حول الصدمة النفطية الجديدة

 

وائل جمال

أوراق اشتراكية

نوفمبر-ديسمبر 2005

قد تكون الرأسمالية العالمية قد استطاعت تجاوز الصدمة النفطية التي تسبب فيها ارتفاع أسعار البترول في أعقاب إعصاري كاترينا وريتا بسلام، لكن العديد من العوامل تؤكد أن هذه ليست نهاية المطاف. وائل جمال يحلل الأسباب وراء ارتفاع أسعار النفط مؤخرًا وطبيعة الصدمة النفطية المترتبة عليها.

في نوفمبر 2001 كان سعر برميل البترول يدور حول 18 دولارًا، وخلال الأسابيع الماضية، وصل سعره إلى مستوى 67 دولارًا، أي أن الأسعار تضاعفت ثلاث مرات ونصف المرة على مدى أربع سنوات. في هذا الإطار جاء إعصارًا كاترينا وريتا في الولايات المتحدة، ليثيرا ذعرًا في أسواق البترول، وفي أوساط الطبقات الحاكمة في العالم، من احتمال حدوث قفزات جديدة في الأسعار، يكون لها آثار مدمرة على الاقتصاد العالمي. فبعد أن دمر الإعصاران ما يصل إلى عشرة في المائة من قدرات الولايات المتحدة (المستهلك الأول للبترول في العالم) في التكرير، تدافع الجميع للتعامل مع الأزمة، وتقديم المساعدات للولايات المتحدة مما مكن من استيعاب آثارها مؤقتًا على الأقل.

خصوصية الصدمة النفطية الأخيرة:

هناك إجماع على توصيف ما حدث بأنه صدمة نفطية. فالارتفاعات الأخيرة مشابهة في نطاقها لجميع الصدمات النفطية التي حدثت خلال القرن الماضي خلال أعوام 1974 – 1973 و1980 – 1978 و1990 – 1989، وهي التي أدت، في جميع تلك الحالات، إلى ركود اقتصادي عالمي. هذه المرة، ورغم كل التأثيرات على النمو العالمي، مازالت جميع التقديرات تشير إلى أن النمو العالمي والتضخم لا زالا عند مستويات غير مقلقة بالنسبة للطبقة الحاكمة التي استطاعت تجنب الآثار المدمرة للأزمة.

سنجد عددًا من الأسباب تقف وراء ذلك. أولها هو ما يتعلق بالعوامل التي أدت إلى طفرة الأسعار الأخيرة، والسياق الذي تمت فيه، هذا الذي حدث كنتيجة لزيادة الطلب العالمي على البترول بمعدلات تاريخية. لقد حقق النمو في الطلب على البترول خلال العام الماضي أكبر معدل له خلال ثلاثين عامًا، ذلك يفعل النمو الاقتصادي القوي لمحركي الرأسمالية العالمية اليوم: الصين والولايات المتحدة (الصين وحدها مسئولة عن ثلث الزيادة في الطلب العالمي منذ 2001). ارتفاع الأسعار جاء كمؤشر على أن طاقة إنتاج البترول قد تكون أقل من السرعة التي ينمو بها الاقتصاد العالمي. حتى أن البعض يرى طفرة الأسعار هذه على أنها قد تكون تطورًا صحيًا لحماية الاقتصاد العالمي النامي من أخطار ارتفاع أسعار الفائدة، التي قد تؤدي إلى تحجيم الاستثمارات الجديدة. الفارق هنا بين هذه الصدمة النفطية وغيرها مما سبقوها أنها تجيء على خلفية اقتصاد كلي أكثر استقرارًا: نمو قوي ومعدلات تضخم معتدلة. بالإضافة إلى الرواج العقاري الهائل في أمريكا والصين، الذي ساهم في دفع معدل النمو هناك ولعب دورًا في إزالة جزء هام من آثار أسعار البترول المدمرة.

وعلى الرغم من أن الارتفاع الأخير يشابه في درجته ونطاقه الصدمات النفطية السابقة، إلا أنه كان أكثر تدرجًا. في 1979 تضاعف السعر في ستة أشهر بينما هذه المرة أخذ الأمر ثمانية عشر شهرًا معطيًا وقتًا أطول للشركات وللسوق للتكيف، ومحدثًا ضررًا أقل لهياكلها التمويلية، ومن ثم للنشاط الاقتصادي عمومًا. كما أن هناك تقديرات تقول بأن مستويات الأسعار الحالية لم تصل بعد إلى درجة الأزمة، فسعر البرميل يجب أن يصل إلى 90 دولارًا حتى يصبح على نفس المستويات الحقيقية لأسعار عام 1980.

هل يعني ذلك أن الاقتصاد العالمي قد عبر مرحلة الخطر فيما يتعلق بأسعار البترول؟

التوازن الهش:

كل العناصر التي ساعدت الاقتصاد العالمي على تجاوز الصدمة النفطية الحالية تحمل في طياتها مخاطر أعمق بالنسبة للمستقبل. على رأس هذه العناصر فكرة أن ارتفاع الأسعار جاء استجابة لزيادة الطلب وقوة النمو الاقتصادي. فهذا الوضع يعني ببساطة أن الأمر لن يكون مؤقتًا. فلو أن ارتفاع الأسعار ناتج عن زيادة الطلب، مع مجرد نقص في المعروض، فإن المحتمل أكثر هو أن الأسعار ستستمر في الارتفاع. ففي الحالة الأولى، بمجرد زوال السبب في تناقص العرض، سواء كان كارثة طبيعية أو حرب أو أزمة سياسية، يعود الإنتاج إلى وضعه وتتراجع الأسعار. لكن في حالة زيادة الطلب، فإن الوضع سيختلف، حيث ستزيد الضغوط مع الوقت ولن تتراجع. والأسباب التي أدت إلى زيادة معدلات الطلب، ليصل إلى ضعفين ونصف معدلاته في العقد الماضي، ستستمر. هكذا يتوقع صندوق النقد الدولي أنه في الخمس سنوات القادمة، ستكون الأسواق الناشئة مسئولة عن ثلثي الزيادة في الطلب العالمي على البترول. والجدير بالذكر هنا أن معدلات الاستهلاك للفرد في الصين مازالت واحدًا على خمسة عشرة مما هي عليه في الولايات المتحدة، وأن الدول النامية تستهلك طاقة أكثر في عملية الإنتاج مقارنة بالدول المتقدمة. لهذا يتوقع الصندوق أن يزيد الطلب العالمي على البترول بحلول عام 2020 بحوالي 50%.

الشيء الآخر المهم هو أن زيادة الطلب بفعل النمو ليس هو السبب الوحيد في ارتفاع الأسعار، بل أن هناك خللاً حقيقيًا بين العرض والطلب كشفه إعصارا ريتا وكاترينا. وهذه المرة من الصعب إلقاء اللوم على منظمة الدول المصدرة للنفط، أوبك، التي عادة ما توجه الدول المستوردة للبترول لها سهام النقد. هذه المرة السبب الأساسي في أن إنتاج البترول لا يستجيب للطب عليه يكمن في تراجع الطاقة الإنتاجية لمعامل تكرير البترول في العالم، وهنا مهما زاد إنتاج النفط الخام، فإن الكمية التي تصل للمستهلكين ستظل ثابتة. ويمثل عنق الزجاجة هذا سقفًا على الإنتاج يؤكد الخبراء أنه قد يستغرق عقودًا قبل أن يتم تلافيه.

فعلى مدى العقود الماضية، تراجعت الاستثمارات في التكرير بشدة وتناقص عدد المعامل في العالم كله، بفعل تناقص ربحية الاستثمار فيها. وفي الولايات المتحدة، لم يتم بناء أي معمل جديد منذ 1976، بينما تم إغلاق معامل عديدة، ليتراجع عددها بمقدار النصف منذ 1981. وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن الأمر يحتاج إلى استثمارات تصل إلى 122 مليار دولار، لبناء معامل جديدة خلال الخمس سنوات القادمة، حتى يمكن التعامل مع الموقف. هذا رقم كبير جدًا إذا ما قورن باتجاهات الاستثمار الحالية، حتى وإن شهدت تزايدًا في الشهور الأخيرة. كما تواجه معامل التكرير الجديدة مشكلة أخرى لها علاقات بتشريعات حماية البيئة، حتى بعد أن عدلت الولايات المتحدة قبل أيام قوانين الطاقة فيها لتسمح ببناء المزيد منها. وأخيرًا، فإن أي من القرارات الاستثمارية التي تؤخذ حاليًا، لن تكون محسوسة في السوق، قبل أن تصبح المعامل الجديدة جاهزة للإنتاج، وهو أمر يستغرق ما بين أربع إلى خمس سنوات. هذا الوضع يعني أن أية أزمة أو كارثة طبيعية أخرى، ستؤدي إلى صدمة نفطية جديدة، وشبكة الأمان الموجودة حاليًا قد لا تكون فعالة كل مرة. هذا إذا وضعنا في الاعتبار أن تجاوز الاقتصاد العالمي للصدمة الحالية لم يكن بلا آلام.

آلام الصدمة الحالية:

ارتفاع أسعار البترول يؤثر على الاقتصاد من عدة زوايا. فهو يؤدي لزيادة التضخم وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، كما أنه يؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية ومعدلات الأرباح. وهكذا فإن استمرار مستوى مرتفع لأسعاره قد يعني أزمة حقيقية. والسعر الحالي رغم أنه بالفعل لا يرقى لمستوى 1980، إلا أنه تجاوز طفرات الأسعار في 1974 و1990، والتي تسببت بالفعل في حدوث كساد. ولقد أدت الصدمة الحالية إلى تكلفة الاقتصاد الأمريكي ما قيمته 2.7% من ناتجه المحلي الإجمالي، وتكلفة الاقتصادات الأفريقية 2.3% من الناتج المحلي هناك. أما بالنسبة لأوربا واليابان فتتراوح الزيادة في التكاليف بين 1.7 إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يمكن إغفال أن معدل نمو الاقتصاد الأمريكي بين الربعين الثالث والرابع، قد تراجع بين نصف إلى درجة مئوية كاملة. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي أن ارتفاع أسعار البترول بعشرة دولارات تكلف الاقتصاد العالمي تراجعًا في معدل نموه بحوالي نصف في المائة لمدة أربع سنوات وهو ما يعني أن نمو الاقتصادي العالمي سيتناقص بحوالي 2%. ويعتبر بعض الخبراء أن الصدمة الحالية مجرد إنذار يعني أن أسعار البترول قد تجاوزت مرحلة دورات الارتفاع والانخفاض، وأن الارتفاع جاء ليبقى. وهنا يصبح على الاقتصاد الرأسمالي العالمي البحث عن طريقة لكي يتعامل مع الأمر حينما تخبو طاقة النمو الحالية.

وأخيرًا، هناك تأثير الارتفاع الأخير على الصراع الطبقي العالمي. وهنا يمكن الإشارة إلى الاحتجاجات الجماهيرية التي نشبت في عدد من دول العالم وعلى رأسها بريطانيا وإندونيسيا، احتجاجًا على رفع أسعار البنزين، والتي أدت في الحالة الثانية إل مصادمات هي الأوسع منذ الثورة الإندونيسية في نهاية تسعينيات القرن الماضي. وبالتالي يؤدي الأمر إلى المزيد من الرفض الشعبي المتزايد لليبرالية الجديدة وسياساتها في العالم كله.

 

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s