، كما فى حالة مدينتى أو الساحل الشمالى، بمد الطرق والكهرباء والمياه… الخ، وبالمجان.

وتدلنا تجربة مماثلة فى المكسيك خلال العقد الماضى على طريق الحل لأزمة السكن تلك. فقد ربطت الدولة هناك بين الحد الأدنى للأجر وبين إنتاج وحدات سكنية مربحة للشركات، وبين نظام التمويل العقارى. ويعنى ذلك فى مصر أولا أن يتم اقرار حد أدنى للأجر، فى القطاعين الخاص والعام، على ألا يقل عن 600 جنيه، وهو الحد الأدنى للدخل الذى يمكن من شراء شقة، بأسعار يناير 2010. وفى نفس الوقت فإن الدولة، والشركات معها، يجب أن تكون قادرة على بناء وحدات لا يزيد ثمنها على 30 ألف جنيه، وفى نفس الوقت تكون اقتصادية ومربحة. وفى هذه الوضعية تختلف آلية «الإنتاج» والربح. فالوحدات منخفضة التكاليف تعتمد على الانتاج الكبير وهوامش ربح قليلة. فعلى العكس من شركة كبالم هيلز مثلا، هامش ربحها 53% فى عدد وحدات بالآلاف القليلة، مشروعات هذه الشركات يجب أن تكون بمئات الآلاف وبهوامش ربح أقل كثيرا من ذلك. وفى هذه الحالة يمكن ابتلاع فكرة أن تعطى الدولة الأراضى بأسعار تسمح للشركات الخاصة والعامة بالبناء المربح. أى بدلا من أن توجه الأسعار المشجعة لأرباح مساهمى الشركات الكبرى، توجه لتسهيل حياة المصريين وتعمير البلاد حقا.

أما العنصر الثالث فينبغى أن يكون تطوير التمويل العقارى، الذى مازال بمعدلات فائدة عالية جدا وبشروط لا تسمح بدخول الشريحة الأوسع من محتاجى السكن. التمويل العقارى يسمح لهؤلاء بشرط توفير حد أدنى للأجر ووحدات بالثمن الممكن، بالحصول على السكن بالاقتراض طويل الأجل.

وبديهى هنا أن هذا النوع من التعمير، كثيف الانتاج، يجب ان يقوم على خطة تنمية حقيقية، ديمقراطية جغرافيا: أى تلغى سيطرة القاهرة على العمران، وطموحة إنتاجيا: أى تقترن بخلق فرص عمل إنتاجية فى الزراعة والصناعة والخدمات فى هذه المدن الجديدة، متجاوزةً فى ذلك وضعية ضواحى المدن الكبرى.

هذا هو الاسكان الذى نحتاجه.

 

 

 

Advertisements

One comment

  1. If it was in my hands; you totally qualify to be our PM…I really wish it was the case. Hopefully somebody would realize your value very soon to turn it into a value for Egypt..ya rab. . These are not compliments at all, I don’t know you in person, so this is genuinely meant. You’re simply the best. God bless you.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s