أمريكا تبحث عن أرنب آخر فى القبعة

وائل جمال

الشروق

9 أغسطس 2011

 هل يمكن تفادى دخول العالم فى كساد آخر عميق يحول أسوأ كوابيس الرأسمالية العالمية إلى حقيقة؟ هكذا تساءل الاقتصادى الأمريكى الشهير نورييل روبينى فى مقاله أمس فى جريدة الفاينانشيال تايمز البريطانية العريقة تحت عنوان «المهمة المستحيلة: منع كساد جديد».

يشير روبينى إلى أن ما حدث فى الولايات المتحدة على مدى الأسبوعين الماضيين، أى الجدل حول سقف الدين الحكومى الأمريكى ثم تخفيض مؤسسة ستاندارد آند بورز الائتمانية لتقييم اقتصاد الولايات المتحدة، لم يكن فقط إلا القشة التى قصمت ظهر البعير.

صحيح أن هذا التقييم كان دعامة أساسية للرأسمالية العالمية والتوازن الدقيق الذى أقامت حياتها عليه خلال السنوات الماضية، وأن تخفيضه، الذى لم يكن يعتقد أحد أنه ممكن، إذ كان يجعل من الأوراق الحكومية الأمريكية تقريبا بلا مخاطر، له عواقب وخيمة لا شك فيها. لكن الأمر يتجاوز قضية التقييم، وحتى قضية الدين الأمريكى، للاقتصاد الحقيقى الذى كان يوشك فى كل الأحوال على دخول كساده الثانى الحاد فى أعمق أزمات الرأسمالية منذ الثلاثينيات.

فقد شهد النصف الأول من العام الحالى تراجعا عالميا فى النمو وصل لحد الانكماش فى بعض الحالات. وكانت المؤشرات الاقتصادية الأمريكية سيئة للغاية فى فرص التشغيل الجديدة والانتاج الصناعى والاستهلاك مع تراجع ثقة المستثمرين واستمرار الانقباض فى قطاع الاسكان. ونفس الشىء يصدق على أوروبا، التى تواجه خطر افلاس عدة دول بها منها دولتان ــ إيطاليا وإسبانيا ــ هما أكبر من أن يتم مساندتهما ماليا، بحسب روبيني. وحتى القوى الصناعية الجديدة، كالصين والبرازيل، ليست فى وضع إيجابى بتراجع مؤشرات الانتاج الصناعى العالمى.

الأمر لا يتعلق بالأساس إذن بحماقة عدم الانضباط المالى فى أكبر اقتصاد فى العالم. صحيح أن الأمريكيين ينفقون أكثر بكثير مما ينتجون ويضطرون للاستدانة مما خلق أكبر عجز فى الموازنة الحكومية فى تاريخ البلاد، وعجزا تجاريا قياسيا. لكن من قال إنه كان هناك خيار آخر من وجهة نظر أرباح الشركات، المحرك الرئيسى الذى يوشك أن يكون الوحيد فى النموذج الاقتصادى الأمريكى، الذى هيمن على السياسة الاقتصادية العالمية فى العقود الأخيرة؟

لقد قام الاقتصاد العالمى على معادلة هشة لكنها أخرت هذا الكساد الذى نراه الآن لسنوات. فقد قاومت الولايات المتحدة تراجع قوتها الاقتصادية ومن ثم السياسية بصفقة تحفظ أرباح مؤسساتها الكبرى وقت النمو العالمى مؤقتا من الأزمة. الصين تنتج وتصدر للمستهلك الأمريكى سلعها الرخيصة، بينما يستدين هو وحكومته لشرائها، بينما تمول الصين الدين الحكومى الأمريكى المتضخم بشراء الأوراق الحكومية الأمريكية، ذات التصنيف السوبر، ويبقى الدولار عملة العالم السوبر. الجميع كان يعرف أن هذا التوازن هش لكنه كان الحل الوحيد لابطاء تدهور معدلات الأرباح فى أمريكا وخارجها.

من ناحية أخرى، كان عجز الميزانية الأمريكية المتضخم نتاج سياسة أخرى ذات طابع محلى، سياسة تعبر عن انحيازات سياسية واجتماعية واقتصادية واضحة للشركات الكبرى. فهذا العجز ترافق مع توجهين مرتبطين ببعضهما: أولا، تخفيض الضرائب على الشركات والأغنياء وتخفيض الفائدة من قبل الاحتياطى الفدرالى لتسهيل الاقتراض الاستثمارى، مما تسبب فى تجفيف موارد الدولة. وثانيا، تخفيض هائل فى الانفاق الاجتماعى على الصحة والتعليم وفقراء الأمريكيين. ثم جاءت السياسة الاقتصادية، التى دفعت ثمنا باهظا لحماية مصالح الشركات الكبرى فى الخارج بتمويل حربى بتريليونات الدولارات، لتقلب كل المعتقدات الاقتصادية بدعم خرافى للشركات المتداعية بفعل الأزمة المالية وصل لحد التأميم، لتدعم الموازنة الرأسمال الكبير بتريليونات أخرى، بعجز سيكون على المواطنين الأمريكيين سداده من جيوبهم.

فى وسط كل هذا الوضع المأساوى، جاء الصراع، الذى هو سياسى فى منابعه، بين الجمهوريين والديمقراطيين حول سقف الدين ليزيد الطين بلة لا أكثر. الصراع سياسى لأن الكونجرس نفسه الذى عليه أن يضع سقفا للدين، كان مقصودا من قانونه فى الستينيات أن يتحكم البرلمان فى الاقتراض، هو الذى يقرر الانفاق. رفض الجمهوريون رفع سقف الدين الذى طلبه الديمقراطيون دون تخفيض الإنفاق، وكان بالأولى تقليص الانفاق منذ البداية. هذا التنابذ السياسى أعطى انطباعا بأن الصفوف ليست موحدة فى مواجهة الكارثة، مما كان دافعا إضافيا لقرار ستاندار آند بورز التاريخى.

الآن على الرأسمالية العالمية مواجهة واقع جديد: دولار أضعف بما لذلك من تداعيات هائلة على التجارة العالمية وعلى التوازن الهش الأمريكى الصيني. ارتفاع فى تكلفة الاقتراض الأمريكى قد تؤدى لمزيد من التباطؤ وضعف القدرتين الحكومية وللقطاع الخاص على تحريك السوق. والحل؟ يقول روبينى إن الرأسمالية العالمية استخرجت كل الأرانب من قبعتها السحرية على مدى 3 أعوام فى مواجهة الكساد المر الأول وإنه ربما تنجح إذ وصلت لصيغة «توسع فيها الانفاق الحكومى لتحفيز السوق على المدى القصير ثم تعود لسياسة تقشف على المدى المتوسط». ويتشكك روبينى قائلا: «ربما لم يعد هناك أرانب أخرى».

بل سيكون على الرأسمالية العالمية أيضا أن تواجه الحركة الاجتماعية المتصاعدة من الأغلبية الرافضة تحميلها مرارة الأزمة بعد أن مولت أرباح الكبار على مدى عقود من جيبها. (أنظر إلى اسبانيا واليونان وبريطانيا وحتى أمريكا نفسها فى ويسكونسن).

هذا الواقع المرير الذى يمر به الاقتصاد العالمى، يضع تحديات جديدة أمام الاقتصاد المصرى الذى يحاول تغيير مساره بعد الثورة. فالان انقطع الطريق أمام أساطير الماضى، التى تحاول شق طريقها مرة أخرى لحاضر ما بعد ثورة العدالة الاجتماعية. الاستثمار الأجنبى المباشر لم يعد بديلا متاحا ناهيك عن كونه حلا سحريا لمشاكلنا الاقتصادية. الوضع الجديد يسدل الستار أيضا على اوهام حزم المساعدات المبالغ فيها بشدة التى أعلن عنها فى مؤتمر مجموعة الثمانية فى مايو الماضى (بين 20 و40 مليار دولار لم نسمع عنها بعد انتهاء المؤتمر). أما التوجه للتصدير كمحرك للاقتصاد فأعتقد أنه سيكون غير واقعى فى هذه الظروف الجديدة.

العالم الجديد يقودنا للبحث عن أرنبنا السحرى فى قبعة أخرى: تستند على مصالح المواطن المصرى المنتج وتتوجه لاحتياجاته وتوسع إمكانياته بتسليحه بالصحة والتعليم والكرامة. تبنى نفسها على السوق المحلية الواسعة وتستهدف التنمية. قبعة تمثل مصالح الأغلبية بنظام عادل فى الفرص والعوائد. فقد انكشفت ألاعيب الساحر القديم.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s