نصيبنا من كعكة الاقتصاد

وائل جمال

الشروق

29 مايو 2011

إجراء مدهش ذلك الذى أعلنته الحكومة منذ أيام بتجميد الضريبة العقارية.

لم تختر حكومة شرف التأجيل بل التجميد مما يعنى أن أمده أطول وغير محدد. ووجه الدهشة فيه هو أن هذه الضريبة هى إجراء اقتصادى نادر من نوعه فى حكومة نظيف من حيث إنه يضع العبء على الأغنياء لا الفقراء.

وفى زمن ثورة قامت من أجل العدالة الاجتماعية وضد عدم المساواة، كان غريبا أن تختار حكومة، اختار الميدان رئيسها، أن تقدم بهذه السرعة والجرأة على إجراء يسعد كل هؤلاء المستفيدين الذين اشتروا عشرات العقارات للمضاربة والتجارة وتغازل أولئك الذين يمتلكون ثروة عقارية بالمليارات فى الساحل الشمالى، لا يسددون عنها للدولة (التى بنت ووصلت جميع الخدمات وتصونها لهم من أجل قضاء شهرين فى العام فى بعض من وحداتها) أى ضرائب.

فى الوقت ذاته تتباطأ نفس الحكومة فى تطبيق إجراءات سريعة فيما يتعلق بمطلب إجماعى (يحظى بمساندة حكم قضائى)، هو رفع الحد الأدنى للأجور فى القطاعين العام والخاص، وتعلن عن احتمالات غير محسومة لضريبة تصاعدية لن تتجاوز 25 % فقط فى الشريحة الجديدة، مقارنة بمعدلات ترتفع تدريجيا لتصل على الأغنياء إلى 35 % فى كعبة الرأسمالية فى الولايات المتحدة، و40 % فى فرنسا، و45 % فى استراليا، و50 % فى بريطانيا، و55 % فى بلجيكا، و60 % فى الدنمارك.

وكل هذه الدول رأسمالية، وليس بها حجم عدم المساواة التى لدينا ولا نسب الفقراء التى لدينا، ولا درجة الاحتياج الهائل لمساندة الدولة للتعليم والصحة والخدمات التى لدينا.

الكعكة الصغيرة والكعكة الكبيرة

ففى كل مرة كانت تنطرح فيها قضية رفع الأجور أو تحسين التعليم أو الانفاق على الطرق كان السؤال المستنكر يأتينا مصحوبا بفزاعته: ومن أين نمول كل هذا؟ إيرادات الدولة أصلا قليلة، والعجز كبير وقد يزيد إلى حدود ال12% فى العام المالى الجديد بحسب وزير المالية. وعادة ما يقترن هذا الحديث بالحديث عن الكعكة الاقتصادية التى يجب أن تكبر أولا لتسمح بهذا الانفاق وتضم أكلة جدد، لأنها أصلا صغيرة.

كان هذا الموقف، المتوافق تماما مع نظرية أن الأولوية للنمو عبر تشجيع أرباح الرأسماليين ونشاط الشركات الكبرى، حتى لو عنى ذلك تقليص الجمارك والضرائب، يستنتج دائما أن إعادة التوزيع لكعكة الاقتصاد بشكل أكثر عدلا يعنى «توزيعا للفقر يوقف عجلة الإنتاج ومن ثم يرفع البطالة… إلخ».

آن أوان نسف هذه النظرية، ولأسباب عديدة منها أن عدم المساواة توقف نمو الكعكة من الأصل بما تسببه من فقر وجهل وغياب للكفاءات. لم تعد هذه قناعات اليسار أو الراديكاليين من الاقتصاديين أو ما إلى ذلك بل صارت تشكل فى لحظتنا هذه أساسا لتفكير المنظمات الاقتصادية الكبرى فى الرأسمالية العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي: المساواة وزيادة الأجور طريق النمو المستدام والتنمية، ووسيلة لاتقاء شر الأزمات الاقتصادية.

●●●

لكن هناك سببا آخر ننفرد به تقريبا فى مصر. هو أن سوء توزيع الأعباء والمكاسب الاقتصادية الفادح لصالح بعض الشركات والأغنياء يمكننا من إجراءات سريعة وحاسمة تدعم الموازنة، التى ورثنا عجزها الأزلى من زمن صقور السوق الحر، وتمكن أى حكومة ثورة بحق ترغب فى تمثيل مصالح الأغلبية الفقيرة النهمة للوظائف والحياة الكريمة.

كعكة أسمنتية حديدية

يركز كثيرون بحق على ضرورة مراجعة بيع الغاز المصرى لإسرائيل، من حيث أسعاره المتدنية أو ربما حتى من حيث المبدأ.

بما أننا نوشك على الدخول فى أزمة طاقة فى السنوات القليلة المقبلة، طاقة نحتاجها فى بناء نهضة بلدنا.

هم محقون لأن رفع سعر الغاز للسعر العالمى عند 12 دولارا للمليون وحدة حرارية بدلا من 3 حاليا، يعنى إضافة حوالى مليار ومائة مليون دولار، أو حوالى 7.5 مليار جنيه سنويا، للموازنة. كما يمكن إضافة 900 مليون دولار (5.3 مليار جنيه) أخرى لو فعلنا نفس الشىء مع الأردن.

لكن الأخطر والأخطر، والذى لا تتحدث عنه الحكومة ولا أحد، فهو الدعم الذى ندفعه أنا وأنت من جيوبنا، حتى لحظتنا هذه، لمصانع عز وأبوالعينين وشريف الجبلى، وغيرهم من رجال النظام القديم.

تقول إحدى الدراسات البحثية المتخصصة غير المنشورة إن مصانع الأسمدة المصرية، التى تعتمد تماما على الغاز فى الإنتاج، إن تشترى الغاز حاليا بدولارين ونصف، تزيد إلى 3 فى الأسمنت والحديد، و3.8 دولارات فى البتروكيماويات. بينما تشترى مصانع قطاعات أخرى منها السيراميك الغاز ب 2.1 دولار فقط.

قد يقول قائل هنا إن هذه الصناعات تحتاج لهذا الدعم الحكومى فى مواجهة المنافسة الخارجية لحماية الصناعة المحلية وإلا لانهارت، وهو بعض منطق الدعم الحكومى اقتصاديا. لكن الدراسة تقول لنا إن هامش الربح (EBITDA) المتوسط فى كل هذه القطاعات يفوق مثيله فى العالم. وبمراحل. فهو فى الأسمدة 65% مقارنة بمتوسط عالمى 30 %، وهو فى الأسمنت 50 % عندنا مقارنة بـ25 %، وهو فى الحديد 21 % مقارنة بـ13 %، وفى البتروكيماويات 51 ٪ مقارنة مقارنة 15 %، وفى باقى القطاعات ومنها السيراميك 43 % مقابل 20 %.

مامعنى هذا؟ معناه أموال تضخ بشكل مباشر من جيبى وجيبك فى جيب المسيطرين على هذه الصناعات وبعضهم ليس مصريا أصلا، وفى قطاعات بعضها ملوث للبيئة وأغلبها كثيف رأس المال ولا يشغل سوى عمالة قليلة للغاية، بينما تبيع هى منتجاتها بالأسعار العالمية. معنى هذا أيضا أن المنافسة ضعيفة فى هذه الأسواق وأن هناك ممارسات لها طابع احتكارى.

ماذا لو رفعنا سعر غاز الشعب الذى تحوله هذه الشركات إلى أرباح؟ هل تنهار؟ لا على الاطلاق. تقول لنا نفس الدراسة إن رفع السعر إلى ستة دولار بالنسبة للحديد والأسمنت والقطاعات المتنوعة التى من بينها السيراميك يقلل هوامش ربحيتها إلى 33 % و16 % و19 %، وكلها فوق المتوسط العالمى. أما رفع سعر الغاز لمصانع الأسمدة والبتروكيماويات إلى 8 دولارات للمليون وحدة حرارية فهو يقلل مؤشر الربحية فى الأولى إلى 34 % مقارنة بـ30 % عالميا وتبقى فى الثانية 39 % مقابل 15 % عالميا.

يعنى هذا أن كل هذه الشركات ستظل تنتج بربحية تنافسية ممتازة أعلى من المعدلات العالمية، وهو الأمر الذى يعنى أنه فى ظل رقابة جيدة على السوق يمكن ضمان عدم تمريرها الزيادات للمستهلكين دون المساس باستقرار الشركات.

أما ما نوفره نحن فيصل إلى 1.6 مليار دولار سنويا.

نعم: 9.5 مليار جنيه سنويا أى حوالى 47.5 مليار جنيه فى خمس سنوات وفى إجراء عادل وسريع وبسيط يتعلق بشركاتنا المحلية، التى عليها أن تشارك قليلا فى نهضة الوطن وحل متاعبه (إلا إذا كان دفع العجلة إياها وتحمل متاعب الاقتصاد حكرا فقط على الفقراء فى زمن أزمات الربح وأيضا فى زمن الثورة). تصوروا ماذا يحدث لو تم إنفاق هذا المبلغ على التعليم فى الخمس سنوات المقبلة. ألا يمكننا من ثورة فى قدرات أبنائنا وبناتنا، وتحول هائل فى مستقبل وطننا؟

مصالح وتفضيلات سياسية

تقسيم الأعباء والفرص إذا ممكن. تقسيم الكعكة ممكن والغاز ليس المجال الوحيد الذى يمكن فيه تصحيح الأوضاع المقلوبة. ومن حق كل فقراء هذا الوطن الذين دفعوا ثمن عقود الاستبداد من صحتهم وصحة أطفالهم، من تعليمهم، ومن الخدمات التى يتلقونها، ومن موارد البلد التى تم إهدارها، أن يستردوا قليلا من نصيبهم المنهوب لصالح القلة. هم أولى بالـ3 مليارات جنيه، الحصيلة المتوقعة للضريبة العقارية، والتى سترشد الاستثمار الجنونى للمضاربة فى الإسكان الفاخر فى الوقت الذى لا يجد فيه مئات الآلاف سنويا السكن الملائم. هم أولى بغازهم أو على الأقل بثمنه يعين بعضا من الـ700 ألف شخص الذين انضموا لصفوف العاطلين فى الشهور الماضية أو حتى سائقى التاكسى الذى يعانون من بطء النشاط الاقتصادى، ويساهم فى الاستجاة للمطالب العادلة للاحتجاجات الاجتماعية. لكن هذا قرار سياسى قبل أن يكون اقتصاديا. وعلى حكومة شرف أن تختار بين تبنى مصالح الأغلبية المستحقة للعدالة الاجتماعية بعد أن دفعت ثمنا باهظا فى مواقع العمل ثم ضحت بحياتها لاسقاط الديكتاتورية، وبين أن تستمر على عهد السابقين فى تغليب مراكمة أرباح القلة على ماعداه.

وهو اختيار يحسن له أن يتنبه للتوازن الجديد على الأرض: الفقراء اقتحموا ساحة السياسة بثورة، ويبنون نقاباتهم المستقلة فى المصانع والحقول والسواحل. الفقراء صار لهم أنياب.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s