الأزمة الاقتصادية العالمية والعالم العربي.. نهاية نموذج

وائل جمال

مجلة شئون عربية

شتاء ٢٠٠٨

“الاقتصادي هو الخبير الذي سيعرف غدا لماذا لم تتحقق اليوم توقعاته بالأمس”، د.لورانس جي بيتر مبتدع هرم بيتر الوظيفي وخبير التعليم الأمريكي البارز.

كطبيعة الحال في كل الأزمات الكبرى في تاريخ الرأسمالية اقترنت الأزمة التي يمر بها النظام الاقتصادي العالمي حاليا بتلك الحالة الكلاسيكية من الإنكار والتهوين من شأن التقلصات التي تشهدها الأسواق، مرحلة بمرحلة، إلى أن يتدهور الوضع لدرجة تجبر الجميع على الاعتراف به. ففي الأزمة الحالية، التي ظهرت علاماتها الأولى في منتصف ٢٠٠٧، انتقل التقدير السائد في أوساط المراقبين والمحللين والأكاديميين على حد سواء من اعتبارها مجرد فقاعة عقارية مرتبطة بتطورات السوق الأمريكية، إلى النظر إليها كأزمة مالية، ثم أزمة مالية عالمية، وأخيرا بدأ البعض يعتبرها الأزمة الأخطر التي تواجه الرأسمالية كنظام منذالكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.

لم تكن التوقعات والتحليلات الخاصة بالعالم العربي في علاقته بما يحدث في الولايات المتحدة، ثم العالم، استثناءا من هذا الوضع. فبالرغم من أن أزمة الرهن العقاري الثانوي أصبحت واقعا ملموسا علي الساحة بحلول منتصف العام 2007 ، إلا أن النظرية التي ظلت سائدة من حينها إلى لحظة انهيار بنك “ليمان برازرز” في سبتمبر الماضي كانت نظرية “عدم الارتباط” Decoupling.

قامت هذه النظرية على افتراض أنه، وإن وصل اندماج ما يسمى بالأسواق الناشئة )لتمييزها عن الأسواق المتقدمة في أوربا واسيا والولايات المتحدة( إلى ذروته في السنوات الأخيرة، إلا أنها ستتبع مسارا مختلفا بسبب طبيعتها وقلة المخاطر المتعلقة بأزمة العقارات فيها، وأخيرا، وليس الأقل أهمية، بسبب أنها قد تكون قبلة آمنة للمستثمرين الهاربين من مخاطر وتذبذبات الأسواق المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة. وفي قلب أزمة الرهن العقاري البازغة، وبناءا على هذه النظرية، كان بنك الاستثمار بلتون، ثاني اكبر بنوك الاستثمار العربية ومركزه مصر، يفتتح فرعا في نيويورك لاجتذاب هؤلاء المستثمرين الفارين من جحيم الأزمة في الولايات المتحدة.

لكن نظرية عدم الارتباط لم تعمل. واتضح ذلك بما لا يدع مجالا للشك بعد إشهار إفلاس “ليمان برازرز”، والذي تبعه بيع المؤسسات المالية الكبيرة الأخرى. كاشفا القلق من أن تؤدي أزمة الائتمان إلي خروج المستثمرين من أسواق الأوراق المالية لينتج عن ذلك انهيار كبير علي مستوي العالم. ومع أزمة الائتمان ظهرت مخاوف كثيرة من تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو ما أكده مؤخرا صندوق النقد الدولي عندما خفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بنسبة 0.8 في المائة ليصل إلي 2.2 في المائة للعام 2009 ، انخفاض أسعار خام النفط الحاد منذ أن بلغت أقصي ارتفاع لها في شهر يوليو من العام 2008 وكذلك عمليات البيع المفزعة من جانب المستثمرين، التي امتدت لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، حيث فقدت 373 مليار دولار أمريكي منذ بداية شهر أكتوبر للعام 2008. وأصبح واضحا أن نظرية عدم الارتباط لا تعمل، وأن الأسواق الناشئة بما فيها مصر والخليج لن تكون بمنجى من الإعصار.

تفسير الأزمة والعالم العربي

في واحدة من أحدث مقالاته في جريدة النيويورك التايمز الأمريكية يقول الاقتصادي الأمريكي البارز، بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام، ان كثيرين كانوا يرون العاصفة قادمة في طيات فقاعة العقارات التي شهدها الاقتصاد الأمريكي منذ ما بعد تراجع الأسواق في ٢٠٠١، لكن من الصعب دائما، والجميع في ذروة نشوة تحقيق الأرباح ان يسمع الناس لمفسدي الحفل أي لأصحاب التنبؤات السيئة.

ربما يكون هذا، وهو وضع كان مشابها لما قبل أزمة الثلاثينيات أيضا، سببا في تبني التيارات السائدة في أوساط الأعمال والاكاديميا، بل والأوساط الحكومية، لتفسيرات تقلل من عمق واتساع نطاق الخلل في اداء النظام الرأسمالي العالمي، وفي حركة أسواقه، وهو ما أدى بطريقة او بأخرى إلى تضييق فرص الحركة وتأخير السياسات المضادة، وبالتالي المساهمة في مفاقمة الأضرار.

في البداية كان التركيز بالأساس في تفسير الأزمة هو على تطورات سوق الإقراض العقاري في الولايات المتحدة. ويقوم هذا التفسير على مزيج بين عامل محايد يرصد التطورات في هذا القطاع وكأنها كانت قدرية غير مقصودة، وبين عامل شخصي يفسر هذه التطورات على أساس أنها نتاج جشع رؤساء المؤسسات المالية الكبرى. ولفهم ذلك ربما ينبغي العودة بشكل مختصر لما حدث في سوق الرهن العقاري واستتباعات ذلك في أسواق المال.

فعلى مدى العقدين الماضيين شهدت الرأسمالية العالمية تطورات عميقة فيما يتعلق بدور الاقتصاد المالي فيها. ومع سيطرة ما يسمى بسياسات “توافق واشنطن” الداعية للتحرير الكامل للأسواق وانسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، في العالم برمته، زاد دور الاقتصاد المالي وحجمه من الاستثمارات العالمية. وهكذا كانت البورصة مركزا للانتعاش الطويل في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خالقة درجة غير مسبوقة بين الارتباط بين اقتصادات العالم جميعا بعد أن نزعت الحكومات لإقراض الولايات المتحدة عبر الاستثمار في أوراقها المالية الحكومية. لكن في أعقاب انهيار ما يسمى بفقاعة “الدوت كوم” في ٢٠٠١، والذي أنهى سنوات من الانتعاش الاقتصادي في الأسواق وقتل ما كان يسمى بمنظومة الاقتصاد الجديد الخالي من الأزمات الذي كانت تروج له إدارة كلينتون وقتها، تحولت الاستثمارات المالية إلى مجال آخر رأت فيه مصدرا للأرباح. فمع تراجع أسعار الفائدة لتحفيز الاستثمار، شرعت ملايين العائلات الأمريكية في شراء العقارات، من خلال قروض الرهن العقاري، مما زاد بشكل جنوني من أسعار العقارات في السوق الأمريكي(بنسبة تصل إلى ٢٠٠٪ خلال الفترة من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٦، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة جاذبية هذا القطاع للاستثمارات المالية من قبل البنوك. وكان مركز قروض الرهن العقاري، هو البنوك المتخصصة في هذا المجال، مثل العملاقين الأمريكيين “فريدي ماك” و”فاني ماي”، أكبر شركتين في هذا المجال على مستوى العالم.

وبحثا عن الأرباح وباستخدام ما يسمى بالتوريق وهو عملية يتم من خلالها تحويل الدين الى اوراق مالية يتم تداولها كالأسهم، تطورت أسواق خاصة لتداول أوراق الرهن العقاري، شملت البنوك والشركات المالية، ليس في السوق الأمريكية وحدها بل على مستوى العالم، واكتظت خزائن هذه البنوك والشركات بتلك الأوراق الممثلة للرهون العقارية، وهو ما أدى إلى خلق فقاعة عقارية بعد ان ابتعدت القيمة الورقية للعقارات عن القيمة الحقيقية لتلك العقارات، وقيمة الأوراق الممثلة للرهون العقارية، أخذت أيضًا تتباعد عن القدرة الحقيقية للمقترضين الأصليين على تسديد الأقساط وفوائدها. وسرعان ما اصطدم “الافتراض” بـ”الواقع”، فتوقف عدد من المقترضين عن سداد الأقساط بعد ان سقطت اللحمة التي كانت تربط هذا كله جميعا، وهي فكرة أن أسعار العقارات في الولايات المتحدة لن تتوقف عن الصعود، وبعد ارتفاع أسعار الفائدة مضيفة يوما بعد يوم المزيد من المتعثرين من فقراء الأمريكيين الذين صاروا غير قادرين على سداد أقساط منازلهم.

ومن ثم بدأت البنوك العقارية في الحجز على العقارات، وطرد سكانها، مما تسبب في حالة من الذعر في القطاع المالي بأكمله، فلم يعد أحد يعرف بالضبط، ما هي نسبة القروض”السيئة”، التي لن يتم سداد قيمتها، ولا درجة انتشار تلك الأوراق، التي تم تداولها في القطاع المصرفي بوجه عام.

بدأ الانهيار الحقيقي مع إفلاس بنك”بير ستيرنز” العريق، والذي اتضح أنه كان غارقا في تلك الأوراق “السيئة” في صيف ٢٠٠٧. ومع انتشار حالة الذعر بدأت أسعار العقارات في انخفاض سريع. وأصبح الكثير من المقترضين مدينين للبنوك بأكثر من قيمة العقارات التي يدفعون أقساطها، مما زاد من تعقيد الأزمة.وبلغت الأزمة ذروتها في مطلع شهر سبتمبر2008، حينما أوشك العملاقان”فريدي ماك” و”فاني ماي”، على الانهيار، وتدخلت الحكومة الأمريكية لتأميم الشركتين على الفور، رغم ثلاثين عاما من الدعاية الإيديولوجية عن حرية السوق”، وضرورة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد.

وفي منتصف سبتمبر أفلس بنك “ليمان برازرز” العريق، الذي يرجع تاريخ تأسيسه إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الحكومة لم تتدخل لإنقاذ البنك، معبرة عن حالة من التذبذب وعدم وضوح الرؤية، والتي سرعان ما انعكست في مزيد من الذعر في الأسواق، وشهدت بورصة نيويورك، وغيرها من البورصات العالمية موجات متتابعة من الانهيار.وانتقلت الأزمة سريعا من النظام المالي الأمريكي إلى النظام المالي العالمي لتشمل البنوك والشركات التمويلية والبورصات في أوروبا وآسيا، وكافة المراكز الرأسمالية الكبرى. فمن جانب ، وبسبب سياسات العولمة وتحرير الأسواق، انتقل الكثير من تلك الأوراق “المسمومة” من البنوك الأمريكية إلى البنوك الأوروبية والآسيوية، وأخذت البنوك، الواحد تلو الآخر، في إشهار إفلاسها، وتحركت الحكومات بدورها، الواحدة تلو الأخرى، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتأميم البنوك أو شراء الأسهم، وضخ المليارات في سوق المال، ولكن ظل الذعر مسيطرًا على الأسواق، وأصاب الشلل النظام البنكي سواء في أمريكا، أو في المراكز المالية الأخرى، ولعل أهم مؤشر على ذلك هو امتناع البنوك الاستثمارية عن إقراض بعضها البعض، فلا أحد يعرف من سيُفلس قبل الآخر، وما مدى امتلاء خزانة كل منهم بتلك الأوراق الرديئة.
أول وأكثر تفسيرات ما حدث شيوعا ركز على الجانب التقني فيما حدث. سواء من زاوية أخطاء البنوك التي تجاوزت استثماراتها في هذه الأوراق النسب السليمة، أو على نقص التشريع المنظم للنظام المالي في ظل جشع قيادات الشركات التي ارتبطت دخولها القياسية بالأرباح السريعة التي تحققت من خلال العملية. لكن كل هذه التفسيرات، خاصة جشع رجال المال، لم تقدم أبدا تفسيرا عقلانيا للسبب وراء هذه الموجة من الأصل.

هذا النوع من التفسيرات لا يتحدى المقولات الاقتصادية السائدة، وعادة ما يرى حل أزمات كبرى في تعديل إجرائي أو تشريعي بسيط لا يتناقض مع القواعد العامة السائدة قبل وأثناء حدوث الأزمة. وربما لهذا السبب فشلت تلك التفسيرات في الهام الحكومات ومشرعي الأسواق بحلول مؤثرة.

الطائفة الثانية من التفسيرات، والتي بدأ صوتها يعلو مؤخرا، تبدأ من ممثلي ما سمي ب “ما بعد توافق واشنطن”، الذي ينتمي إليه أمثال كروجمان وجوزيف ستيجليتز، النائب السابق لرئيس البنك الدولي. وترى هذه الطائفة أن أصل المشكلة أعمق ويقع في الاقتصاد الحقيقي وان ما يحدث في الاقتصاد المالي هو تجل لمعضلات التراكم الرأسمالي الحقيقي في خطوط الإنتاج الصناعية، وتناقص معدلات الارباح الذي حاولت الرأسمالية حله عبر الأرباح الورقية في تجارة الأوراق المالية.

خلاصة هذه التفسيرات هو ان ما يحدث في الاسواق المالية هو اشارة على أزمة في سياسات العولمة القائمة على توافق واشنطن، أزمة ستتحدى بشكل مباشر النموذج الاقتصادي للسوق الحرة. ومع المؤشرات المتتابعة حول انتقال الازمة للاقتصاد الحقيقي والعلامات المتتالية على بوادر انكماش في الاقتصادات الاوربية بقيادة المانيا وبريطانيا، وفي الولايات المتحدة، صارت الكفة تميل ناحية الطائفة الثانية من التفسيرات.

الاثار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة

مع نظرية عدم الارتباط، وسيطرة النوع الاول، التقني، من تفسيرات الازمة، بدا الاستنتاج القائل بان العالم العربي محصن وبعيد عن الازمة منطقيا. لكن مع انتقال التقلص الاقتصادي العالمي من مرحلة لمرحلة، بدأت تتكشف التأثيرات السلبية، واحدة تلو الاخرى، كاشفة هشاشة فكرة عدم الارتباط.

جاءت أولى الإشارات من البورصات. فقد فقدت أسواق الأوراق المالية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي نسبة بلغت 47.5 في المائة منذ بداية العام لتنخفض القيمة السوقية بمقدار 538 مليار دولار أمريكي، بينما شهدت انخفاضا بمقدار 373 مليار دولار أمريكي منذ بداية شهر أكتوبر من العام 2008. وقد شهدت الأسواق الكبيرة في المنطقة القدر الأكبر من الانخفاض، حيث ألقي تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وانخفاض أسعار خام النفط والأزمة المالية السائدة بظلاله علي الأسواق. وقد فقد السوق السعودي، وهو أكبر أسواق المنطقة، 254 مليار دولار أمريكي من قيمته السوقية منذ بداية العام، وذلك برغم أن الأجانب غير مصرح لهم بالتداول فيه، بينما فقد سوقا الإمارات والكويت 141 و 101 مليار دولار أمريكي من قيمتهما السوقية منذ بداية العام على التوالي.

وفي دولة كمصر، والتي يعدها محللون إلى جانب دبي السوق الأكثر ارتباطا بالسوق العالمي بسبب نسب تداول الأجانب في بورصتها، كانت أوجاع البورصة أكثر إيلاما. فبعد أن سجل مؤشرها الرئيسي مستوى قياسيا في الخامس من مايو ٢٠٠٨، سجل تراجعا تجاوز ٧٠٪ من قيمته بنهاية نوفمبر، بفعل خروج مكثف للأجانب من السوق.

بعد البورصات، تصاعدت المخاوف بخصوص الاستثمارات المصرفية العربية في البنوك العالمية. وتقدر إحدى الدراسات قيمة هذه الاستثمارات بما بين ١.٨ إلى ٢ تريليون دولار، ستون في المائة منها بالدولار الأمريكي.وبالرغم من أن عددا محدودا من البنوك العربية، خاصة في الخليج، أعلنت عن حجم تعرضها للازمة، ومساحات تضررها، إلا أن الأرقام القليلة المعلنة تكشف حجم المشكلة. إذ قال بنك أبو ظبي التجاري وحده إن حجم خسائر محفظته يتجاوز ٢٧٢ مليون دولار، وانه قاضى مؤسسة مورجان ستانلي المالية العالمية بسبب ما وصفه بأنه توصيات استثمارية غير سليمة.وتصل الأرقام المعلنة في بنوك الخليج فيما يخص خسائر المحافظ المالية المماثلة إلى ٢.٧ مليار دولار. لكن الرقم الحقيقي قد يكون اكبر من ذلك بكثير بالوضع في الاعتبار حجم الاستثمارات العربية عموما في الخارج، خاصة في الولايات المتحدة وأوربا.

أما الأثر المباشر الثاني الأكثر عمقا فهو ما يتعلق بالصناديق السيادية العربية، وعلى رأسها صندوق هيئة استثمار أبو ظبي أكبر صندوق حكومي في العالم، والتي قدرت قيمة محافظها الاستثمارية في نهاية ٢٠٠٧ ب ١.٢٥ تريليون دولار. ويحسب بنك سامبا السعودي قيمة الخسائر المتوقعة للصناديق السيادية العربية السبعة الأكبر في عام ٢٠٠٨ بحوالي ١٩٠ مليار دولار، يرى البنك أنها ستلغي تقريبا الزيادة في عوائد النفط بفعل ارتفاع أسعاره خلال العام، والمقدرة ب ١٩٨ مليار دولار. وبينما يرى البعض ان هذه الصناديق، التي تستثمر ٤٠٪ من محافظها في الأسهم، لديها مرونة أكثر من البنوك في مواجهة الأزمة، بل ويرى أن أمامها فرصة لاقتناص فرص استثمارية رخيصة في الخارج مع تراجع أسعار الأصول، وهو الأمر الذي يراهن عليه الغرب لإنقاذ أسواقه، الا ان حجم الخسائر يظل كبيرا، ومخاطر المزيد من الدخول في استثمارات في الأسواق المتقدمة تظل عالية مهما تراجعت أسعار الأصول لمستويات مغرية.

ويعد النفط وتراجع أسعاره بفعل الكساد العالمي وتناقص الطلب عليه عنصرا أساسيا سلبيا سواء في القدرة الاستثمارية هذه الصناديق أو فيما يخص ميزانيات الدول العربية النفطية، خاصة في ظل مشاريع البنية الأساسية العملاقة التي أطلقت بالفعل والتي صار تمويلها صعبا للغاية بسبب أزمة الاعتماد العالمية وارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما يهدد بعضها بالتوقف.

حيث هبطت أسعار النفط بنسبة 66.1 في المائة عن أعلى مستوى لها على الإطلاق والبالغ 140.7 دولارا للبرميل في يوليو 2008. وقد خلق ذلك بالتالي تهديدات رئيسية للدول المُصِّدرة للنفط أي البلدان الأعضاء بمنظمة الأوبك ودول مجلس التعاون الخليجي حيث تعتمد معظم إيراداتها على صادرات النفط الخام.

ولن يتوقف أثر تراجع فوائض النفط الخليجية على الخليج بل سيمتد ايضا للدول غير النفطية كمصر والدول العربية في الشمال الافريقي، بسبب انها كانت تعتمد بشكل كبير على اجتذاب هذه الفوائض في صورة استثمارات مباشرة في اقتصاداتها.

وبناء على هذه الصورة، توقعت وحدة الاستخبارات التابعة لمجلة “الايكونوميست” البريطانية ان يتراجع معدل النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في ٢٠٠٩-٢٠١٠ خاصة في مصر وشمال أفريقيا. وتقول “الايكونوميست” إن درجة الارتباط الاعلى لهذه الدول بأوربا سوف تعمق من تضررها في ظل التراجع المتوقع في الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياح القادمين من القارة العجوز.

وبينما يستحيل التنبؤ بالاتجاه الذي ستتحرك فيه الأسواق في المرحلة القادمة، فإن كثيرين يرون ان الاسوأ ربما لم يأت بعد وهو ما قد يعني تعميق خسائر المنطقة ومفاقمة الأضرار التي ستتعرض لها.

سقوط نموذج

“يبدو أنني كنت مخطئا”، تلخص هذه الجملة التي قالها المحافظ السابق لمجلس الاحتياط الفدرالي الامريكي آلان جرينسبان في شهادته أمام الكونجرس الأمريكي في أكتوبر الماضي الموقف برمته. جرينسبان أكد على صدمته وصدمة زملاء له شاركوه الاعتقاد على مدى أربعين عاما بأن الأسواق تصحح نفسها تلقائيا قائلا إن هناك خللا في نظام السوق.

وبالنسبة لمذهب اقتصادي متطرف في تقديره لديناميكية السوق وضرورة انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي كتوافق واشنطن، فإن التدخل المكثف للدولة، بطول وعرض الكرة الأرضية لدعم الشركات، وتحفيز الاقتصاد، هو ضربة قاتلة دفعت مجلة النيوزويك الأمريكية لإعلان وفاة هذا النموذج على غلافها.

وفي العالم العربي، بدأت بوادر تدخل الدولة تظهر في الأسابيع الماضية بتخفيض أسعار الفائدة وحزم الإنقاذ، وخطط الاستثمار في البنية الأساسية لتحفيز الطلب. لكن وبينما تثير تداعيات سقوط هذا النموذج جدلا هائلا في الولايات المتحدة، وفي أوربا، حول البدائل وحول تكلفة التحول التي يتحملها أصحاب الوظائف ودافعو الضرائب، صارت صياغة البدائل، في العالم، وفي العالم العربي، أكثر فأكثر، مهمة لا يصح ولا ينبغي أن ينفرد بها أحد.

ـــــــــــــــــــــــ

وفقا لتقرير الاستثمار العالمي جلوبال، القيمة السوقية لمجلس التعاون الخليجي، الكويت، نوفمبر ٢٠٠٨

انظر مزيدا من التفاصيل حول تطور الاقتصاد المالي في اقتصاد توافق واشنطن في David Harey, A brief history of Neoliberalism, London,Oxford University Press,2005

انظر Robert Wade, Financial regime change, New Left Review, September-October 2008

Robert Shiller, The subprime solution, How taoday’s global financial crisis happened and what to do about it, New Jersey, Princeton University Press,2008

Graham Turner, The credit crunch, Housing bubbles, globalisation and the worldwide economic crisis,London, Pluto Press, 2008

الارقام وفقا لتقرير جلوبال حول القيمة السوقية لمجلس التعاون الخليجي، مرجع سبق ذكره

Eckart Woertz, Impact of the US financial crisis on GCC countries, Gulf Research Center, October 2008

صحيفة الوول ستريت جورنال، ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٨

Economist Intelligence Unit viewsWire, Middle East Economy:EIU November assumptions,23 October 2008

ــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في عدد شتاء ٢٠٠٨ من مجلة شئون عربية التابعة لجامعة الدول العربية

One comment

  1. مقالة ممتازة، ولكن تحتاج تحيين (أومقالات لكتاب آخرين يعالجون نفس الموضوع) بعد مرور أربع سنوات عليها وعلى الأزمة الاقتصادية العالمية. وهل من علاقة بين الأزمة العالمية وتفجر الربيع العربي؟

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s