عبر نظارات مظلمة

سلافوي جيجيك
سوشياليست ريفيو
نوفمبر 2009
ترجمة: وائل جمال

سلافوي جيجيك*، المنظر في القضايا الثقافية، يقدم تحليلا مثيرا للتفكير حول الكيفية التي ترسخ بها الايديولوجيا نفسها عبر تشكيل الطريقة التي نستجيب بها لظروف حياتنا اليومية. عن مجلة “سوشياليست ريفيو” البريطانية، عدد نوفمبر ٢٠٠٩

فيلم “يعيشون- They Live “، الذي أخرجه جون كاربنتر عام ١٩٨٨، وهو واحد من الروائع المهملة لليسار الهوليودي، درس حقيقي في نقد الايديولوجيا. يحكي الفيلم قصة العامل الشريد “نادا”، وهي كلمة بالاسبانية تعني لاشيء، الذي يحصل على وظيفة في البناء في ولاية لوس آنجلس الامريكية. ويأخذ أحد العمال الآخرين، واسمه فرانك آرميتاج، نادا إلى ضاحية محلية فقيرة لقضاء الليلة. وبملاحظة بعض النشاط “المريب” في كنيسة قريبة، فإنه يقرر تقصي الامر. وبينما هو يفتش في الكنيسة يجد عدة صناديق مليئة بالنظارات الشمسية في مخبأ سري بأحد الحوائط. وعندما يجرب إحداها، يلاحظ نادا أن إحدى لوحات الاعلانات صارت تعرض كلمة “أطع”، بينما تحث أخرى من يراها على أن “يتزوج وينجب”. كما أنه يرى أيضا أن النقود الورقية التي معه صارت تحمل الكلمات :”هذا هو ربك”. وسرعان ما يكتشف أن العديد من الناس حوله هم في الحقيقة مخلوقات فضائية غريبة. وعندما يدرك هؤلاء أنه يمكنه رؤيتهم على حقيقتهم، يصل البوليس بشكل مفاجيء.

يهرب نادا عائدا إلى موقع البناء ليخبر ارميتاج بما اكتشفه لكنه لا يهتم بالامر في البداية. ويتجادل الاثنان بينما يحاول نادا اقناع ارميتاج واجباره على ارتداء النظارات. وعندما يفعل، ينضم لنادا، ثم يتصلان بمجموعة لتنظيم المقاومة في الكنيسة. وفي اجتماع المجموعة، يتعلمان ان وسيلة التحكم الأولية لدى المخلوقات الفضائية هي إشارة يتم ارسالها على التليفزيون، وهو ما يجعل الناس غير قادرين على كشف حقيقتهم.

وفي المعركة الاخيرة، وبعد تحطيم هوائي البث، يصاب نادا بجروح قاتلة: وفي آخر ما يفعله قبل الموت، يشير باصبعه الوسطى نكاية في المخلوقات الفضائية. وإذ غابت الاشارة، يجفل الناس وهم يجدون الغرباء وسطهم.

هناك عدد من الملامح التي يجب الانتباه لها هنا. أولها هو الصلة المباشرة بين هذا الموضوع الهوليودي الكلاسيكي: “غزو مختطفي الاجساد” (مخلوقات فضائية تعيش بيننا، غير مرئية، وتدير حياتنا)، وبين العدوات الطبقية والسيطرة الايديولوجية والاستغلال. ولا يمكنك سوى أن تتأثر بهذا الخداع العملي لحياة العمال البائسة في مدن الأكواخ.

الحقيقة اليومية

بعد ذلك، هناك بالطبع هذه المعالجة السينمائية، الساذجة بشكل جميل، للايديولوجيا: فعبر النظارات الناقدة للايديولوجيا، نرى بشكل مباشر أكوام المعارف عبر”شفرة السادة” فنتعلم أن نلاحظ الديكتاتورية في الديمقراطية. وهناك بالطبع مظهر ساذج في هذا التصور، الذي يذكرنا بواقعة غير معروفة لكثيرين، وهي عندما شجعت قيادة الحزب الشيوعي الامريكي في الستينيات بشكل جدي فكرة تقول انه يتم التحكم في الشعب الامريكي عبر عقاقير تبث سرا في الهواء وفي صنابير المياه، وذلك للتغطية على فشلها في تعبئة العمال.

لكننا لا نحتاج المخلوقات الفضائية ولا العقاقير السرية ولا النظارات، فبنية الايديولوجيا تقوم بالمهمة دونها. فبسبب هذه البنية، يصور المشهد المشار اليه بالفعل حقائق حياتنا اليومية. انظر الى الصفحة الاولى من جريدتك اليومية: في كل عنوان، حتى ولو تظاهر انه فقط يعطيك المعلومة والخبر، يوجد توجيه ضمني. فعندما يطلب منك ان تختار بين الديمقراطية الليبرالية والاصولية، ليست القضية فقط ان إحدى الفكرتين مفضلة على الأخرى. الاهم هو التوجيه الضمني الحقيقي بان ترى في الاثنتين البدائل الحقيقية الوحيدة المتاحة، وان تتجاهل أي اختيار ثالث.

يقبل الماركسيون هذا المظهر من الصراع لصالح الديكتاتورية. فهم يكشفونه ويمارسونه. لماذا؟ تعالوا نعود للفيلم: بمجرد أن تضع النظارات وترى الامور عبرها، لا تعود تحددك. يعني ذلك انه قبل ان ترى الحقيقة عبر النظارات، كنت تراها أيضا لكنك لم تكن واعيا بها.

في الفيلم، عندما يحاول نادا اقناع ارميتاج بوضع النظارات، فإن الاخير يقاوم. والقتال الذي يعقب ذلك عنيف وطويل (قتال يليق بفيلم نادي القتال Fight Club وهو رائعة أخرى لليسار الهوليودي). يبدأ القتال عندما يقول نادا لارميتاج: ”انا اعطيك الاختيار بين ارتداء هذه النظارات وبين البدء في أكل هذه القمامة” (يحدث العراك وسط صناديق قمامة مقلوبة). ويبدو العراك، الذي يستمر لعشر دقائق غير محتملة، يتخللها لحظات من تبادل النظرات الودية الباسمة، غير عقلانيا بالمرة في حد ذاته. لماذا لا يقبل ارميتاج بارتداء النظارات، فقط لارضاء صديقه؟ التفسير الوحيد هو انه يعرف ان صديقه يريده ان يرى شيئا خطرا، وأن يحصل على معرفة محظورة ستفسد تماما السلام النسبي في حياته اليومية. العنف الذي يتم تصويره هنا هو عنف إيجابي، وشرط للتحرر. والدرس هو ان تحررنا من الايديولوجيا ليس عملا عفويا او تلقائيا وانما عمل نكتشف به حقيقة أنفسنا.

نتعلم من الفيلم أنه حينما ننظر طويلا عبر النظارات الناقدة للايديولوجيا، فإن المرء يصاب بصداع قوي. من المؤلم للغاية أن يتم حرمانك من الاستمتاع بالوهم الايديولوجي. عنما نرى مشهدا للاطفال الجوعى في افريقيا، مصحوبا بدعوة لفعل شيء لمساعدتهم، فإن الرسالة التي تفضحها النظارات هي شيء على شاكلة: “لا تفكر، ولا تسيس، انس الاسباب الحقيقية للفقر، فقط تحرك وتبرع بالمال، لكي لا تعود مضطرا للتفكير”. لكي نرى حقيقة الاشياء، نحن نحتاج النظارات. ليس الامر انه يجب علينا ارتداء النظارات الايديولوجية المضادة لنرى الحقيقة مباشرة كما هي. فنحن أنفسنا أيديولوجيون”بشكل طبيعي”، ونظرتنا بالعين المجردة ايديولوجية.

يعود بنا هذا للأساس المناسب للايديولوجيا. فعندما نقرأ موقفا ايديولوجيا مجردا نحن واعون تماما ان تجربة “الناس الحقيقيين” مختلفة. ومن أجل المرور من الافتراضات المجردة إلى “حياة الناس الحقيقية”، على المرء أن يضيف لهذه الافتراضات المجردة الكثافة صعبة المنال لسياق العالم المعاش.

خذ الايديولوجيا العسكرية كمثال. فهي تصبح معاشة فقط في مواجهة خلفية القواعد والطقوس القذرة غير المكتوبة التي ترسخ نفسها بها (الاناشيد خلال الطوابير، والشتائم، والتلميحات الجنسية). ولهذا السبب، لو أن هناك تجربة ايديولوجية في أنقى الصور -عند مستوي الصفر- فهي في تلك اللحظة التي نتبنى فيها هذا الموقف الحكيم الساخر المتنائي ونضحك من تلك الحماقات التي نحن مستعدون لتصديقها. في هذه اللحظة من الضحك المحرر، عندما نتطلع بانظارنا من أعلي لسخافة معتقداتنا، نحن تابعون بشكل كامل لايديولوجيا جديدة، تمارس تحكمها الكامل فينا. وهذا هو السبب في أنه مثلا لو اراد احدنا ان يرى أيديولوجية اليوم وهي تعمل، فإن عليه فقط ان يشاهد بعض تقارير مايكل بالين السياحية على البي بي سي: فهذا الموقف الضمني المنبني علي خلق مسافة “خيرة” ساخرة من العادات المختلفة، بالاستمتاع بملاحظة الطبائع المحلية الغريبة بينما تتم فلترة كل المعلومات الجارحة، هو تمثيل للعنصرية المابعد حداثية في أنقى صورها.

إذاً أين الايديولوجيا؟ عندما نتعامل مع مشكلة، هي بلا شك مشكلة حقيقية، فإن التوصيف/الادراك الايديولوجي يقدم تعميته غير المرئية. على سبيل المثال، فإن التسامح مشكلة حقيقية. وعندما اعارض التسامح، أجد دائما من يسألني: لكن كيف يمكن ان تكون مع عدم التسامح تجاه الاجانب، او في صف واحد مع المعادين للنسوية والمثلية الجنسية؟ وفي هذا تكمن الفكرة: طبعا أنا لست ضد التسامح، لكن ما انا ضده هو النظر للعنصرية على انها مشكلة تسامح. لماذا ينظر الى العديد من المشكلات اليوم على انها مشكلات تسامح عوضا عن انها مشكلات عدم مساواة واستغلال وغياب للعدل؟ ولماذا الحل المقترح هو التسامح وليس التحرر والنضال السياسي، وحتى الكفاح المسلح؟

إن سبب عملية اضفاء هذا الطابع الثقافي (ثقفنة الموضوع) هو انسحاب او فشل الحلول السياسية المباشرة. و”الايديولوجيا”، بهذا المعنى المحدد، هي تصور، وإن كان يصف مشكلة حقيقية، فهو يخفي الخط الفاصل الحاسم.

ـــــــــــــــــــــــ

سلافوي جيجيك* هو فيلسوف وناقد سلوفيني ماركسي، ولد عام ١٩٤٩، وله اسهامات في النظرية السياسية ونظرية الفيلم ونظرية التحليل النفسي.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s