سياسة العمال وسياسة عضو النخبة «محمود بيه»

وائل جمال

الشروق

23 يوليو 2012

يجلس محمود بيه، عضو مجلس الشعب ورجل الأعمال، مخاطبا الحاضرين، وعلى رأسهم ضباط مهمون فى جهاز أمنى، فيما يبدو أنه حفل قبيل انتفاضة يناير ١٩٧٧. يتحدث محمود بيه، وخلفه تسمع صوت موسيقى راقصة تليق بكباريه، عن ضرورة خصخصة شاطىء المنتزه وكل مصانع القطاع العام، وعن الخراب فى البلد كلها والفوضى العارمة التى لن تحل إلا بدخول الشركات الكبرى بدلا من القطاع العام والدولة. ويحتج  هذا السياسى المهم، وهو إحدى شخصيات  فيلم المخرج الكبير محمد خان «زوجة رجل مهم»، على دخول غرباء على العالم الذى يحتكره رابطا استمرار الخراب بهم: «قال ايه العمال دلوقتى  بيتكلموا فى السياسة.. يروحوا بقى بتوع السياسة يشتغلوا عمال..الحال اتقلب».

وفى ٢٠١٢، مازال نفس المنطق يحكم نخبة السياسة فى نظرتهم لمحاولات عمال مصر وموظفيها ومهنييها صيانة مصالحهم عبر اقتحام عالم الفعل العام. فحتى بعد ثورة على وصفة محمود بيه، التى أصر فى الفيلم (الذى تم إنتاجه فى عام ١٩٨٧ قبل كل شىء) أنه لن يصمت حتى تنفذ وقد حدث تقريبا، مازالت نخبتنا السياسية تؤكد على تصور  يضع العمال فقط فى خانة من يتفرض بهم العمل والإنتاج، بمنتهى التفانى والصبر على سوء الحال، بينما ينفرد آخرون بتحديد حياتهم.

من حقا يفهم السياسة أكثر؟

تنطلق الأغلبية الكاسحة من سياسيينا وباحثينا ومحللينا من أحد مفهومين فى النظر للموجات المتتابعة من الإضرابات والاحتجاجات العمالية. الأولى تكرار لنفس ما طرحه نظام مبارك وأمن الدولة وقت إضرابات المحلة فى ٢٠٠٦ و٢٠٠٨: جماعة الاخوان تحرض العمال لأهداف خاصة بها. واليوم، تحدثنا أصوات من حزب الحرية والعدالة عن الإضرابات، التى اندلعت بعد انتهاء المهلة التى أعطاها العمال للسياسيين لاختيار رئيس، بأن تحريضا فلوليا أمنيا يقف وراءها لاسقاط الرئيس مرسى أو احراجه. فى هذا التصور العمال دائما مفعول بهم  فى خدمة سياسيين محرضين مغرضين.

أما المفهوم الثانى، فهو مفهوم «التحركات الفئوية التى لا تبالى بمصلحة الوطن» لحساب مصالح «أنانية ضيقة» يقولون لنا إنها لا تراعى الوضع الاقتصادى عن غباء أو عن طمع. لا تظهر بالطبع هذه الحجة أبدا عندما نتحدث عن حق الدولة تجاه رجال أعمال يحققون أعلى هوامش ربح عالميا فى احتكارات الحديد والأسمنت وغيرها، ولا عندما ترفع موازنة التقشف من بند دعم الصادرات الذى يحصل عليه هؤلاء. ونسمع خبيرا «سياسيا استراتيجيا» بمركز دراسات الأهرام يقول لنا إن موجة الإضرابات التى تمر بها مصر حاليا، لن تؤدى فقط لتدمير خطة المائة يوم الرئاسية لكن لتقويض العملية الديمقراطية برمتها.

وفى مقابل معارك الصلاحيات والدساتير والقوانين ومعضلات الدولة المدنية فى مواجهة الدولة الدينية ونصيب القوى المختلفة من التأسيسية ومن يشارك فى المجالس الرئاسية المقترحة لحل أزمة البلاد والعباد، يخبرنا استطلاع للرأى قامت به مؤسسة جالوب ونشرته يوم الاثنين الماضى أن  المطلب الأساسى للمصريين من الرئيس المنتخب وحكومته هو توفير فرص عمل للشباب، ثم يأتى بعد ذلك معالجة الأزمة الاقتصادية وزيادة الأجور وعودة الأمن. ويقول لنا معهد جالوب أن المطالب جاءت بنفس الترتيب لدى المواطنين بغض النظر عن الأحزاب والتيارات التى ينتمون إليها أو يؤيدونها. »أنصار أحزاب الحرية والعدالة والنور والمصريين الأحرار اتفقوا على هذه المطالب وبنفس الترتيب دون اهتمام يذكر بأى مطالب أخرى يهتم بها قادة الأحزاب فى مصر«.

تدمر هذه النتيجة حجج نخبة السياسيين من جذورها. إذ يبدو لنا أن العمال (وهم بمئات الآلاف) يعبرون أكثر عن الميل الديمقراطى للمصريين. وأى سياسة أدق أو أشمل أو أحق بالاتباع من تلك التى يرغبها الشعب؟ فمطلب المضربين الموحد برفع الأجور وبالتوظيف، وهومطلب يمكن ترجمته بسهولة فى إطار العدالة الاجتماعية التى ثار الثائرون لتحقيقها، هو مطلب كل المصريين بغض النظر عن مواقفهم، كما يقول لنا استطلاع جالوب. هذا هو المطلب التوافقى الذى طال البحث عنه فى مواجهة استقطاب مؤكد من نوع مختلف. أى نجاح لنظام ديمقراطى لا يمثل هذا المطلب التوافقى؟

استقطاب آخر

يبدو لنا الاستقطاب الحقيقى وفق هذه المعادلة  بين «محمود بيه نسخة ٢٠١٢»، كان يساريا أو إسلاميا أو ليبراليا، من نخبة تتحد المصالح  التى يمثلها كل محمود فيهم، وبين أغلبية المصريين الطامحين للعدل والتحرر فى الكرامة ولقمة العيش. هذا استقطاب مصالح استراتيجية بين من ورثوا الملك والأملاك عن نظام ماقبل الثورة (ويمثلهم كثيرون ممن يلوكون رطان السياسة  محاولين احتكار العمل بها)، وبين من ثاروا فحفروا مجرى جديدا دخلوا منه عالم السياسة لأول مرة دفاعا عن مصالح أخرى تتطلب انقلابا فى توازن القوى السياسى.

فكما رأينا خلال عام ونصف منذ سقوط مبارك، كانت متاريس النظام القديم الأكثر تحصينا  هى تلك التى تحمى المصالح الاقتصادية للقلة. لم تتحقق خطوة واحدة ولو اصلاحية محدودة فى هذا الشأن. وحرص هؤلاء على تكسير أى تحرك فى اتجاه المصالح الجديدة التى عبر عنها الثائرون: عطلوا الحد الأدنى والأقصى للأجور، أجهضوا أى تعديل فى نظام الضرائب الذى يستفيد منه أغنياء الأرباح.. إلخ.

العمال يمثلون عنصر الاستمرارية الهيكلى للثائرين، يمثلون الطليعة القادرة على تنظيم نفسها فى نقابات تعيد عالم السياسة المقلوب على رأسه ليقف على قدميه بلا أوهام. ولهذا سكتت أغلبية نخبة سياسة التوازن القديم  عن مراسيم حظر الإضراب والاعتصام، وصمتت عن انتزاع مكسب حرية التنظيم النقابى التعددى، وتطالب أو تهلل لإلغاء شرط الخمسين فى المائة عمال وفلاحين فى البرلمان بدلا من وضع ما يضمن أن يكون هذا الشرط حقا وسيلة تمثيل ديمقراطى لأناس هم أكثر من نصف المصريين. وسيلة تمكنهم من مواجهة سلطان المال والأعمال وهيمنة المسيطرين على الاعلام وألسنة حكم العسكر.

يتمتع العمال المضربون بسمتين تجعلهم جنين الطليعة السياسية الحقيقى لثورتنا: تمثيلهم للأغلبية ومصالحها بلا مواربة ولا وسطاء ولا ادعاء، وأنهم ينظمون أنفسهم بالفعل فى عالم السياسة، عالم تصارع المصالح، كأكبر قوة شعبية منسجمة ومصرة على استمرار الثورة لحين تحقيق أهدافها.

شكرا «محمود بيه»…فلن نحتاجك ولا الخراب الذى أتت لنا به سياستك. العمال يعيشون سياستنا ويمارسونها ويفهمونها حق الفهم، وسيقلبون الحال.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s