(الخارج) الذى لا يرغب فيه النظام

وائل جمال

الشروق

6 فبراير 2011

«سويسرية جاءت من المطار رأسا إلى مصر القديمة وأطلقت النار من سيارة على اللجان الشعبية، دولارات توزع فى التحرير على المحتجين، المتظاهرون تلقوا تدريبات فى الولايات المتحدة ويتلقون منها تمويلا، إيرانيون وآسيويون يقودون المحتجين فى الميدان، نرفض التدخل الأجنبى فى الشئون الداخلية لمصر»، هذه هى بعض جوانب الدعاية الحكومية فيما يتعلق بتطورات الثورة المصرية التى هزت أركان النظام فى أيام. فبعد أن نفدت الحجج والاتهامات لم يبق فى جعبة النظام وأذنابه سوى استدعاء المؤامرة الخارجية والأصابع الأجنبية «التى تعبث بمقدرات الأمة فى لحظة عصيبة»، لتلطيخ ملايين الأشخاص، الذين يصرون على المطلب الأول للثورة..المطلب المفتاح: تنحى مبارك.

وفى خضم الأحداث الكبرى التى تشهدها مصر، لم يلتفت كثيرون لدفعتين من الوثائق السرية الأمريكية التى كشفها موقع ويكيليكس، والتى تكشف المزيد من الاجتماعات واللقاءات السرية التى كانت تتم خلال السنوات القليلة الماضية بين قيادات فى الحزب الوطنى الحاكم والبرلمان المصرى وبين قيادات السفارة الأمريكية فى مصر، والتى كانت تبحث قضايا تبدأ من خطط الضريبة العقارية وكيفية تمريرها رغم المعارضة الشعبية لها كما كشفت وثيقة قديمة إلى وفود رسمية من السفارة تجوب سيناء لدراسة أوضاعها الأمنية وتلتقى بالمسئولين السياسيين وغير السياسيين وتناقشه معهم إلى احتمالات الانقلاب العسكرى فى مصر، وهو ما ماكشفت وثيقة أن عضوا قياديا بالبرلمان يرأس إحدى لجانه (تم حذف اسمه من الوثيقة فى دلالة على ضرورة تأمينه) كان يناقشه مع مسئولى السفارة.

تكشف هذه الوثائق عن زيف ونفاق فكرة إيمان النظام حقا بخطورة التدخل الأجنبى وخاصة الأمريكى، إذ أن النظام اعتاد مشاركة الطرفين الأمريكى وحتى الإسرائيلى التفكير فى قضايا لم يكن مسموحا للمصريين مناقشتها أو حتى العلم بها.

الخارج الذى لا يتحدثون عنه الآن

منذ اللحظة الأولى لإنتفاضة 25 يناير فى مصر والموقف الإسرائيلى واضح ومحدد: مساندة نظام مبارك. ويقولها ألوف بن المعلق فى جريدة هاأرتز الإسرائيلية بوضوح: «إن سلطة مبارك التى تخبو تترك إسرائيل فى حالة من الخطر الاستراتيجى. بدون السيد مبارك، فإن إسرائيل ستصبح بلا أصدقاء تقريبا فى الشرق الأوسط».

وهكذا جاءت نداءات الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو قبل أيام ومع خروج الملايين من المصريين إلى الشارع، وبرغم أنهم لم يرفعوا، إلا نادرا، شعارات تتعلق بإسرائيل وموقف النظام منها، ليطالب المجتمع الدولى بعدم السماح بسقوط مبارك، الذى تعامل مع ثمانى رؤساء وزراء إسرائيليين على مدى سنوات حكمه الثلاثين، مستخدمين الفزاعة الكلاسيكية للغرب: ثورة على طريقة ملالى إيران.

ويقول المفكر الأمريكى اليهودى الكبير ناعوم تشومسكى، فى مقال له بالجارديان، أمس الأول إن الأصولية الإسلامية لم تشكل أبدا تهديدا للسياسة الأمريكية، قائلا إن هذه الصياغة مضللة. «الخطر العام على المصالح الأمريكية كان دائما استقلال السياسة. الولايات المتحدة وحلفاؤها أيدوا بشكل متكرر الأصوليين الإسلاميين، وأحيانا لمنع صور من القومية العلمانية». ويضرب تشومسكى مثلا على ذلك بالمساندة الأمريكية للنظام السعودى، الذى يصفه بأنه مركز الاسلام الراديكالى، وبنظام ضياء الحق الدموى فى باكستان، الذى كان المفضل لدى إدارة الرئيس ريجان، «والذى قاد عملية لأسلمة المجتمع بتمويل سعودي».

ومن بين ثورات 1989 فى أوروبا الشرقية يرى تشومسكى إن واحدة منها فقط يمكن مقارنتها بالموقف الأمريكى من الحالة المصرية هى رومانيا. «فقد احتفظت الولايات المتحدة بتأييدها للديكتاتور نيقولاى تشاوشيسكو، الأكثر قسوة فى الأنظمة الستالينية، حتى جاءت لحظة لم يعد ذلك فيها ممكنا فهللت واشنطن لسقوطه ماحية الماضي». ويقول تشومسكى إن هذا هو نمط كلاسيكى متكرر: مع فرديناند ماركوس، جان كلود دوفالييه، وسوهارتو.

ولا يمكن قراءة الموقف الأمريكى إلا فى هذا الإطار. ففى بداية الاننتفاضة كانت التصريحات الرسمية تؤكد دائما على صداقة مبارك ونظامه لواشنطن وعلى أنه أدى خدمات جليلة فى الشرق الأوسط…إلخ. ثم عندما بدأ يظهر للإدارة الأمريكية أن النظام بكل رموزه معرض للسقوط، وأن بقاء مبارك يصعب على نائب الرئيس سليمان، وهو صديق قديم للولايات المتحدة، الحفاظ على تماسك النظام وتمسكه بتعهداته تجاه الحدود ومواقفه تجاه سوريا وإيران ولبنان، وغيرها، تغير الموقف إلى: فليرحل الرئيس ليبقى النظام، وإن ببعض الشروط الجديدة التى تكفل عدم تطور الأمور فى اتجاه استقلالية غير مطلوبة للسياسة المصرية الإقليمية.

لكن هناك عنصرا آخر لا يتحدث عنه أحد فى تغير السياسة الأمريكية تجاه الموقف المصري: هو الضغط الشعبى المتزايد من قبل جماهير الأمريكيين.

الخارج الشعبي

وفى الولايات المتحدة خرج الآلاف من المتظاهرين، من الأمريكيين العاديين«تضامنوا مع احتجاجات المصريين، اتصلوا بأوباما فى البيت الأبيض على تليفون 2024561414، وارفضوا مساندة الإدارة الأمريكية للديكتاتور»، هذه هى إحدى الرسائل التى عممها ووزعها أمريكيون، هزتهم انتفاضة المصريين من أجل الحرية، الذين لم يكونوا يأبهون بمصر (إلا ربما مقصد سياحى رخيص به الاهرامات)، ليحتجوا على إمداد النظام المصرى بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى وغيرها من أدوات قمع انتفاضة الشارع، وعلى استمرار المعونة الأمريكية للنظام، التى تبلغ حاليا 1.3 مليار دولار.

المظاهرات الشعبية الأمريكية جابت شوارع واشنطن وشيكاجو وونيويورك وسان فرانسيسكو ولوس أنجليس وسياتل وسانت لويس، وتليفونات الأمريكيين العاديين أغرقت البيت الأبيض بفيض من الاعتراضات اضطرته لحجب تلقى المكالمات بشكل مؤقت.

الأمر تكرر فى عواصم ومدن أخرى عبر العالم من ماليزيا إلى باريس ولندن. لماذا؟

لأن روعة ما يحدث فى شوارع مصر من نضال للناس العاديين الذين نفضوا خوفهم ووقفوا بصدورهم نساء ورجالا وشيوخا وأطفالا، فى وجه قمع الديكتاتور وفى وجه الفقر والفساد، يمس كل هؤلاء الذين لدمن يشترك معهم فى الإنسانية أو المعاناة. لقد كتب الكاتب الأمريكى نيقولاس كريستوف مقالا فى النيويورك تايمز قبل يومين عنونه «كلنا مصريون»، منهيا إياه قائلا «إن المصريين، الذين يمتلكون قلوب أسود، والذين قابلتهم فى ميدان التحرير، يقدمون حياتهم من أجل الديمقراطية والحرية ويستحقون أقوى مساندة وبصراحة فإننا يجب أن نستمد الإلهام منهم. ويقدم لنا المصريون درسا سريعا بلغتهم العامية: النهاردة كلنا مصريون».

«شكلنا أمام العالم»

إن تحول الثورة المصرية إلى الهام شعبى وفكرى فى كل العالم الباحث عن الحرية والعدالة ينبنى على ظهور قوة الجماهير الشعبية العالمية منذ بداية العقد الحالى. تلك القوة التى ظهرت فى سياتل فى 1999ـ2000 ضد مظالم الليبرالية الجديدة والعولمة التى جاءت بها لصالح الشركات الكبرى وعلى حساب العمال والفلاحين والصيادين الفقراء. هذه القوة الشعبية التى صارت ضميرا للعالم حينما تحركت بالملايين فى 2003 احتجاجا على ضرب العراق، وهى قوة لا يحركها النفط ولا تحركها صراعات المصالح فى النظام الدولى. هذه قوة ضمير الإنسانية الشعبى..قوة تحيى صمود وبطولية المصريين وتقف معهم فى نفس الخندق دفاعا عن الحرية.

على العكس من كل ذلك، استخدم رئيس الوزراء الجديد الفريق أحمد شفيق فى مؤتمره الصحفى الأول، فكرة «شكلنا أمام الخارج» عدة مرات مؤكدا أن تنحى مبارك الآن يسىء إلى ما أسماه «الأصوليات» أو «الأصول»، وأنا أطمأنه: رحيل مبارك سيعنى تدعيما لصورة مصر وشعبها فى العالم لا العكس لأن ذلك هو انتصار لضمير المجتمع الشعبى العالمى، والذى يسيئه فعلا هو أن يخسروا أمام قوى الهجانة التابعة للديكتاتورية، ما يسيئهم هو إصرار النظام على إبقاء رئيس لا يرغب فيه شعبه.

لقد نجحت ثورة مصر فى 12 يوما فى استعادة ما أهدرته سياسة نظامكم الخارجية على مدى ثلاثين عاما. إن مصر كإلهام حضارى وفكرى وسياسى وكرمز عربى للحرية والديمقراطية، عادت على أيدى أبطال التحرير فى القاهرة والمحافظات، لتدفع الآلاف فى بيروت ودمشق وعمان وصنعاء وتونس وثمانى مدن عربية، إلى التظاهرة يوم الجمعة تأييدا ومناصرة للمصريين الذين مسحوا كل مناكفات القادة ومأجورى كرة القدم فى لحظة.

نعم كلنا الآن مصريون سواء كنا مسلمين أو مسيحيين، إسلاميين أو شيوعيين أو ليبراليين أو علمانيين، ثورتنا بأيدينا لا يحركها أحد، و»الخارج» الذى يساندنا هو «خارج» الإنسانية والعدالة والمساواة..»خارج» الناس لا «خارج» الجيوش والشركات الذى يدفع الثمن، والذى أنتم أول حلفائه وأذرعه ضدنا وضد شعوب منطقتنا.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s