مريم عبدالغفار.. شهيدة الفئوية

وائل جمال

الشروق

14 يونيه 2011

أم محمد، أو مريم عبدالغفار، 42 سنة، عاملة بمصنع المنصورة إسبانيا للملابس الجاهزة من قرية حواس التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية. قضت فيه نصف عمرها تقريبا قبل أن تفقد حياتها يوم الثلاثاء الماضى وهى معتصمة أمام البنك الذى يملك حصة الأغلبية فى المصنع ويعمل على تصفيته وإغلاقه منذ أكثر من 4 سنوات.

مطالب مريم وزملائها بسيطة: تشغيل المصنع ودفع أجور العمال. فى الدقائق الأخيرة من حياتها جلست مع زملائها وزميلاتها تحكى لهم عن خطبة ابنها محمد المتعثرة بسبب توقف المصنع وامتناع البنك عن تسديد أجور العمال المتبقين بعد نجاحه فى تقليص عددهم من 3000 إلى مئات قليلة.

بعد سنوات من الإضرابات والاعتصامات خاضتها دفاعا عن الحق فى تشغيل المصنع أو التعويض الملائم، كانت مريم تتصور أن الثورة ستجلب لها ولزملائها حقوقهم بعد أن فتحت الباب للفقراء المنتجين من أمثالها لأن يرتفع صوتهم فى عالم السياسة. لكن الشارع المغلق أمام المرور تم فتحه فجأة أمام سيارات نقل. وبعد تحريض من جهات متعددة لإجبار المعتصمين على الرحيل، حاولت إحدى السيارات المرور بشكل قسرى وسط الاعتصام فدهست مريم وأصابت سبعة آخرين.

تسمى الحكومة، ومعها كثيرون فى الإعلام، مطالب مريم وزملائها «فئوية». وتعطى كلمة فئوية هذه انطباعا مقيتا بأنها مطالب خاصة وأنانية وضيقة. ثم تُستكمل الفكرة السياسية الفاسدة بأنها مطالب غير مشروعة لأنها تأتى على حساب «مصلحة مصر».

وليس هناك فى الحقيقة ما هو فئوى ومنحاز لمصالح ضيقة فى مواجهة مصالح أغلب المصريين أكثر من هذه الرؤية. فالشهيدة مريم، وغيرها كثيرون، يطالبون بتشغيل مصنع موجود ومتوقف. ولا يمكن وصمها أو وصمهم بتهمة «تعطيل عجلة الإنتاج»، التى كان ينبغى توجيهها للمصرف الذى يمثل المستثمر الرئيسى. وكان ينبغى لو أن القانون الجديد، الحريص على العجلة، محايد تحويل رئيسه للنيابة وفق المادتين 86 و86 مكرر.

الشهيدة مريم طالبت بحقها فى العمل وحقها فى العيش وتزويج ابنها ليس أكثر. وهذه مطالب وحقوق أغلبية المصريين، الذين داسهم نظام مبارك الاقتصادى المنحاز ضدهم قبل أن تدوسهم سياسة «نحن أدرى بمصالحكم»، التى تدافع عنها حكومة شرف.

نفس الوضع ينطبق على فلاحى الأوقاف الذين اعتقلتهم الحكومة من أمام مجلس الوزراء، بتهمة تعطيل عجلة الإنتاج، ثم تقرر النيابة الإفراج عنهم بشرط مستحيل هو كفالة 10 آلاف جنيه، قبل تطلق سبيلهم بضمان محل إقامتهم فى نفس اليوم الذى نظم فيه النشطاء مظاهرة أمام دار القضاء العالى احتجاجا على الكفالة وعلى التحقيق معهم.

اعتصم هؤلاء أمام مجلس الوزراء بعد أن طردتهم الأوقاف من أراضيهم التى يزرعونها وبيوتهم التى يسكنوها، لرغبتها فى بيع الأرض بالمزاد لاستثمارها فى مجال آخر. وبينما اعتصم الآلاف فى نفس المكان فى السنوات الماضية، وفى ظل ديكتاتورية مبارك، ومنهم من قضى شهورا كعمال مراكز المعلومات أو موظفى الضرائب العقارية، دون أن يتم تحويلهم للنيابة، جاءت حكومة شرف لتعتقلهم وتحاكمهم.

ويزيد الطين بلة حينما تنبنى هذه السياسة المتشددة على وهم. فلا دليل على الإطلاق على أن الاحتجاجات الاجتماعية (وهذا هو الاسم الحقيقى لإضرابات العمال ومظاهرات واعتصامات المهنيين والفلاحين..الخ)، هى السبب فى تراجع الإنتاج. ولم تقدم الحكومة لنا إحصائية واحدة علمية حول ذلك. بل إن وزير التجارة والصناعة نفى هذا الأمر فى حوار مع الشروق، كما رفضه أغلب رجال الأعمال فى استطلاع رأى أجرته جريدة المال المتخصصة قبل أسابيع، مؤكدين أن المشكلة الأساسية أمام الاقتصاد هى غياب الشرطة.

فى الوقت نفسه تستجيب الحكومة فورا لمطالب بعض رجال الأعمال، وأغلب هذا البعض ممن استفادوا بشكل مباشر من فساد نظام مبارك، بإلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية التى أقرتها فى مشروع الموازنة. ألغت الحكومة الضريبة دون النظر لرجال أعمال آخرين، منهم قيادات فى القطاع المالى، أيدتها.

كما لا تتعامل الحكومة بأى شدة مع قيادات بالقطاع المصرفى العام والخاص، وبعضهم معروف بصلات قريبة بجمال مبارك ومشروعه، ترفض إمداد الشركات والمستثمرين بالقروض، مما يعطل اتمام المشروعات ودورة الإنتاج. ويسمى مستثمرون راغبون فى الإنتاج وفى العمل هذا بسياسة «الأيدى المرتعشة»، وهى سياسة تمتد إلى موقف الحكومة المتردد الواهن حينما يتعلق الأمر بالبلطجية.

يكشف هذا حجة التوقيت المتهافتة التى يدفع بها البعض. يقولون: نعم المطالب مشروعة لكن التوقيت غير ملائم لأن مصلحة البلد قبل كل شيء. أليست هذه الحجة تكرارا لنفس ما كان نظام مبارك يقوله وهو يدعو معتصمى التحرير للعودة إلى منازلهم؟ مطالبكم مشروعة لكن وجودكم فى التحرير يضر بالبلد كلها.

أليست مطالب الحق فى العمل وفى الأجر العادل وفى اقالة المسئولين الفاسدين مطالب عاجلة واجبة التنفيذ بعد ثورة شارك فيها الملايين؟ ناهيك عن أن الحق فى الإضراب والاعتصام هو حق راسخ من حقوق الإنسان يكاد يكون فى لحظتنا هذه، الضمان الوحيد لإعادة قدر من التوازن فى نظامنا السياسى ليتسع لمصالح العدد الأكبر من الناس.

ألم يكن ممكنا توفير مليارات الجنيهات فى الموازنة الحالية، التى لم نرها كاملة حتى الآن، عبر إجراءات يمكن تفعيلها فورا، كالضريبة العقارية وتقليص الدعم الذى ندفعه لغاز مصانع السيراميك والحديد والأسمدة وعبر ضريبة حقيقية على الأرباح الرأسمالية الناتجة عن المضاربة فى البورصة وفى الأراضى، وكلها إجراءات تخدم الاقتصاد ككل قبل أن تعمل لدعم الانفاق على صحتنا وتعليمنا ومواصلاتنا وانسانيتنا فى العمل؟

إن النظام الذى يتجاهل مصالح الكثرة المنتجة لحساب قلة مستفيدة ــ لكن مازالت متمكنة من الاقتصاد والاعلام والسياسة ــ هو الذى يستحق وصمة الفئوية. ودماء مريم فى رقبته.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s