المركز المصري للدراسات الاقتصادية.. إنهم “يبحثون” في كيفية نهبنا

وائل جمال

الاشتراكي

10 يوليو 2006

في كل القوانين والسياسات الاقتصادية التي طبقتها حكومة نظيف منذ مجيئها للسلطة يسير السيناريو كالتالي: قبل صدور القانون أو الإعلان عن السياسة الجديدة، تصدر دراسة أو يتم الإنتهاء من مشروع بحثي أو يعقد مؤتمر ينظمه “المركز المصري للدراسات الاقتصادية”.

تمتد دائرة اهتمامات هذا المركز، الذي ربما لا يسمع عنه كثيرون، إلى كافة مظاهر الحياة الاقتصادية في مصر. وتكشف أبحاثه وأوراقه – بدءا من الحد الأدنى للأجور، إلى الاقتصاد غير الرسمي، إلى سياسات الطاقة واستخدام الغاز الطبيعي، إلى الكويز – عن سعيه لبلورة رؤية حول كل ما يتصل بسياسات الدولة الاقتصادية. بل هو يتخطى ذلك أحيانا إلى الحديث عن الجوانب والآثار السياسية والاجتماعية لسياسات تحرير الأسواق، من إعداد مسودة لقانون لحماية المستهلك، إلى دراسة كيفية التعامل السياسي مع نتائج إزالة دعم الوقود والسلع الأساسية.

لكن ما هو المركز المصري للدراسات الاقتصادية؟

رجال المركز

تأسس المركز المصري للدراسات الاقتصادية في عام 1992 من خلال عدد من كبار رجال الأعمال كمنظمة غير هادفة للربح. ويقول المركز على موقعه على الإنترنت إنه يسعى منذ إنشائه للترويج للتنمية الاقتصادية في مصر عبر “توفير أبحاث صلبة الأساس وغير منحازة حزبيا لمساعدة صناع القرار على تطوير خيارات الإصلاح المناسبة.”

لكن يتضح من الشكل التنظيمي الذي اختاره المركز لنفسه أي تنمية اقتصادية يسعى إليها وأي إصلاح يطالب به.

فمنذ اللحظة الأولى، ومن أجل ضمان أن يستجيب البحث الاقتصادي “لهموم اقتصادية آنية وحقيقية”، اختار المركز أن يؤسس مجلس إدارته من ثلاثين من قيادات القطاع الخاص المصري. ويمكننا بإلقاء نظرة على أعضاء مجلس الإدارة هذا أن نكتشف فورا طبيعة مهمة المركز، والتي تكتسب في هذا الإطار خصوصية مميزة عن غيره من المراكز البحثية.

فعضوية مجلس الإدارة تضم أشخاصا كجلال الزوربا رئيس اتحاد الصناعات الحالي ومهندس إتفاق الكويز، محمد تيمور الرئيس السابق لمجموعة إي إف جي هيرميس المسيطرة على القطاع المالي المصري، حازم حسن صاحب أهم شركات المحاسبة في مصر، أحمد بهجت، أحمد عز، وناصف ساويرس  رجل الأعمال. هذا إلى جانب وزير التجارة والصناعة الحالي (ورجل الأعمال أيضا) رشيد محمد رشيد، ووزير النقل الحالي (ورجل الأعمال) محمد لطفي منصور. ولا ننسى بالتأكيد

الإشارة إلى وجود

جمال مبارك منذ وقت مبكر في هذا المجلس. أما عن الصلات الخارجية للمركز فهي واضحة. نقطة الوصل هنا تتمثل في ثلاثة أشخاص. الأول هو رجل الأعمال (بالطبع) شفيق جبر الذي يرأس مؤسسة تمثل منتدى دافوس في مصر والعالم العربي. والثاني هو طاهر حلمي رئيس غرفة التجارة الأمريكية. والثالث هو أحمد جلال أحد خبراء البنك الدولي الذين رأسوا المركز بحثيا إلى وقت قريب، ثم حلت محله هناء خير الدين أستاذة الاقتصاد الليبرالية الجديدة.

ولا يخفي المركز على موقعه أيضا أن وكالة المعونة الأمريكية لعبت دورا فيه منذ اللحظة الأولى للتأسيس فيقول إنها “كرست للمركز منحة سنوية من أجل الحفاظ على استقلاليته ومصداقيته، ومن أجل ضمان استمراره في لعب دوره حتى لو غادرت الوكالة مصر!”

ولا يعلن المركز بالضبط كم تبلغ الأموال المقدمة له من الأمريكيين. لكن في خضم الحملة التي شنتها الصحافة على سعد الدين إبراهيم ومركز ابن خلدون بسبب تلقيهم، هم وعدد آخر من المراكز، تمويلا أمريكيا، أصدر ابن خلدون بيانا ننقل عنه السطور التالية: “إن مجموع ما يتلقاه المجتمع المدني المصري بكل مؤسساته التى تزيد عن 20 ألف مؤسسة من دعم من مصادر خارجية لا يتجاوز الأربعين مليون دولار سنويا. وهو أقل من 1% مما يحصل عليه نظام مبارك. وحتى هذا المبلغ يستحوذ المركز المصري للدراسات الاقتصادية، وثيق الصلة بالسيد جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية، على نصفه كاملا، أى حوالى 20 مليون دولار سنويا. ونحن نعيد تساؤلنا كيف لم يرد ذكر هذا المركز بكلمة واحدة من جانب أي من هؤلاء المزايدين، فى الوقت الذى هاجت فيه وسائل الاعلام من أجل تمويل ستة مراكز أخرى بـ5% فقط مما يحصل عليه هذا المركز؟”

بين السياسة والاقتصاد

هناك مقولة مأثورة للاقتصادي الأمريكي الكبير، الذي توفي قبل أسابيع، جون كينيث جالبريث تشير إلى معضلة علاقة الاقتصاديين بالسياسة. والمقولة هي أنه “إذا ما أردت أن تعرف لماذا يقول الاقتصاديون شيئا معينا ابحث فيمن يضع المال في جيوبهم.”

يقول جالبريث إن واحدة من أساسيات “علم” الاقتصاد في القرن العشرين كانت الفصل الظاهري بين السياسة والاقتصاد، هذا بالرغم من الدور الذي يلعبه “علم” الاقتصاد المدافع عن الرأسمالية في التغطية على العلاقة بين الشركات الكبرى والدولة. حيث تحمي نظريات الاقتصاد الرأسمالي استقلال دوائر الأعمال بادعائها أن أي تدخل في شئونها هو تشويه لقوانين السوق، وحيث تساعد على إخفاء حقيقة سلطتها السياسية بالادعاء أن هذا من فعل السوق!

وفي مصر لعبت المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك والصندوق والمؤسسات البحثية الممولة أمريكيا، دورا هاما في خلق شريحة مسيطرة من الاقتصاديين الذين يدافعون بضراوة عن سياسات تحرير الأسواق المحلية والعالمية وتقليص دور الدولة، وهو ما يتعارف على تسميته بسياسات “توافق واشنطن”.

إلا أن المركز المصري للدراسات يشكل وضعا خاصا في طبيعته ودوره. فالمركز ليس مجرد مؤسسة بحثية تدافع فكريا عن اقتصاد السوق. المركز هو العقل المفكر لشريحة محددة من الرأسمالية المصرية تكشفها بوضوح تركيبة مجلس إدارته؛ شريحة من رجال الأعمال الجدد المؤمنين تماما بسياسات السوق المتوافقة مع مصالحهم، بالذات في مرحلة صراعهم ضد أجنحة أخرى في الدولة تستمد قوتها من وضعها البيروقراطي.

وقد لعب المركز على مدى التسعينات دورا هاما، ليس فقط في بلورة موقف واحد من قضايا متعددة عبر إعداد الدراسات والتعبئة على المواقف الواردة فيها، لكنه أيضا – وأعتقد أن هذا كان في صلب الهدف منه – ساهم في توحيد حركة واستراتيجية هذه الشريحة الجديدة من الرأسماليين عبر الوصول لحلول وسط بين المصالح المتباينة داخل هذه الشريحة ليتحول إلى جماعة ضغط من نوع خاص.

ومنذ حكومة عاطف عبيد أصبح لدى “المركز المصري” تأثير واضح في السياسة الاقتصادية المصرية. ويمكن هنا الإشارة لأحد مشاريعه البحثية الكبرى حول ما يسمى بالاقتصاد غير الرسمي (الذي يتكون من المؤسسات الإنتاجية أو التجارية الصغيرة وغير المسجلة رسميا) ودمجه في الاقتصاد الرسمي.

هذا المشروع “البحثي” كان هدفه “البحث” في كيفية التغلب على أساليب التحايل التي ابتكرها صغار المستثمرين للهروب من سطوة حيتان الأسواق. هدفه أيضا كان بلورة سياسة للاستحواذ على الثروة العقارية (المباني والمساكن) التي بناها المواطنون المصريون، وتمت تسميتها بالعشوائيات، بعد أن تخلت عنهم الدولة.

وعندما انتهى المشروع البحثي استقبل عاطف عبيد (رئيس الوزراء حينها) طاهر حلمي (رئيس المركز حينها) ليبلغ حلمي عبيد بالنتائج التي توصلت إليها “الدراسة”. لكن العلاقة بين المركز والدولة شهدت تغيرا جذريا مع تولي حكومة نظيف. فقد  أصبح المركز واقعيا – وقد وصلت الشريحة التي يمثلها إلى الحكم بشكل مباشر عبر عدد من الوزراء – مركزا لإعداد وصنع القرار.

وهنا لا يمكن إغفال دور المركز في بناء التحالف بين رجال الأعمال الجدد وبين مشروع التوريث. فجمال مبارك ليس مجرد عضو في مجلس إدارة المركز. بل كان المركز – مع الغرفة التجارية الأمريكية – وسيلة رئيسية لتقديمه سياسيا ولصياغة التحالف بين مشروعه السياسي وهذه الشريحة. ونشير هنا إلى العديد من المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش التي شارك فيها جمال مبارك في وقت مبكر للغاية منذ منتصف التسعينات.

نعود إلى جالبرث وإلى مقولته أن الفصل بين السياسة والاقتصاد هو مجرد وهم. الدليل لدينا هو هذا المركز الذي يقود بشراسة ويعبر بوضوح عن مشروع الليبرالية الجديدة المصري وعن هجمته القاسية على مستويات معيشتنا وينزع الحق منا جميعا في الدفاع عن أنفسنا وعن مصالحنا، بالذات في ظل تكسير الديكتاتورية لكل المؤسسات المعبرة عن العمال والفلاحين والفقراء.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s