التنمية بأموالنا المهربة فى الخارج

وائل جمال

الشروق

21 ديسمبر 2010

 يقول آدم سميث، أبو النظرية الاقتصادية الرأسمالية، إن «المرشحين للثروة كثيرا ما يتخلون عن طرق الفضيلة، لأن الطريق الذى يؤدى للثروة والآخر الذى يؤدى للفضيلة، وذلك من دواعى التعاسة، يقعان أحيانا فى اتجاهات متضادة تماما».


ما قاله سميث عام 1759، فى كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية، مازال يصدق حتى الآن فى رأسمالية القرن الحادى والعشرين. وهاهى مبادرة استعادة الأصول المنهوبة، التابعة للأمم المتحدة والبنك الدولى، تخبرنا فى تقرير لها الخميس الماضى، إن حجم الأموال المهربة للخارج، التى تخسرها الدول النامية، يصل سنويا إلى ما بين 20 إلى 40 مليار دولار، بسبب الرشاوى والاختلاس، وصور الفساد الأخرى.

ولا يوجد تقدير رسمى مصرى معلن (فى حدود علمي) لحجم الأموال الهاربة من مصر فى إطار الفساد. لكن تقديرا لمنظمة النزاهة المالية العالمية الأمريكية غير الحكومية فى مارس الماضى يؤكد أن شمال أفريقيا (يضم الجزائر ومصر وليبيا والمغرب وتونس) خسر 1.767 تريليون دولار من التدفقات المالية غير الشرعية خلال 40 عاما تنتهى فى 2008.

وهو رقم يساوى حوالى 56% من الناتج المحلى الإجمالى لها فى 2008. ولا تشمل هذه الأموال الفاسدة المهربة التهريب ولا تجارة المخدرات والا الاتجار فى البشر، بحسب «النزاهة المالية العالمية».

أما نصيب مصر من هذه الأموال فهو يرقى للمركز الثانى أفريقيا، بعد الجزائر، بحوالى 73 مليار دولار ما بين 1970 و2004. وبينما يربط دعاة فتح الأسواق بين سيطرة الدولة على الاقتصاد وبين الفساد وتهريب الأموال نجد أنه، وفقا لتقديرات المنظمة، فإن المعدلات السنوية للتدفقات غير الشرعية زادت ابتداءا من عام 2004، وقت تولى حكومة نظيف النيوليبرالية، لتصل إلى إجمالى 32 مليار دولار، فى خمس سنوات فقط من 2004 إلى 2008، وهو ما يقرب من نصف التدفقات الهاربة فى أربع عقود. يذكر هنا أن تحرير التدفقات الرأسمالية كان أحد أهم أعمدة السياسة الاقتصادية لهذه الحكومة، وهو ما صار صندوق النقد الدولى يدعو لعكسه مؤخرا داعيا الدول النامية لفرض بعض القيود عليها لتأمين اقتصاداتها من عدم الاستقرار.

ويرفع تقدير آخر للباحثين الرائدين فى المجال جيمس بويس وليونس نديكومانا إجمالى الرقم خلال نفس ال 4 عقود إلى 105 مليارات دولار، منها 42.5 مليار دولار فى الخمس سنوات الذهبية للرأسمالية المصرية الحرة فى البلاد.

ويتجاوز هذا التقدير حجم صافى الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التى جلبتها مصر ما بين عامى 2005-2006 و2008-2009 الماليين، الذى يتوقف عند 38 مليار دولار.

إن التكلفة الاجتماعية للفساد تتجاوز بمراحل قيمة الأصول المسروقة من قبل المسئولين الحكوميين وغيرهم. الفساد يضعف الثقة فى مؤسسات الدولة ويفسد توصيل العوائد الاقتصادية للشريحة الأوسع لمقاومة الفقر وتحسين التعليم والصحة.

تعالوا معى نتخيل ما الذى كان يمكن أن يحدث لو أن 80% أو 70% أو حتى 50% من هذه الأموال قد أعيد استثمارها فى أوجهها السليمة فى الاقتصاد المحلى. ما حجم الوظائف التى كانت لتخلقها؟ أو كان من الممكن انفاقها على التعليم والصحة، وهو استثمار فى قدرة المصريين على الانتاج والابداع.

ويعتبر ريموند بيكر، الذى يرأس حاليا منظمة النزاهة المالية العالمية، وهو سلطة فى الموضوع منذ أصدر فى 2005 كتابه «كعب آخيل: الأموال القذرة وكيف نجدد نظام السوق الحرة»، أن هذه الظاهرة تهديد بالغ للرأسمالية العالمية.

ليس هذا فقط بل إن بيكر يؤكد أن الدول المتقدمة تستفيد من هذه الوضعية على حساب الدول النامية. «الدول الأغنى هى أكبر مروج لهذا الوضع غير القانونى فى التجارة والتمويل العالميين. فتريليونات الدولارات تتدفق بلا مجهود إليها»، بل إن دول أوروبا وأمريكا الشمالية تترك متعمدة ثغرات قانونية فى أنظمتها المالية لتفتح الأبواب لهذه التدفقات، كما يقول الباحث الأمريكى.

وفى الوقت الذى يجب على الدول النامية، ومنها مصر، فيه أن تغلق «محبس» الفساد عندها، بالمزيد من الديمقراطية والرقابة الشعبية والقانونية على موظفيها العموميين وقطاعها الخاص، وأن تعيد النظر فى سياسات التحرير الكامل للتدفقات الرأسمالية، بحسب نصائح صندوق النقد، فإن ما راح لم يذهب بلا رجعة.

تدعونا الأمم المتحدة ومعها البنك الدولى إلى العمل على استرداد هذه الأموال مرة أخرى. وتقول لنا مبادرة استعادة الأصول المنهوبة فى «دليل عمل»، أصدرته يوم الخميس الماضى، إنها عملية معقدة لكنها ممكنة، إذا توافرت الكفاءات القانونية المطلوبة والتكتيكات المناسبة، وقبلهما الإرادة السياسية بالطبع.

يستخدم ريموند بيكر، فى مجال التدليل على خطورة الأموال المهربة على الرأسمالية، الأسطورة حول آخيل، الذى قاد معركة طروادة لمدة 10 سنوات وانتصر على الطرواديين وهزمهم هزيمة نكراء انتقاما لصديقة باتروكلس، قبل أن يقتل فى عز نصره بعد أن وجه له أحدهم سهما أصابه فى وتر كعبه.

ويدافع بيكر عن ضرورة إيقاف هذه التدفقات غير الشرعية لإنقاذ نظام السوق الحرة. غير أن مصداقية ما قاله آدم سميث قبل 250 عاما تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ضرورة فرض طرق الفضيلة على أولئك الساعين للثروة على حسابنا.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s