الثوريون والانتخابات

وائل جمال

الشروق

16 أكتوبر 2011

تقترب الانتخابات التشريعية الأولى بعد سقوط مبارك، ومعها يعلو صوت المعترضين عليها، ومن منصات مختلفة. وهاهى بعض الأحزاب تصل لحد إعلان مقاطعتها. وتتباين مبررات التشاؤم والتردد والرفض للانغماس فى اختيار أعضاء البرلمان الجديد. فمن قائل ــ عن حق ــ بأن الانتخابات ستتم فى أجواء قانونية غير شفافة انفرد بتحديدها المجلس العسكرى، إلى قائل بإنها جالبة لا محالة نفوذ المال والعائلات الكبرى بل وبعض فلول الوطنى إلى المجال السياسى الذى أتت الثورة لتطهره منها جميعا. ونهاية بمن يقارن ــ عن حق أيضا زخم وطهر وشعبية وديمقراطية وتقدمية انتفاضة المصريين فى الـ18 يوما التى أطاحت بالديكتاتورية وما بعدها، بالمفاوضات على المقاعد، والتحالفات التى تنبنى وتتفكك بناء على سياسات أزقة النخب ومصالحها الضيقة، التى هى غير شريفة وغير مبدأية فى أحيان كثيرة، ليدلل على الرجعية المحتملة فى صفوف مجلس الشعب الجديد.

لم يستوعبوا الدرس

يطرح المتشككون بخصوص الانتخابات القادمة الكثير من الحجج الوجيهة لكنهم يتفقون مع أولئك الذين ينتقدونهم فى شيء واحد: أنهم يخرجون جماهير المصريين من الصورة، وبطرق مختلفة. انظر مثلا إلى من يعارضون الانتخابات لأنها مبكرة ويطالبون بتأجيلها لأن الأحزاب غير جاهزة لتوعية الناخبين» أحيانا، أو لأن «الناخبين خاضعون لتأثيرات الماضى بسبب الجهل ونقص الوعى». والحجتان وجهان لنفس العملة. فأصحاب القناعتين لم يتعلموا درس الثورة فى أنه لا يجوز أبدا الاستهانة بقدرة الشعب على تمييز مصالحه ولا بقدرته وصلابته فى الدفاع عنها، وهى ما جعلته يقود كل النخب السياسية خلال الشهور الماضية وليس العكس.

ولا يفلح جزء من المتشككين بخصوص الانتخابات من التخلص من تصور يراها بطريقة نظام مبارك كبعض الدافعين بأن الشروط الحالية لإجراء الانتخابات لن تأتى ببرلمان معبر عن الثورة فى ظل أن قانون الانتخابات معيب وغير شفاف. بعض هؤلاء مثلا يعترض على القانون من منطلقات اتساع الدوائر: إذ كيف للمرشح أن يغطى كل هذه الدائرة بالدعاية والتفاعل؟ بالطبع لو أجبنا من حدود المنظور القديم الذى يرى الانتخابات لافتات وسرادقات ودعم عائلات سيكون التساؤل صحيحا. فاتساع الدائرة يجعل المعتمد على مدخراته لتمويل حملته فى مأزق إلا إذا كانت ثروته بالملايين العديدة. وفى هذه الحالة يتقلص الداعى لانفاقها مقارنة بالسابق. ففى زمن الوطنى كان رجل الأعمال يضخ الملايين لقناعته الراسخة بأنها استثمار سيرتد إلى جيبه أضعافا مضاعفة عندما يرتبط بعلاقة مباشرة بأصحاب السطوة فى المجلس ويرتدى عباءة الحصانة فى مواجهة القانون. أما الآن فهناك صعوبة شديدة فى ذلك بعد أن قوضت الثورة الآلة الحزبية لشبكة المصالح القديمة. الأكثر من هذا فاتساع الدوائر يحجم تأثير العصبيات العائلية التى ترسخت فى حدود الدوائر القديمة مجبرا المرشحين على الاعتماد على ما يتسع لسكان الدوائر الأوسع ويربط بينهم: سياسة الدولة فى التعيين والأجور بدلا من «سأعين أهالى البلد فى هذه الوظيفة أو تلك». باختصار قد تساعد على تسييد السياسة فى الدعاية.

شروط المعركة

لا يعنى ما سبق التقليل من شأن عيوب أخرى فى قواعد اللعبة الانتخابية منها (على سبيل المثال لا الحصر) الإبقاء على التعريف القديم للعامل والفلاح فى الترشيح، وهو ما يهدد بتسلل فئات أخرى (كان من أهمها لواءات الشرطة فى برلمانات سابقة) إلى المعركة الانتخابية بانتحال هذه الصفة التى تسم أكثر من نصف سكان مصر.

غير أن من ينظرون للانتخابات كجزء من معركة استكمال الثورة وليس كالمباراة النهائية للحصول على كأسها، هم فقط القادرون على خوضها فى حقيقتها وحجمها: وسيلة للارتباط بالفاعل الحقيقى المتسبب فى الخطوة الجبارة التى شهدتها بلادنا نحو التحرر من الاستغلال والقمع، ومعركة على طريق تحسين شروط نضال الشعب الفقير للسيطرة على مصيره. وهكذا فحتى لو افترضنا أن العسكر يناورون للاتيان ببرلمان يمكنهم من التمويه على الاستمرار فى الحكم ستكون معركة الانتخابات هى معركة تحسين شروط المواجهة المقبلة بالاشتباك مع الناس وتنظيمهم فى مواقعهم (وليس عبر برامج الفضائيات) وفى هذا شتان بين وضعنا الحالى (سلطة قانونية شبه مطلقة فى يد العسكر) وبين وضع، تدخل فيه المواجهة، وهناك برلمان مدنى منتخب، مهما كان معيوبا.

كيف يخوض الثورى الانتخابات؟

فى عصر مبارك كانت القوى السياسية تخوض الانتخابات رغم أن القيود كانت أكبر بكثير. وكان هذا قرارا سليما حتى بالنسبة لثورى. فعلى الرغم من التزوير، ومن أن مجلس الشعب لم يكن إلا أداة حكم مباشرة فى يد الطغاة وطبقة المستغِلِين، إلا أنها كانت فرصة سياسية للتفاعل النادر مع قلة من الجمهور الأعلى وعيا والأكثر استعدادا للمشاركة السياسية رغم كل شيء، على مستوى الدعاية بفضح وتعرية هزلية العملية السياسية وعلى مستوى صك الصلات. عنوان الثورى هو الجماهير أينما وجدت لأنه لا قوة له دونهم.

الآن، المحك فى الانتخابات هو نفسه: كم من المصريين سيذهب للتصويت ويرى فيها شأنا هاما؟ أعتقد أنه لا خلاف أن هذه ستكون الانتخابات الأوسع من حيث الاقبال فى تاريخ مصر الحديث. وبمقارنة الاقبال على الاستفتاء، والاستفتاءات بطبيعتها تجذب عددا أقل من الناخبين، فلا يتوقع أن يقوم بالتصويت أقل من نصف القاعدة الانتخابية وهو ما يعنى 25 مليون مصرى. هل هناك قوة ثورية فى العالم تستحق هذا الوصف يمكن أن تتجاهل التفاعل مع هذا العدد على الأرض؟

تجمع استطلاعات الرأى على أن أغلبية المصريين لم تتخذ قرارا بعد بشأن القوى التى ستؤيدها. وهذا صحيح. لكن هذا أيضا لا يعنى أن المصريين لا يعرفون ماذا يريدون: العدالة الاجتماعية والعيش الكريم والحرية وسلطة الشعب. القضية هى من وكيف. وهذه معركة أفكار ومصالح لا يجب النكوص عنها لمن كان ثوريا.

لكن الثورى لا يسقط أيضا فى فخ اختصار كل شيء فى الانتخابات. فالبرلمانية بصورتها تلك تعانى أزمة هائلة فى العالم لأنها تنعزل يوما بعد يوم عن جمهور الناس واحتياجاتهم ومصالحهم، وبالتالى فإن اعتبارها نهاية المطاف يضرب المستقبل فى مقتل. لقد فتحت لنا الثورة بابا لالهام العالم بسياسة جديدة القيادة فيها للناس. وفى هذا يمكن أن تتحول الانتخابات إلى قاعدة انطلاق جديدة للثوريين بطرق عديدة.

لننظر مثلا إلى التمويل. هناك طريقة التمويل التى نعرفها، من جيوب الأعمال والمؤيدين الأغنياء. وهى تتناسب أكثر مع حالة المرشح على المنصة وهو يعظ الجماهير الساكنة. لكن المرشح الثورى يمكنه أن يحول تمويل حملته إلى جزء من عملية تنظيم وربط لقطاعات واسعة من سكان دائرته بتبرعاتهم القليلة لكن الكثيرة من خلال اللقاء المباشر بهم فى مواقع عملهم وعلى المقاهى وغيرها، وكلها أنشطة كثيفة الجهد البشرى قبل أن تكون كثيفة التمويل. وهوفى ذلك يضرب عصافير عدة بحجر واحد. فالمحك هنا فى اتساع حملته من عدمه هو مدى تمثيله وقناعة أهل الدائرة به (وهى مسألة ليست صعبة إذا كان المرشح قائدا عماليا فى مدينة كالمحلة أو نجع حمادى مثلا). وهكذا لا يصبح التزامه فى المستقبل مؤمما لشخص أو لشركة وإنما لقاعدة تأييده الواسعة. والروابط التى تتشكل لجمع التبرعات وتنظيمها يمكنها أن تصبح أرضية لنقاش سياسى لا ينتهى فى المستقبل بانتخاب المرشح أو حتى سقوطه أمام منافسه. ويمكنها أن تحول علاقتهم بالبرلمان نفسه من التفويض التام الذى لا مراجعة فيه إلى مشاركة دائمة تربط المطلبى بالسياسى والمحلى بالقومى.

الثورى يجد ملجأه فى الجماهير، وجريمته الكبرى هى أن يعزل نفسه عنها. والانتخابات فى أسوأ الأحوال الآن هى أكبر منصة دعاية لفضح المتخاذلين والتعبئة على مهام الثورة التى لم تستكمل، فى الشارع، ومع الناس، مع المضربين والفلاحين والصيادين، صانعى الحق والثورة.

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s