الرئيس والعدالة الاجتماعية وبينهما إخوان الـ١٪

وائل جمال

الشروق

15 يوليو 2012

تصفه مجلة «بزنس ويك» الأمريكية التى تصدرها وكالة بلومبرج الاقتصادية المتخصصة بأنه «جاد، معتدل السلوك، يرتدى بدلا محافظة، يمكنه أن يختلط بانسجام وبمنتهى السهولة فى حشد وول ستريت (حى نخبة الأعمال الأمريكية)». حسن مالك، المليونير ورجل الأعمال الإخوانى البالغ من العمر ٥٣ عاما، لخص للمجلة، التى زارت منزله فى مصر الجديدة قبل أشهر قليلة، موقفه من نظام مبارك، الذى يؤسس للسياسة الاقتصادية التى يعدنا بها مشروع الرئيس مرسى الانتخابى قائلا: «لقد سمحوا لى بالوصول إلى مستوى معين (من النشاط الاقتصادى والمشروعات) لكن كان هناك سقف»

يؤمن مالك ورفاقه، بنظام اقتصادى يصنفهم، بحسب «بزنس ويك»، من «إخوان الـ١٪»، فى إشارة إلى المصطلح الذى صكته حركة «احتلوا» الاحتجاجية العالمية بخصوص الأقلية المستفيدة من النظام الاقتصادى فى مواجهة الـ٩٩٪ الذين هم خارج عملية صناعة القرار السياسى والاقتصادى ودائرة الاستفادة منه. يقوم هذا النظام الجديد، ليس على تحدى مقولات وافتراضات النظام الاقتصادى الاجتماعى لمبارك فى حرية السوق والتجارة وأولوية القطاع الخاص والاستثمار الأجنبى، وإنما على تمكينه لحساب نخبة جديدة من رجال الأعمال، مع تقليمه من »الممارسات الفاسدة«.

هكذا لم يكن غريبا على الإطلاق أن يدعو مالك عددا غير قليل من رجال أعمال النظام السابق (بعضهم حتى لا يخلو رصيده من شبهات استغلال النفوذ والفساد والقرب المحورى من مشروع تمكين التوريث اقتصاديا) للقاء مع الرئيس مرسى قبل عدة أيام. بل ويتحدث أحدهم خلال الاجتماع، وهو من المستثمرين فى مجال السياحة، عن الصورة السيئة الطاردة للسياح والعملات الأجنبية التى يقدمها ميدان التحرير للعالم قبل أن يتحدى بعض الحاضرين المقولة مذكرين أنه لولا الميدان ماكان هذا الاجتماع لينعقد مع أول رئيس مصرى منتخب انتخابا حرا. وطمأن الرئيس الحاضرين أنه لا ينتوى تصفية الحسابات «وإلا لما تمت دعوة نصف الحاضرين».

ماذا يقول برنامج الرئيس؟

للحقيقة لا يمثل هذا إلا ما طرحه علينا برنامج الرئيس مرسى الانتخابى، وإن كان التصويت له لم يكن بالضرورة تصويتا لمنطق وانحيازات البرنامج. فقد وضعت الجولة الأخيرة المصريين أمام احتمال استعادة النظام القديم بلحمه ودمه وممثليه القدامى وجهازه الأمنى القاتل، فرفضوا ذلك، لكن الرئيس، وبالتالى برنامجه، لم يحظ بالأساس بتأييد أغلب المصريين. أما البرنامج فهو الأوضح بين برامج جميع المرشحين الرئاسيين فى قيامه على المقولات الرئيسية لليبرالية الجديدة. هو البرنامج الوحيد الذى يتحدث عن استمرار سياسات الخصخصة، وفى القطاعات «الاستراتيجية»، وهو البرنامج الوحيد الذى يقوم على اجتذاب مليارات الدولارات من الاستثمار الأجنبى فى البنية الأساسية، وعلى محورية تحرير التجارة.

فى أبريل الماضى، وقبيل أيام من استبعاده كمرشح للرئاسة، على نفس البرنامج، قال القيادى فى جماعة الاخوان المسلمين خيرت الشاطر لوكالة رويترز فى حوار مصور بالفيديو إن العدالة الاجتماعية أمر هام وأساسى «ولكنه مفهوم شامل». وتعنى الشمولية لدى الرجل، الذى يقود امبراطورية الجماعة المالية مع مالك، أنها «تحتاج مشاريع، والدولة معندهاش موارد حاليا على الأقل لمدة سنتين، وبالتالى لابد من تحفيز القطاع الخاص». لا يتحدث الشاطر هنا عن الصناعة أو الزراعة أو السياحة فقط. وإنما عن الكهرباء ومياه الشرب، فيعطينا لمحة عن النظام الاقتصادى الجديد الذى سيمد مظلة رجال الأعمال لمشروعات وقطاعات، لم تفلح حكومة نظيف فى فرض الهيمنة عليها قبل اسقاطها بثورة شعبية.

وتمثل مشروعات ما يسمى بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، ذروة انحياز الخصخصة للـ١٪. فنحن نتحدث هنا عن خصخصة سلع ليس هناك أى «مرونة» للطلب عليها. والاختيار فيها بين دفع الثمن الذى سيكون محررا للكهرباء أو الصرف الصحى أو مياه الشرب وبين عدم الحصول على السلعة من الأصل، وهو ما حدث فى تجارب الدول النامية المختلفة التى مرت بهذه التجربة الأليمة للـ٩٩٪. ناهيك عن أن الأغلبية الكاسحة من هذه التجارب فى العالم لم تعن تخفيف عبء التمويل على الدولة وإنما دخول القطاع الخاص فى حضانة الدولة على حساب دافعى الضرائب ومستهلكى الخدمة. وفى تجارب تحرير السكك الحديدية فى بريطانيا وألمانيا، ارتفعت تكاليف الاستهلاك واستمرت الدولة تتحمل العبء بل وتراجع مستوى الخدمة. إنها الخصخصة بأعمق صورها بكل ما تعنيه من إعادة توزيع ثروة المجتمع ودخله لصالح الـ١٪. وتتوافق دعوة الشاطر والبرنامج الرئاسى الاستثمار الأجنبى للدخول فى هذه المشروعات الحساسة مع تركيز المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الأوربى للتنمية والتعمير على هذه المشروعات كبديل متخفٍ لسياسات الخصخصة المباشرة القديمة المرفوضة شعبيا. بما فى ذلك من عزف متناغم مع نوتة الصندوق والبنك الدوليين.

من ناحية أخرى، يحدثنا البرنامج الرئاسى عن تقليص هائل فى نسب البطالة وإنفاق واسع على التعليم والصحة وفى الخدمات العامة. أما التمويل: فهو بالأساس عبر القطاع الخاص. ويتجاهل ذلك أن العدالة الاجتماعية تقتضى تعديلا جذريا فى نظام الضرائب (فلا يكلمنا تفصيلا عن إعمال الضرائب التصاعدية مثلا)، كما تتطلب تغييرا منهجيا فى منطق عمل النظام الاقتصادى. يعيد البرنامج إذا إنتاج مقولات «تساقط الثمار» الذى سيحدث عندما تعمل ماكينة الأرباح بكامل طاقتها فتشد معها المجتمع بأسره، نظرية المد الذى يركز على الأغنياء بتوسيع عددهم «برفع السقف الذى كان موضوعا لإخوان الـ١٪ وغيرهم» فيرفع معه كل مراكب الفقراء. وهى مقولات تسببت بفشلها، الذى كان النظام السابق قد اضطر للاعتراف به، فى قيام الثورة من الأساس.

البنية السياسية للعدالة الاجتماعية

يعدنا برنامج ال١٠٠ يوم الذى أعلنه الرئيس فور توليه باصلاحات سريعة وهامة فى خمس مجالات رئيسية على رأسها الأمن والمرور وتسهيل الحصول على السلع الرئيسية. تبدو هذه الاصلاحات بسيطة بالمقارنة بما هو مطلوب على مستوى الاقتصاد ككل وبما هو ضرورى فيما يخص إعادة توزيع الثروة لحساب الـ٩٩٪ المتضررين من نظام الاستغلال. المشكلة التى يواجهها برنامج الـ١٠٠ يوم لن تكون بالأساس فنية ولا ذات طابع اقتصادى. إنه الاصلاح الذى لا يتم الا بثورة سياسية كاملة. كيف يمكن أن يفكك الرئيس احتكارات استيراد وتوزيع السلع الأساسية دون أن يدخل فى مواجهة سياسية مباشرة من قطاع من رجال الأعمال هو نفسه الذى يتوجه له اخوان الـ١٪ باحثين عن مكان؟ هل من الممكن أن ُتَحل مشكلة النظافة بنفس المنطق الذى خلقها؟ وهو ادخال الشركات العالمية الكبرى والقطاع الخاص الكبير الذى فاقم المشكلة بالقضاء على الطرق التقليدية (وهى قطاع خاص بالمناسبة) لحساب أرباحه التى تحول للخارج؟ هل يمكن حل مشكلة المرور دون تغيير جذرى فى السياسات المنحازة لمستوردى السيارات الخاصة وأرباحهم، التى تعطى الأولوية للطرق الدائرية وللقادرين على شراء السيارات (٥٪ من الأسر فقط تمتلك سيارة خاصة) على حساب الاستثمار الحكومى فى المواصلات العامة؟

مشكلة أى خطوات، ولو بسيطة تتعلق بإصلاح الاقتصاد، وتحسين ظروف المعيشة، أنها ترتبط مباشرة بإعادة توزيع الدخل والثروة وإعادة توجيه الاقتصاد لبوصلة جديدة: الـ٩٩٪. وهذه معركة سياسية بامتياز تتطلب تحالفا مختلفا على أرضية مصالح مناقضة لما يرتبه إخوان الـ١٪ حاليا.

يصف عالم الاقتصاد الاخوانى الراحل د.عبدالحميد الغزالى ما يعتبره المنهج الإسلامى فى التنمية قائلا: «جاء الإسلام ونظامه الاقتصادى ومنهجه فى التنمية حربا حقيقية ومستمرة وناجحة على كل صور الظلم الاقتصادى أى الاستغلال من خلال: تحريم صريح وقاطع للربا والغرر، والاحتكار والاكتناز، والإسراف والتقتير، والتطفيف والبخس، والغش والتدليس، والرشوة والمحسوبية.. إلى آخر كل صور أكل أموال الناس بالباطل، وكل صور الممارسات الخاطئة فى النشاط الاقتصادى إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا»، هذا ما ينتظره ٩٩٪ من ال٥.٦ مليون ناخب الذين كان الرئيس مرسى خيارهم الأول ومالن يسمح به توجه برنامجه الرئاسى. فليس هكذا تتحقق العدالة الاجتماعية.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s